بغداد ـ «القدس العربي»: استذكر الإيزيديون في العراق، أمس الإثنين، مرور الذكرى السنوية السادسة على احتلال «الدولة الإسلامية» قضاء سنجار في محافظة نينوى الشمالية، معقل الإيزيديين في البلاد، وما رافقه من عمليات قتلٍ وسبيٍ وتهجير، طالتهم على يد التنظيم، خلّفت مقتل نحو ألفٍ شخص، وسبّي نحو ثلاثة آلاف امرأة، فيما لا يزال مصير مثل ذلك العدد مجهولاً.
وفي الثالث من آذار/ مارس 2014، شنّ تنظيم «الدولة» هجوماً على قضاء سنجار والقرى المحيطة به، متسبباً بمأساة لا يزال جرحها غائراً حتى الآن.
وبعد مرور 6 سنوات على الواقعة، لم يتمكن أغلب أهالي القضاء من العودة إلى مدينتهم المدمّرة بفعل الحرب تارة، وبفعل الفوضى الإدارية والأمنية، تارة أخرى، وانتشار الجماعات المسلحة التابعة لحزب «العمال الكردستاني»، والأحزاب السياسية الكردية، ناهيك عن الفصائل المسلحة.
وتقدّر المنظمات والمؤسسات غير الحكومية المعنية بالقضية الإيزيدية، مقتل أكثر من 1293 شخصاً من الإيزيديين خلال سيطرة التنظيم على المدينة، بالإضافة إلى سبي أكثر من 3000 امرأة، فيما لا يزال مصير ألفين و887 إيزيدياً مفقوداً منذ ستّة أعوام.
مركز «لالش»، وهو أكبر مؤسسة مجتمع مدني للإيزيديين في إقليم كردستان والعراق والعالم، حمّل الحكومة الاتحادية في بغداد مسؤولية ما سماه «الوضع المعقد» و«فوضى السلاح» في قضاء سنجار.
وأضاف في بيان صحافي: « هنالك عشرات الألوف من الذين فروا باتجاه أوروبا وأمريكا وأستراليا وغيرها هربا من مستقبل مجهول بسبب تصاعد المدّ الديني المتطرف في عموم الشرق الأوسط، وبضمنه العراق الفيدرالي».
وزاد: «نحن على دراية كاملة أن لو تم فتح باب الهجرة للإيزيديين فإن مئات الآلاف منهم سيغادرون نحو المهجر، وكل ذلك بسبب عدم ثقتهم بالمستقبل القريب والبعيد، ومن حقهم أن يعملوا على حماية عوائلهم من أخطار لا يمكن التكهن بوقوعها، لكن أسبابها تتغذى على مرأى الجميع من خلال خطاب ديني تكفيري ومذهبي تغض الطرف عنه الحكومات المجاورة لأسباب ومصالح ضيقة ومعروفة».
وأشار المركز إلى أن «ذكرى فاجعة شنكال (سنجار باللغة الكردية) ستبقى تنزف وجعا إيزيديا، مثلما بقت وستبقى وصمة عار في تاريخ ومستقبل وجبين كل من نفذها ودعمها من خلف الكواليس المظلمة».
مفترق طرق
ووفق المؤسسة الإيزيدية، فإن أهالي سنجار يقفون اليوم أمام مفترق طرق يتمثل بـ«الوضع المعقد في شنكال ومجمعاتها وجبلها، وفوضى السلاح العارمة، ووجود اطراف مسلحة عديدة كلها تبحث عن مصالحها وتتاجر بالوجع الإيزيدي، لكن اهتمامهم بالإيزيديين ليس إلا شعارا زائفا لتحقيق مآربهم التي باتت مكشوفة للجميع».
