القاهرة ـ «القدس العربي»: بين فشل الوساطات لعودة أطراف الخلاف إلى طاولة المفاوضات، والتحذيرات المصرية من تأثير السد على الأمن المائي المصري وتمسك دولة المصب بحصتها التاريخية من مياه النهر، والتصريحات التي تتحدث عن أزمات في بناء السد تهدد بانهياره، يبدو الوصول إلى حلول في ملف سد النهضة بات أمرا صعب المنال.
ونجحت أثيوبيا في تبريد كل المحاولات والوساطات لعودة مفاوضات سد النهضة، وكان آخرها الوساطة الجزائرية، التي جاءت تصريحات وزير الخارجية الجزائري، رمطان لعمامرة، ليعلن ما يشبه فشلها. وأعاد الوزير الجزائري، عدم نجاح بلاده في إقناع الدول الثلاث «مصر والسودان وأثيوبيا» إلى طاولة المفاوضات، إلى أن ملف سد النهضة الإثيوبي معقد وفيه جوانب سياسية تعيق التوصل إلى الحل المنشود.
وتابع: الاتصالات متواصلة والدول الثلاث قطعت أشواطا نحو الحل، وشدد على أن بلاده ليست في تنافس مع الجهود الإفريقية الرامية لحل مشكلة سد النهضة، وأن الأوان قد آن لممارسة دبلوماسية هادئة للوصول إلى حل.
وأجرى وزير الخارجية الإثيوبي، ديميكي ميكونين، مباحثات مع لعمامرة، الأسبوع الماضي، تضمنت مسألة سد النهضة. وقال المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية، دينا مفتي، إن المباحثات تركزت على كيفية تصحيح سوء تفاهم دول الجامعة العربية فيما يتعلق بقضية سد النهضة الإثيوبي.
انتقادات إعلامية مصرية للجزائر
الإعلان الجزائري، أثار جدلا في مصر، حيث انتقد الإعلامي أحمد موسى المقرب من نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، لعمامرة، بعد تصريحاته بشأن ملف سد النهضة الإثيوبي.
وقال موسى، خلال تقديمه برنامج «على مسؤوليتي» المذاع على قناة «صدى البلد» إن تصريح وزير الخارجية الجزائري تصريح خطأ في الوقت الخطأ، وإن مصر ليس لديها موقف سياسي.
وأضاف، أن وزير الخارجية الجزائري تحدث عن جوانب سياسية في سد النهضة، وهو من شارك في مراسم تنصيب رئيس وزراء دولة تهدد حياة 150 مليون مصري وسوداني.
وواصل حديثه الموجه لوزير الخارجية الجزائري: «حضرتك لك علاقات جيدة مع إثيوبيا وكنت أتمنى أن تدخل في وساطة والتصريح كان يجب أن يتحدث عن مخاطر حياة شعبي مصر والسودان». واختتم: «أقول لوزير الخارجية الجزائري أننا سندافع عن حقنا ولن نفقد نقطة مياه.
أسبوع القاهرة للمياه
وجاءت تصريحات وزير الخارجية الجزائري، قبل ساعات من انطلاق فعاليات النسخة الرابعة من أسبوع القاهرة للمياه، تحت عنوان «المياه والسكان والتغيرات العالمية. التحديات والفرص» خلال الفترة من 24 وحتى 28 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي.
ويهدف أسبوع القاهرة للمياه، إلى التوصل لحلول مستدامة لإدارة الموارد المائية؛ لمواجهة الزيادة السكانية، والتغيرات التي تطرأ على العالم، من تغير متسارع في استخدامات الأراضي والمناخ وكذا النظم الهيدرولوجية. وستتضمن الفعاليات عقد 8 أحداث جانبية وورش عمل، و 7 اجتماعات رفيعة المستوى، و 70 جلسة فنية خاصة.
مصر تتطلع لاتفاق ملزم
السيسي، قال إن بلاده تتطلع للتوصل في أقرب وقت وبلا مزيد من الإبطاء لاتفاقية متوازنة وملزمة قانوناً بشأن سد النهضة اتساقاً مع البيان الرئاسي الذي أصدره مجلس الأمن في سبتمبر/ أيلول 2021.
وأضاف في كلمته في افتتاح فاعليات «أسبوع القاهرة للمياه» أمس، أن مصر وضعت خطة استراتيجية متكاملة لإدارة وتنمية الموارد المائية حتى عام 2037 بتكلفة تقديرية مبدئية 50 مليار دولار، لمواجهة التحديات الجمة والمركبة في هذا المجال. وتابع: مصر هي أكثر الدول جفافاً في العالم بأقل معدل لهطول الأمطار بين سائر الدول، ما يؤدي للاعتماد بشكل شبه حصري على مياه نهر النيل.
