تُطرح هذه الأيام تساؤلات كثيرة وهامة حول مفهوم الديمقراطية عموماً وما آلت إليه المبادئ والقيم في الولايات المتحدة نظراً لأن ما يحدث في أمريكا يؤثر كثيراً على هذا المفهوم في العالم.
الأستاذان في جامعة هارفرد الأمريكية ستيفن ليفتسكي ودانيال زبلات، تطرقا لهذا الموضوع في كتابهما الصادر مؤخراً بعنوان “كيف تموت الديمقراطيات؟” الذي يُلاقي رواجاً كبيراً ويحظى بمراجعات صحافية ومتابعة أكاديمية في الأوساط الأمريكية والعالمية في ظل نظام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

يقول الكاتبان في المقدمة انه في السنتين الأخيرتين ينفّذ كبار قادة أمريكا سياسات ويُدلون بتصاريح خطيرة ليست لها سوابق في مبالغتها وتطرفها في تاريخ هذا البلد في العقود الأخيرة الماضية. ويتساءلان إذا كان هذا يعني أن الديمقراطية الأمريكية في خطر؟
وفي هذه المواقف، حسب المؤلفين، أن القيادة الحالية تعتبر خصومها السياسيين أعداء وتتهجم على وسائل الإعلام إذا انتقدتها، وتُصعّد ضد الأجهزة الأمنية والسلطات القضائية.
ويعتبران أن مثل هذا الأمر حدث “لأنه في أواخر عام 2016 انتُخب لرئاسة السلطة رجل يفتقد إلى الخبرة في إدارة الشؤون العامة للمرة الأولى منذ زمن”.
ويضيفان: “أن الديمقراطيات تموت ليس فقط نتيجة لحدوث انقلابات عسكرية يقودها جنرالات يملكون الأسلحة الضاربة ويستولون بواسطتها على السلطة من دون المرور بعمليات انتخابية، بل بإمكان الديمقراطيات ان تموت ويقضى عليها بواسطة قادة منتخبين يقضون تدريجياً على العملية الديمقراطية التي أوصلتهم إلى السلطة بتعطيلها ببطء أو بعجلة.
ويدعو الكاتبان قادة الأحزاب الأمريكية الرئيسية (خصوصاً الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري) والشعب الأمريكي عموماً للتنبه إلى خطورة حدوث هذه التطورات في الولايات المتحدة حالياً بحيث يقود البلد “قائد شعبوي متطرف”.
ويوجهان اللوم بشكل رئيسي إلى “الحزب الجمهوري الأمريكي” ومؤيديه الذين سمحوا بوصول قائد من هذا النوع إلى السلطة، كما لا يستثنيان قادة الحزب الديمقراطي في هذا الشأن لأنهم لم يُحسنوا إدارة معركتهم لمواجهة هذا الخطر وعليهم بدورهم تبديل خططهم.
ويقولان إنه برغم وجود ضوابط في الدستور الأمريكي لمثل هذه التطورات، فالأمر الأهم في الدستور ليس ما هو مكتوب فيه بل الميثاق غير المكتوب الموجود في روح الدستور وقيمه الأخلاقية المعمول بها في العقود السابقة والتي يتم تجاوزها حاليا.
ومثل هذه التجاوزات التي تُرتكب حالياً في رأيهما، خلقت حالة من التشنج والتوتر بين الأحزاب والمجموعات الأمريكية الاجتماعية والإثنية والجندرية بحيث تزول تدريجياً حالة القبول بالآخر وتحمّل الانتقاد من سائر الجهات المعارضة.
غير أن الكاتبين يرفضان التشاؤم ويقولان إن بالإمكان التراجع عن مثل هذه التطورات السلبية إذا مارست القوى الديمقراطية الفعلية في أمريكا المبادرات المطلوبة لمواجهة التجاوزات بشجاعة، وإذا امتنعت عن قبولها كأمر واقع.