وحمّل المركز، بغداد كامل المسؤولية عن «الوضع المعقد» في سنجار، معتبراً أن العاصمة الاتحادية «تتعمد ترك الأمور على حالها الفوضوي، لتحقيق أهداف قد تصل مدياتها لخارج الحدود العراقية، وفي الوقت نفسه، فإن معاناة أهلنا تتعمق وتترسخ سواء في مخيمات النزوح أو لدى من عاد لأرض شنكال على أمل البدء بحياة جديدة».
وطالب الحكومة العراقية بـ«إيجاد حل لفوضى السلاح في عموم شنكال، وإبعاد كل الفصائل المسلحة، من العراقيين والأجانب، وأن تكون هنالك تفاهمات بين وزارة الدفاع العراقية ووزارة البيشمركه في إقليم كردستان حول كيفية إدارة الأمور في شنكال، وبالتنسيق العالي مع أهل شنكال، مع إيقاف مهزلة من يشغل مناصب إدارية من قائممقام ومدراء نواحي ممن تم تنصيبهم عنوة من خارج الحدود العراقية».
وعلى المستوى البرلماني، قال ممثل الإيزيديين في مجلس النواب النائب صائب خدر، في بيان صحافي: «ست سنوات ونحن نطالب من كل الجهات أن تكون هناك حلول على أرض الواقع لوضع الإيزيدية في سنجار للحفاظ على هذا النوع العراقي المميز ولكن دون جدوى لكل مطالبنا».
ومضى قائلاً: «يعتبر قضاء سنجار القضاء العراقي الوحيد الذي يشكوا من إزدواج إداري أثر على معاملات الناس وتوفير الخدمات، وبالرغم من أننا طالبنا مراراً أن تقوم الحكومة وبالتنسيق مع حكومة إقليم كردستان وكذلك الحكومة المحلية بتسمية قائممقام إيزيدي معتدل ومستقل يدير القضاء، ولا يكون محسوباً على أي طرف في هذه المرحلة لتمشية أمور القضاء الإدارية والخدمية لحين إجراء الانتخابات، ولكن رغم كل المطالبات مازال هذا الملف لم يحل لأسباب سياسية».
وأكد «إننا طالبنا أيضا بإبعاد سنجار وأهلها عن الصراعات المحلية والاقليمية وفرض سلطة القانون والدولة على أراضي سنجار وجعلها منطقة بعيدة عن أي خلافات سياسية محلية أو إقليمية، وإيقاف القصف المتكرر على مناطقنا في سنجار لتمكين الأهالي من العودة لمناطقهم واستقرارهم، ولكن يصر البعض على جعلها عرضة للحسابات سياسية».
نحو ثلاثة آلاف في عداد المفقودين… وتوجه كردي لتحويل القضاء لمحافظة
وبالإضافة إلى آلاف القتلى والمفقودين، كشفت وزيرة الهجرة والمهجرين العراقية، إيفان فائق جابرو، عن 46 ألف عائلة إيزيدية مهجرّة تقطن في إقليم كردستان.
وأكدت الوزيرة خلال مشاركتها في المؤتمر العالمي الخاص بالذكرى السادسة للإبادة الجماعية بحق الإيزيديين عبر الدائرة الإلكترونية التي أقامتها منظمة «يزدا» الإنسانية، أهمية تشريع القوانين التي من شأنها تعويض المختطفين الإيزيديين، إضافة إلى حسم موضوع الإدارة المحلية لقضاء سنجار، مقترحة أن تولى شريحة الإيزيديين الأولوية بالتعيينات وتعويض جميع العائلات التي تضررت منازلها كليا أو جزئيا وبشكل سريع.
وأضافت: «طالبنا الحكومة المحلية في محافظة نينوى بأن تسرع بفتح مكتب يعنى بملف تعويضات العوائل المتضررة، وقد تم افتتاح المكتب بالفعل»، مشددة على أهمية «توجيه المجتمع الدولي لجميع المنظمات الدولية لدعم وتوحيد الجهود وتسريع العمل في سنجار، إلى جانب توفير الاحتياجات الضرورية كالمأوى والرعاية الصحية والتعليم والبنى التحتية والخدمات الاخرى لتسريع عودتهم إلى مناطقهم الأصلية».
