القاهرة ـ «القدس العربي»: تواصلت الاتهامات بين مصر والسودان وإثيوبيا حول سد النهضة، رغم دعوة رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، أمس الأربعاء، نظيريه المصري مصطفى مدبولي، والإثيوبي آبي أحمد، لاجتماع قمة ثلاثي، خلال عشرة أيام لتقييم المفاوضات التي وصلت لطريق مسدود والتباحث والاتفاق حول الخيارات الممكنة للمضي قدما في التفاوض وتجديد الالتزام السياسي للدول الثلاث بالتوصل لاتفاق في الوقت المناسب، وفقا لاتفاق المبادئ الموقع عليه بين الدول الثلاث في 23 ماس/ آذار 2015.
وقال حمدوك في رسالة وجهها لنظيريه الإثيوبي والمصري، إن المفاوضات وصلت لطريق مسدود، في وقت وصلت فيه أعمال تشييد السد لمرحلة متقدمة، ما يجعل من التوصل لاتفاق قبل بدء التشغيل ضرورة ملحة وأمرا عاجلا.
مستند رسمي
في السياق، وجه وزير الخارجية المصري سامح شكري، خطابات إلى كل من الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن ورئيس الجمعية العامة حول سد النهضة.
وطلب تعميم الخطابات كمستند رسمي فيه شرح لكافة أبعاد ملف سد النهضة ومراحل التفاوض المختلفة وآخر التطورات.
وأجرى شكري أول أمس الثلاثاء، اتصالا هاتفيا مع أنطونيو غوتيريش سكرتير عام الأمم المتحدة، حيث استعرض آخر التطورات في ملف سد النهضة، مؤكدا على ثوابت الموقف المصري الداعي إلى ضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة.
كما تم التأكيد على خطورة استمرار إثيوبيا في اتخاذ إجراءات أحادية نحو الملء الثاني دون التوصل لاتفاق وأثر ذلك على استقرار وأمن المنطقة، فضلا عن أهمية دور الأمم المتحدة وأجهزتها في الإسهام نحو استئناف التفاوض والتوصل إلى الاتفاق المنشود، وتوفير الدعم للاتحاد الأفريقي في هذا الشأن.
وضع معقد
محمد غانم، المتحدث باسم وزارة الموارد المائية المصرية، أكد في تصريحات صحافية إن الوضع بات بالفعل أكثر تعقيدا وتشابكا.
وأضاف: كلما عرضنا على إثيوبيا مقترحا قامت برفضه، فمثلا وضعنا أمام الإثيوبيين عدة سيناريوهات لتفادي أي أضرار محتملة لسد النهضة، منها في حالة أن يكون السد العالي وسد النهضة ممتلئين بالمياه، فماذا سيكون الوضع وكيف يمكن تشغيلهما سويا؟ وماذا لو كان السدان ممتلئين وكان الفيضان عاليا وكبيرا فماذا نفعل؟ وما الكمية المتاحة للتخزين والتصريف؟
وتابع: استفسرنا أيضا خلال المفاوضات حول ماذا يمكن أن نفعل في حالة أن يكون السدان ممتلئين وكانت مياه الفيضان قليلة في موسم من مواسم الأمطار، وماذا لو كان السدان ممتلئين وكان الفيضان كبيرا فمن يمكنه عندئذ التخزين أولا؟
وتابع: طرحنا على الإثيوبيين أيضا الإجابة على الوضع في حالة إذا ما كان السدان ممتلئين وطلبت إثيوبيا التخزين أولا لتوليد الكهرباء، لأن هذا يعني حرمان مصر من مياه لازمة لتشغيل السد العالي وتوليد الكهرباء أيضا، وفي حالة أن كان الفيضان قليلا فالأمر يتطلب أن تصل المياه مصر أولا حتى يصل معدل منسوب المياه في السد العالي للحد الذي يسمح بتشغيله، ومن ثم توليد الكهرباء وبعدها يمكن لإثيوبيا البدء في التخزين.
وزاد: الجانب المصري افترض أيضا سيناريو في حالة ما إذا كانت المياه في السدين متوسطة وكان موسم الفيضان متوسطا، كما افترضنا سيناريو آخر وهو في حالة ما إذا كان السدان منخفضين في المياه وجاء الفيضان منخفضا فمن يحق له الملء والتخزين أولا، ومن يحق له الملء والتخزين بعد ذلك؟ وكل هذا مع مراعاة حالة السدود السودانية أيضا.
خطابات مصرية لمجلس الأمن والأمم المتحدة… وأديس أبابا تتهم القاهرة والخرطوم بتسييس الأزمة
وأضاف أن إثيوبيا لم تجب عن كل تلك الأسئلة، ولذلك طلب الوفد المصري والسوداني ضرورة التنسيق والاتفاق أولا قبل الملء الثاني أو حتى تشغيل سد النهضة مستقبلا.