السيسي: مصر أكثر الدول جفافا… وزير الري يؤكد أن البلاد تعاني عجزا مائيا 90 ٪
وزاد: تخطو مصر هذه الخطوات في مواجهة تحديات مركبة، فنصيب الفرد من المياه في مصر لا يتجاوز 560 مترا مكعبا سنوياً في الوقت الذي عَرفت الأمم المتحدة الفقر المائي على أنه 1000 متر مكعب من المياه للفرد في السنة، كما أن مصر هي أكثر الدول جفافاً في العالم بأقل معدل لهطول الأمطار بين سائر الدول، مما يؤدي للاعتماد بشكل شبه حصري على مياه نهر النيل التي تأتي من خارج الحدود، لذا تضع هذه المعادلة المائية الصعبة حالة مصر كنموذج مبكر لما يمكن أن يُصبح عليه الوضع في العديد من بلدان العالم خلال المستقبل القريب، مع استمرار تحديات الندرة المائية، وعدم التمكن من تكريس التنسيق والتعاون العابر للحدود على نحو يتسم بالفعالية وفقاً لقواعد القانون الدولي ذات الصلة.
وقال: «يتابع الشعب المصري عن كثب تطورات ملف سد النهضة الإثيوبي، وأود أن أؤكد تطلعنا للتوصل في أقرب وقت وبلا مزيد من الإبطاء لاتفاقية متوازنة وملزمة قانوناً في هذا الشأن اتساقاً مع البيان الرئاسي الذي أصدره مجلس الأمن في سبتمبر/ أيلول 2021، بما من شأنه تحقيق أهداف إثيوبيا التنموية، وهي الأهداف التي نتفهمها بل وندعمها، وبما يحد في الوقت ذاته من الأضرار المائية والبيئية والاجتماعية والاقتصادية لهذا السد على مصر والسودان، وذلك على أساس من احترام قواعد القانون الدولي، وعلى النحو الذي يكرس التعاون والتنسيق لا السياسات الأحادية بين دول المنطقة.
براثن التناحر
واختتم السيسي: أؤكد على أهمية إعلاء مبادئ التعاون والتضامن الدولي، بما من شأنه تمكين شعوبنا من مواجهة التحديات العالمية الراهنة اتصالاً بموضوعات المياه، حتى ننجح في مواجهتها بالتعاون سوياً، ونتفادى أن نقع في براثن التناحر حولها، فلا يخرج منا أحد فائز في صراع متهور حول مصدر الحياة الواجب توفيره لكل إنسان دون تفرقة.
«كل الخيارات»
أما محمد عبد العاطي، وزير الموارد المائية والري، فقد قال في كلمته في افتتاح المؤتمر، إن مصر لديها كل الخيارات فيما يتعلق بقضية سد النهضة. وأضاف: نجهز أنفسنا فنيا للتعامل مع السيناريوهات المختلفة. وزاد: مصر تعاني عجزا مائيا 90 ٪ من الموارد المتجددة وتعيد استخدام 35 ٪ من تلك الموارد لسد الفجوة، مشددا على أن مصر توجه تغيرا في إيراد نهر النيل نتيجة إجراءات أحادية خاصة فيما يخص ملء وتشغيل سد النهضة دون الوصول إلى اتفاق قانونيا ملزم فيما يخص قواعد تشغيل.
وتابع: لذلك قامت الدولة المصرية في وزارة الموارد المائية والري تنفيذ العديد من المشروعات القومية الكبرى في مجالات تحسين نوعية المياه وترشيد استخدامات المياه وتنمية الموارد المائية وتهيئة البيئة المناسبة من خلال إنشاء محطات عملاقة لمعالجة مياه الصرف الصحي والزراعي، وتحديث نظم الري، وتحديث المنشأة المائية، وتنفيذ أخطار لحماية الشواطئ، وتطوير التشريعات والإصلاح المؤسسي وتعظيم الفائدة من كل قطرة مياه.
وساطات بلا تقدم
وعن الوساطات في ملف سد النهضة، أكد الوزير، في تصريحات متلفزة، أن مصر تلقت مقترحات من عدة جهات حول قضية السد لكنها لا ترقى للانخراط عليها، كما قدمت الجزائر والكونغو مبادرتين ونفضل حاليا عدم الحديث عنهما لعدم حدوث أي تقدم في المفاوضات.
وأشار وزير الري إلى أن مصر جاهزة للعودة للتفاوض وفق شروط، منها وجود دور للمراقبين وتحديد إطار زمني والنية الصادقة من جانب إثيوبيا، كاشفا أن الوضع متجمد في أزمة السد الإثيوبي، وما يراه حاليا هو تجمد الوضع في قضية سد إثيوبيا.
وكشف أن مصر تراقب السد بشكل يومي وتعمل على تقييم الموقف والقيادة السياسية صاحبة القرار النهائي. وتابع: لا يجب أن نضع أنفسنا في وضع اضطرار ونترك للدولة الحرية لاتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، مؤكدا أن التحرك في قضية سد النهضة يتم بميزان من ذهب.