عراقيل سياسية وإدارية
الرئيس العراقي برهم صالح، قال، خلال كلمته في المؤتمر: «من المعيب فعلاً القصورُ والتقاعسُ الخطير في تلبيةِ متطلباتِ أهلِنا في سنجار»، مؤكدا «ضرورةِ تجاوز العراقيل السياسية والإدارية».
وحثّ رئيس الجمهورية، على أهميةَ «محاسبة المقصرين والمتسببين في دخول واحتلال داعش لمدنِنا وقرانا، وما نتجت عن ذلك من أضرارٍ مادية واعتبارية في قواتِنا الأمنية والعسكرية وفي ما تعرضت له المدنُ وسكانها».
أما مفوضية حقوق الإنسان ـ خاضعة لرقابة البرلمان الاتحادي، فطالبت الحكومة الاتحادية بـ«تدويل» جرائم التنظيم بحق الإيزيديين.
وقال عضو المفوضية فاضل الغراوي، في بيان صحافي: «على الرغم من صدور قرارات من الأمم المتحدة ومجلس النواب باعتبار ما حصل جرائم إبادة جماعية، يتطلب قيام الحكومة العراقية بتدويل هذه الجرائم واعتبار هذه المناطق منكوبة وتقديم كافة البرامج لإعادة إعمارها وتأمين متطلبات العودة الطوعية للنازحين واكمال ملف التعويضات وإنهاء ملف المفقودين وفتح كافة المقابر الجماعية والعمل بشكل جاد مع فريق التحقيق الأممي لجمع كافة الأدلة وتقديم الجناة للقضاء وإنصاف الضحايا وإنشاء المركز التوثيقي للإبادة الجماعية في العراق».
في الأثناء، حثّت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق جينين هينيس ـ بلاسخارت، بغداد وأربيل، على التوصل إلى اتفاقٍ دون تأخير لتوفير الأدوات والبيئة المناسبة لأبناء «هذا المجتمع المنكوب» لإعادة بناء حياتهم.
وتابعت في بيان صحافي: «تعاني النساء بشكلٍ خاص من الوصمة والرفض، إلا أن الإيزيديين الذين لا يفارقهم كابوس هذه الفظائع، ومع ما يتعرضون له اليوم من تحدياتٍ سياسيةٍ وأمنيةٍ واقتصادية، لا زالوا عازمين على بناء مستقبلٍ أفضل».
وأشارت إلى أن «ما يدعوني للتفاؤل هو عزم العديد من الإيزيديين وهم يسعون إلى الحرية والعدالة لمجتمعهم»، موضحة أن «محنتهم لم تنته بعد»، وأضافت: «لا يزال أهالي سنجار يعانون ـ من انعدام الأمن وغياب الخدمات الكافية وعدم وجود إدارة موحدة».
أما إقليم كردستان العراق، فاستغل الذكرى السنوية السادسة لإبادة الإيزيديين، للمطالبة بتحويل قضاء سنجار إلى محافظة.
رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني، قال في بيان له: «بينما نستذكر هذه الذكرى الأليمة، لاتزال جراح أخواتنا وإخواننا الإيزيديين تقطر دماً للأسف ولايزال الآلاف منهم يقيمون في مخيمات النزوح، ومازالت سنجار ومناطق الإيزيديين الأخرى لم تجر إعادة إعمارها بعد ولم تهيأ الأرضية المناسبة لعودة الاستقرار وعودة الحياة إليها»، مذكرا أن «سنجار تحولت إلى مرتع للمسلحين اللاقانونيين الذين منهمكون بتنفيذ أجنداتهم وبرامجهم السياسية على جراح وآلام الإيزيديين».