وكشف عن أن أسوأ السيناريوهات سيكون في حالة أن يكون منسوب المياه في السدين منخفضا وجاء موسم الفيضان منخفضا، لكن هناك سيناريو معقول، وهو أن يكون السد العالي ممتلئا بالمياه وسد النهضة لديه منسوب متوسط، وجاء الفيضان عاليا، ففي هذه الحالة الأمر يمكن السيطرة عليه حيث يمكن للإثيوبيين بدء الملء أولا لأنه لن تحدث أزمة لدينا في السد العالي.
وقال إن هناك منسوبا معينا من المياه يجب توافره في السد العالي حتى يمكن توليد الكهرباء، وكذلك الحال في سد النهضة وسدود السودان، وهذه أمور يجب الاتفاق والتنسيق حولها حتى يمكن للسلطات المصرية والسودانية الاستعداد واتخاذ كافة التدابير اللازمة لمواجهة ذلك، ولكن كل ذلك قوبل بالرفض والتعنت الإثيوبي. وذكر أن الغالبية العظمى من السيناريوهات التي طرحتها مصر تحقق مطالب الجانب الإثيوبي في التنمية وتوليد الطاقة، ولكن ما زالت إثيوبيا تماطل وتتعنت وليست لديها رغبة أو إرادة سياسية في توقيع أي اتفاق يضمن حقوق دولتي المصب ويضمن حقوقها أيضا، مضيفا أن إثيوبيا تراوغ، وكلما اقتربنا من توقيع اتفاق تتهرب وتتنصل من وعودها السابقة رغم أن كافة بنود المفاوضات تضمن حقوقها.
وكشف أن إثيوبيا «تهدف لتضييع الوقت في أي مفاوضات وعندما نصل لرقم معين يمكن التوافق حوله تعاود في أقرب جولة للمفاوضات وتنكر ما تم الاتفاق عليه سابقا وتتعنت وتفشل أي اتفاق» مشيرا إلى أن مصر مستعدة تماما لكافة السيناريوهات ودخلت في عدة مشروعات بديلة لتوفير المياه ومواجهة تداعيات سد النهضة.
في الموازاة، اتهم وزير الخارجية دمقي مكونن، ووزير المياه والري والطاقة، سيليشي بيغيلي، مصر والسودان بتسييس أزمة سد النهضة.
جاء ذلك خلال لقائهما السفراء الأفارقة في أديس أبابا على هامش المفاوضات الثلاثية التي يقودها الاتحاد الأفريقي بين إثيوبيا ومصر والسودان حول سد النهضة الذي عقد في كينشاسا في جمهورية الكونغو الديمقراطية 4-5 أبريل/ نيسان 2021.
الأمن المائي العربي
وأعرب وزيرا الخارجية والمياه الإثيوبيان عن خيبة أملهما إزاء محاولات مصر والسودان اعتبار سد النهضة تهديدا للأمن المائي العربي، في حين أن جميع الدول المشاطئة أفريقية منها مصر والسودان.
شددا على أن مثل هذا التسييس غير مقبول، وقالا إن على الدبلوماسيين تفهم الوضع على أرض الواقع وعدم الوقوع في الفخ.
وسلط الوزيران الضوء على القضايا التي نوقشت في اجتماع كينشاسا ووجهات نظر إثيوبيا في هذا الشأن.
وقالا: تعتقد إثيوبيا اعتقادا راسخا أن المفاوضات الثلاثية التي يقودها الاتحاد الأفريقي هي الطريقة الوحيدة القابلة للتطبيق للتوصل إلى نتيجة مربحة للأطراف المتفاوضة.
وأكدا أن التعاون وروح الأخوة الأفريقية هما الخيار الأفضل لإدارة واستخدام مياه النيل، لذلك تماشياً مع البيان الصادر في ختام اجتماع مكتب الاتحاد الأفريقي للجمعية في تموز/ يوليو 2020، فإن الطريقة الأكثر عملية لنجاح المفاوضات هي أولاً الاتفاق على الملء الأول والعمليات ذات الصلة وثم الشروع في اتفاق شامل بشأن استخدام مياه النيل.
وأبلغ الوزيران السفراء أنه من أجل تسهيل تبادل البيانات المتعلقة بالملء الثاني القادم لسد النهضة الذي سيبدأ في يوليو/ تموز 2021، اتخذت إثيوبيا بحسن نية زمام المبادرة وأبلغت رسميا من خلال وزير المياه والري والطاقة نظراءه في السودان ومصر.
وحسب بيان للخارجية الأثيوبية تم إطلاع السفراء على الوضع الحالي على طول الحدود بين إثيوبيا والسودان والتزام إثيوبيا الراسخ بحل المسألة بالوسائل السلمية على أساس الاتفاقات الثنائية وآليات الحدود القائمة.
وتصر أديس أبابا على الملء الثاني للسد في يوليو/ تموز المقبل، حتى لو لم تتوصل إلى اتفاق، فيما تتمسك القاهرة والخرطوم بالتوصل إلى اتفاق يحافظ على منشآتهما المائية ويضمن استمرار تدفق حصتيهما السنوية من مياه نهر النيل، البالغتين 55.5 و18.5 مليار متر مكعب بالترتيب.