وأشار إلى أن وزير الري الإثيوبي اتفق مع مصر في واشنطن على كل بنود الاتفاق وسجل بيده كل الأرقام، وبعد عودته لبلده وحدث تسييس لملف السد تغيرت المواقف، مؤكدا أن الصراعات الداخلية والمزايدات في إثيوبيا هي السبب في فشل الاتفاق.
مصر جاهزة للتفاوض
وقال الوزير: مصر لديها إرادة سياسية وجاهزة للتفاوض وفقا لآليات محددة معلنة للجميع بمدة تنفيذ وتفاوض محددة ووجود مراقبين دوليين؛ لوضع كل شخص أمام مسؤولياته».
وكشف إن بلاده أرسلت للبنك الدولي في 2008 كي تطلب منه إجراء أول دراسة لمنشأ مائي عبارة عن سد متعدد الأغراض بالتعاون مع السودان وإثيوبيا. وأضاف في 2011 أعلنت إثيوبيا عن مشروع سد النهضة، وهو ليس له علاقة بالدراسة التي تم الاتفاق عليها لإنشاء سد على نهر النيل بين مصر والسودان وإثيوبيا.
وتابع: إثيوبيا استغلت الأحداث في مصر في 2011 وأعلنوا عن سد النهضة، مضيفا: إثيوبيا أعلنت أنها تمتلك دراسات لسد النهضة. وأكمل: تم تشكيل لجنة دولية في الفترة من 2011 حتى 2013 لإجراء دراسات على سد النهضة، وتلك اللجنة أكدت أنه هناك مشاكل في أمان السد.
واستطرد الوزير: أحضرنا استشاريا دوليا من أجل دراسة السد، وإثيوبيا رفضت المتابعة ولم يتعاونوا معنا. وقال إن انهيار سد النهضة سيبقى مشكلة كبيرة نتمنى ألا تتحدث.
مخاطر انهيار السد
ولفت وزير الموارد المائية والري، إن هناك بحثا علميا عن السد الإثيوبي استخدم الصور الرادارية أو المايكرويف في رصد سد إثيوبيا والتطورات التي تحدث فيه، بالاشتراك مع علماء من أمريكا.
وتابع أن البحث العلمي عن سد إثيوبيا نشر في مجلة أمريكية واستخدمت فيه كل الطرق العلمية، كما أن تحكيم البحث حول المشاكل الفنية في السد الإثيوبي أعطانا مصداقية علمية وأرسلت لنا الشهادة التي تؤكد صحة معلوماته ومصداقيته.
وأشار إلى أن البحث العلمي كشف معدلات الهبوط في سد إثيوبيا والمخاطر المتوقعة من خلال الصور الرادارية، وسيتم عرض النتائج الخطيرة التي انتهى إليها البحث العلمي عن سد إثيوبيا في أسبوع القاهرة للمياه. واستطرد أن نتائج البحث العلمي أكدت أن ما يحدث في سد إثيوبيا من إنشاءات غير دقيق، كما أن نتيجة البحث العلمي تقلق وتؤكد أن الدولة المصرية تتابع بدقة ما تقوم به إثيوبيا.
دراسة
وكانت دراسة علمية حديثة عن مخاطر انهيار سد النهضة الإثيوبي، على دولتي المصب مصر والسودان بعدما رصدت وجود هبوط في موقع المشروع وسط شكوك تتعلق بأمان السد.
وحللت الدراسة، التي أعدها فريق بحثي يضم وزير الموارد المائية والري وعددا من الباحثين في جامعات وهيئات دولية، نحو 109 مشاهد رأسية، من ديسمبر/ كانون الأول 2016 إلى يوليو/ تموز 2021، باستخدام تقنية الأشعة الرادارية.
وحسب الدارسة: تشير السلسلة الزمنية الناتجة عن التحليل بوضوح إلى «إزاحة مختلفة الاتجاهات في أقسام مختلفة من السد الخرساني (الرئيسي) وكذلك السد الركامي (السرج أو السد المساعد)».
ويظهر تحليل البيانات في موقع إقامة سد النهضة هبوطا غير متسق في أطراف السد الرئيسية، خاصة الجانب الغربي من السد حيث سجلت حالات نزوح متفاوتة يتراوح مداها بين 10 مم و90 مم في أعلى السد.
وأكدت أن تعبئة سد النهضة تجري بمعدل سريع، دون تحليل كافٍ معروف على التأثيرات المحتملة على جسم الهيكل. وأضافت أن ملء سد النهضة لا يؤثر فقط على هيدرولوجيا حوض النيل الأزرق، وتخزين المياه وتدفقها، لكنها تشكل أيضا مخاطر كبرى في حالة الانهيار، وبخاصة 20 مليون مواطن في السودان، على حوض النيل.
وبدأ إنشاء سد النهضة الإثيوبي في 2011، بهدف توليد الكهرباء؛ ورغم توقيع إعلان المبادئ بين مصر وإثيوبيا والسودان عام 2015، نص على التزام الدول الثلاث بالتوصل لاتفاق حول ملء وتشغيل السد عبر الحوار، إلا أن المفاوضات لم تنجح في التوصل لهذا الاتفاق.