وتابع بارزاني «نؤكد في هذه الذكرى أن إقليم كردستان سيستمر في بذل جهوده من أجل توفير الاستقرار وإعادة الأمان وإعمار سنجار وتحويلها إلى محافظة، وسيتعاون كل تعاون مع الحكومة الاتحادية العراقية وإدارة محافظة نينوى لتحقيق هذه الأهداف، وسيعمل على الصعيد الدولي لإقرار هذه الجريمة كجريمة إبادة جماعية وذلك من خلال التعاون مع الأمم المتحدة، ومن ثم لتقديم المجرمين إلى المحاكم وتعويض الضحايا».
تطبيع الأوضاع
كذلك، أصدر رئيس حكومة الإقليم، مسرور بارزاني بياناً صحافياً بالذكرى جاء فيه: «يتحتم على كل الجهات أن تتكاتف لإعادة إعمار سنجار وتطبيع الأوضاع في المدينة وبما يضمن خلوها من أي قوة مسلحة أجنبية أو ميليشيات، على أن تتم حماية أمن المنطقة واستقرارها بالتنسيق بين حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية».
وأشار إلى أن «جهود حكومة إقليم كردستان لا تزال متواصلة من أجل تحرير من تبقى من المختطفات والمختطفين الإيزيديين الذين ما زالوا مجهولي المصير وفي عداد المفقودين لغاية الآن، وذلك بنفس وتيرة مساعيها الدؤوبة التي تكللت في تحرير العديد من المختطفين من براثن داعش».
ودعا بارزاني «الحكومة الاتحادية إلى العمل على تعويض الأخوات والإخوة الإيزيديين ومساعدة النازحين منهم»، مشددا على «ضرورة توفير البيئة الملائمة لهم ليعودوا إلى مناطقهم بهامات مرفوعة».
في حين، انتقد المكتب السياسي لحزب «الاتحاد الوطني الكردستاني»، التباطؤ في التعريف بالجرائم التي تعرض لها الإيزيديون كـ»جرائم إبادة جماعية».
وأضاف في بيان صحافي: «في الوقت الذي نستذكر فيه جرائم الابادة الجماعية ضد الإيزيديين، تتعرض فيه عصابات داعش الارهابية، الى هزائم كبيرة من قبل قوات البيشمركه والقوات الاتحادية وبمعونة من الدول الصديقة وقوات التحالف، ولكن لا يزال هنالك عدد كبير من مجرمي داعش طلقاء ولم يتم القبض عليهم بعد او تقديمهم الى العدالة، وكذلك لم يتم العمل بشكل جدي على تعريف الجرائم كجرائم إبادة جماعية على الصعيد العراقي والدولي ولا تزال العقلية الداعمة لمثل هذه الجرائم مثل ما هي، وتظهر من خلال نسخ وصيغ جديدة تصيب فضاء الحياة ومستقبل المجتمع المتعدد والجميل في اقليم كردستان والعراق».
وشدد على أن «من الضروري في إقليم كردستان، وعلى مستوى البرلمان والحكومة والمؤسسات ذات الصلة، على صعيد الأحزاب والأطراف السياسية ونواب الكتل الكردستانية في بغداد، أن تجعل من قضية الإبادة الجماعية ضد الكرد الإيزيديين، همها الإنساني والوطني والقومي، وزن تكون لها محاولات وبجهود مستمرة، وعلى ضوء القوانين والاتفاقيات الدولية، وبالخصوص في محكمة العدل الدولية، بالعمل على تعريف تلك الجرائم، كجرائم إبادة جماعية ضد الإنسانية، وأن يتم تقديم الجناة إلى القضاء، وتعويض الضحايا والمتضررين من تلك الجرائم».
ورأى أن «الواجب الوطني والقومي والإنساني للأطراف والمؤسسات ذات الصلة، هو العمل وبدون تقصير للبحث عن المغيبين وتحديد مصيرهم، وفتح المقابر الجماعية والحفاظ على الدلائل، وإعمار المناطق المتضررة وتحسين الحالة المعيشية للأهالي».