في الفصول الأخيرة يأسف الكاتبان لأن أمريكا، في رئاسة ترامب، تخسر موقعها القيادي في نشر الديمقراطية في العالم للمرة الأولى منذ الحرب الباردة في القرن الماضي، بحيث لم تعد نموذجاً ديمقراطياً تتّبعه دول العالم. وفي بلد يهاجم رئيسه وسائل الإعلام ويهدد خصومه والذين لا يتفقون معه بالسجن ويحاول تغيير التوجهات والتشريعات الانتخابية، لا يمكنه أن يدّعي بانه حامي الديمقراطية في العالم. (ص 253)
ويورد المؤلفان ثلاثة سيناريوات قد تؤدي إلى تجنب المزيد من التجاوزات للديمقراطية في أمريكا، أولها خسارة ترامب التأييد الذي يتمتع به في حزبه وفي الأكثرية الجمهورية في مجلس الشيوخ، أو حدوث تطورات تؤدي إلى تنحيته وإقصائه عن الرئاسة. وهذا مستبعد (في رأيهما) حاليا. والثاني، هو استمرار ترامب ومؤيديه في الحزب الجمهوري في دفع أمريكا نحو سياسات التفوق العرقي الأبيض والقومية الأمريكية المتطرفة وتصعيد الحملات والتشريعات والسياسات الاقصائية ضد الأجانب والراغبين في الهجرة إلى أمريكا من أبناء العالم الثالث والإثنيات والأجناس المختلفة ومحاولة الهيمنة على المحاكم العليا. وهذا سيؤدي ربما إلى مواجهات عنيفة في الشوارع والقمع بحجة ضبط الأمن. وهذا السيناريو بعيد حاليا (ولكن من الممكن حدوثه) حسب المؤلفين.
أما السيناريو الثالث، ولعله الأكثر إمكانية الحدوث فهو استمرار حالة التشنج السياسي والمواجهة بين الفئات الأمريكية المختلفة ايديولوجياً، وفي مجال القيم. ولكن، مثل هذه المواجهة ستقتصر على محاولة وضع اليد على المؤسسات أو محاولة تطوير مؤسسات الدولة لتمنع استمرارية التوجه الحالي. فالديمقراطية الأمريكية حاليا، في رأي المؤلفين، ليست محمية مؤسساتياً بما يكفي ما يساهم في المزيد من التنافر الاجتماعي بين السود والبيض وبين المسيحيين ومعتنقي الأديان الأخرى وتستمر الإثنيات اللاتينية في مواجهتها مع الانكلوسكسونية. والأهم هي الفوارق الكبيرة في الثروة والمقدرة على العيش والتعليم والطبابة بين الأغنياء الفقراء.
وهنا تكمن، حسب موقفهما، أهمية استمرار الإصلاحات في نشر التأمين الصحي والطبابة والتأمينات الاجتماعية التي حققها الرئيس باراك أوباما وناهضها وحاول الغاءها ترامب. وهنا أيضا يجب استمرار “المعركة” واستقطاب الحزب الديمقراطي في أمريكا، ليس فقط للمواطنين السود وأبناء الأقليات والفقراء، بل أبناء الطبقة الوسطى والوسطى المتدنية من السكان بيض البشرة في أمريكا إلى هذه العملية ومنع المتطرفين من جذبهم تحت حجج عنصرية أو دينية أو سياسية مفتعلة.
خطأ الديمقراطيين، في رأي المؤلفين، كان وقد يستمر لدى قيادات الحزب الديمقراطي الأمريكي بأن بعضهم قرر اعتماد خطة ترامب في استقطاب الرأي العام عبر الشعبوية والمواقف السياسية والاجتماعية المتطرفة (يعني اعتماد الحرب القذرة) بدلاً من التركيز على إصلاح وتطوير المؤسسات.
وفي هذا المجال، دعا الكاتبان قادة الحزبين الرئيسيين “الجمهوري والديمقراطي” إلى اعتماد خطة مشتركة للإطاحة بترامب والنظام الحالي وإقصاء الرئيس.
والمطلوب، في رأيهما، إنشاء تكتل موسع ومتعدد التوجهات في مجال الدفاع عن الحريات السياسية والمدنية والشخصية يضم قادة من جميع الأديان والعقائد والإثنيات والأجناس، حتى لو اختلفت قياداته في بعض توجهاتها ولكنها تتوحد في الدفاع عن الديمقراطية في أمريكا والعالم. والحزب الجمهوري الأمريكي يجب أن يتحرر من الخضوع لممولين من “اللوبيات” الكبرى ومن قاعدته من المسيحيين البيض ومن وسائل إعلامه التي تبث الأكاذيب وتحض الشعب الأمريكي على الانقسام وكره الآخر. المطلوب نشوء حزب جمهوري شبيه بـ”الحزب الديمقراطي المسيحي” الذي انطلق في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية والذي ساهمت أمريكا في إنشائه للحلول مكان الحزب النازي في استقطاب اليمين الألماني الذي نجح رئيسه المستشار كونراد اديناور في استقطاب جهات مختلفة في ألمانيا تستطيع التعاون مع خصومها السياسيين.
أما الحزب الديمقراطي الأمريكي والكاتبان يعتبران بان عليه استقطاب الطبقات الوسطى إلى درجة أكبر ولكن مع الاستمرار في دعم الطبقات الفقيرة من الأجناس والإثنيات المختلفة.
وفي النهاية، التركيز يجب أن يكون (لدى الحزبين الرئيسيين) على تحقيق النمو الاقتصادي والاجتماعي الذي يوفر الوظائف والحياة الطبيعية لجميع طبقات المجتمع الأمريكي، بنظر المؤلفين. وهذا لا يحققه أي قائد أمريكي أو غير أمريكي بمفرده، بل عن طريق العمل الإيجابي الجماعي غير المثير للنعرات والانقسامات.
ومما لا شك فيه أن هذا الكتاب يثير أسئلة حول سبب تركيز الكاتبين على تأثير غياب الديمقراطية في العالم حالياً على دول أمريكا اللاتينية والجنوبية من دون الربط الكافي بين ما حدث في السنوات الأخيرة من تغييرات في قيادة الولايات المتحدة بما يحدث من زيادة التطرف في الشرق الأوسط لدى إسرائيل وحلفائها وتعاملهما السيء مع الشعب الفلسطيني وشعوب الدول العربية المجاورة وكأن هذا الموضوع من الأفضل تجنبه أو المرور عليه بعجلة.
ففي الصفحة (22) يعتبران أن أدولف هتلر وبنيتو موسوليني قادة ألمانيا وإيطاليا المتطرفين خلال الحرب العالمية الثانية اعتمدا الأساليب التي اعتمدها قائد فنزويلا الراحل هيوغو تشافيز للوصول إلى السلطة، أي أنهما تغلغلا في النظام القائم قبلهما رغم عدم حصولهما في البداية على المقاعد الانتخابية المطلوبة. وبعد ذلك، نجحا (كما نجح تشافيز) في قيادة البلد بطريقة “دكتاتورية”. أي أنهما كانا خارج النظام القائم واندسا فيه على غفلة من الأحزاب القيادية الأخرى. ولا يذكران أن أمراً مشابهاً حدث في إسرائيل لدى انخراط حزب “الليكود” (بقيادة مناحيم بيغين) في السلطة عندما لم تكن نسبة تأييده تتجاوز الـ15 في المئة، واشترك بيغين بعد ذلك في حكومة ليفي اشكول قبل أن يفوز في الانتخابات الإسرائيلية عام 1977 ويحّول وجهة البلد نحو المزيد من التطرف، إلى ان استلم الليكود والسلطة من بعده بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء حتى الساعة. فهل تشافيز وأمثاله من قادة أمريكا اللاتينية والجنوبية في نيكاراغوا وكوبا وغيرهما أكثر خطورة من أتباع قيادات عصابات “الارغون” اليهودية التي قتلت وهجّرت المدنيين الفلسطينيين واستولت على دولتهم؟ وماذا عن الديمقراطية هنا؟
هناك تحفّظ من المهم الإشارة إليه عندما نقرأ أو نراجع كتباً لمفكرين أمريكيين مرموقين وهو عدم قدرتهم على تجاوز “الصوابية السياسية المسموح بها” في نتاجهم الفكري النقدي. فعندما يتحدث الكاتبان عن وجود وانتشار الديماغوجية لدى عدد كبير من القادة السياسيين في العالم نجدهما انتقائيان في اختيار الأسماء. وعندما يشيران إلى تبدلات باتجاه الديمقراطية في أمريكا الجنوبية يعتبران أن كولومبيا هي إحدى الدول التي ذهبت في هذا الاتجاه والخطر في رأيهما ما زال على أشده في فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا وحلفائهم.
بالنسبة إلى إسرائيل ولبنان يذكر الكاتبان في أحد الفصول الختامية ان استيلاء إسرائيل واحتلالها وهيمنتها على الضفة الغربية ستؤدي إلى “قضية ديموغرافية تهدد بنشوء نظام تمييز عنصري كما أشار إليه رئيسا وزراء إسرائيليين سابقين”. (ص 256).
وحول الحرب الأهلية اللبنانية التي انطلقت في عام 1975 يشير الكاتبان في الصفحة نفسها إلى أن “انخفاض عدد المسيحيين في لبنان بعدما كانوا يشكلون أكثرية ديموغرافية في البلد أدى إلى نشوب حرب أهلية دامت خمس عشرة عاماً!!”.
قد يكون التركيز على أهمية “القضية الديموغرافية” في فلسطين ولبنان لكون الكاتبين أوردا ما قالاه في سياق فصل يتناول قضايا أخرى، ولكن تجنب التركيز على القضية الفلسطينية وحرب لبنان الأهلية في كتاب موضوعه “كيف تموت الديمقراطيات في العالم؟”. قد يطرحُ التساؤلات، وخصوصاً أن الكاتبين متعاطفان مع الحزب الديمقراطي الأمريكي ذي المواقف المنحازة عموماً لإسرائيل ومشاريعها كما هي مواقف الحزب الجمهوري الأمريكي.
Steven Levitsky and Daniel Ziblatt: “How Democracies Die?”
Broadway Books, New York 2019
385 Pages.