سعاد حسني حبيبة الله

في الواحد والعشرين من يونيو/حزيران الجاري تكون قد مضت عشرون سنة على وفاة سعاد حسني. ليس جديدا ولا غريبا أن أقول إني ما زلت وغيري بالملايين يعشقون سعاد حسني، وأنها ستظل علامة فارقة في التمثيل في الفن السينمائي.
الفتاة التي لم تتعلم، والتي وُلدت في بيت للفن فكان أبوها محمد كمال حسني البابا السوري الأصل، خطاطا كبيرا، وأنجب العديد من الأبناء والبنات من أكثر من زوجة، عرف بعضهن الطريق إلى الفن مبكرا مثل نجاة الصغيرة. كان طبيعيا أن يكون له أصدقاء من أهل الفن بينهم، عبد الرحمن الخميسي الذي ما أن رأى سعاد حسني حتى فتح لها ولنا أبواب المتعة الفنية الاستثنائية الجمال.
لم يكن عبد الرحمن الخميسي رجلا تقليديا فهو الشاعر ومؤلف المسرح والموسيقار والممثل والمخرج وصاحب الصوت الذهبي في الإذاعة، واليساري الكبير في نظر الدولة، والليبرالي في نظر الآخرين، الذي كان ما يشغله هو الديمقراطية، التي لم تتحملها ثورة يوليو/تموز، فعرف الطريق إلى السجون حتى ترك مصر يوما ليطوف في البلاد، فالدنيا تتسع لمواهبه وروحه.. يحتاج هذا العظيم إلى أكثر من كتاب يكتب عنه.
نعود إلى سعاد التي لا أعتقد أنه حين رآها أعجبه جمالها أو صوتها أو تكوين جسمها فقط، ليقرر ذلك، لكن أعتقد أنه أحس بشيء في الفضاء حوله يتحرك، وأنه لم يعد يرى ما حوله ساكنا على حاله. فتح لها الطريق فرشحها في مسرحية «هاملت» لتقوم بدور أوفيليا، ثم أخذها للسينما في فيلم «حسن ونعيمة» عام 1959، هي الطفلة في السادسة عشرة من عمرها، تملأ الفضاء كملاك لا يكف عن الرفيف بجناحيه.
بدأت الرحلة الجميلة لسعاد حسني حقا، ولنا نحن أيضا جمهور المتفرجين. كُتب الكثير جدا من المقالات، أو الكتب عن سعاد حسني، وبالذات عن مقتلها الغامض في برج ستيوارت، الذي قتل فيه من قبل اللواء الليثي ناصف رئيس الحرس الجمهوري عام 1973 وبعده علي شفيق المديرالسابق لمكتب المشير عبد الحكيم عامر، الذي وجد مقتولا في شقته في البرج نفسه. هؤلاء يمكن أن تشير إلى أجهزة كانت وراء مقتلهم، أو انتحارهم الشكلي، كما أجمع الكثيرون فهم لم يكونوا بعيدين عن الصراع السياسي والمخابراتي، وعالم الأسلحة الغامض. الحقائق ضائعة ولم يصل إليها أحد. الأمر نفسه كان جاذبا ومثيرا في موت سعاد حسني.. اعتبره البعض انتحاراً، والأكثر أنه قتل عمد، وتردد اسم صفوت الشريف في المسألة، ولا يزال، لكن هذا كله لا يهمني فلست صحافيا ولا يغريني أن استقصيه، وكل ما أشعر به قبل أن أفكر فيه هو أن سعاد حسني بنت موت. هذه التي كانت تفتح الفضاء للبهجة بطلّتها أو حديثها، أو أدائها كله بشكل فارق، لا يمكن أن تستمر في الحياة. تَرْكُ هذه الحياة أفضل، خاصة بعد موت عبد الحليم حافظ وصلاح جاهين، وكيف أصابها الاكتئاب بعد موت صلا جاهين.

لن يصل أحد لحقيقة موت سعاد حسني، الذين اجمعوا على أنها قد قتلت ثقتهم من معرفتهم الشخصية بها والمؤامرات التي تعرضت لها، والذين يعتقدون أنها انتحرت اقتنعوا باكتئابها، بينما أراها كانت أكبر من الحياة نفسها، فلماذا تظل بها.

حين وصل نبأ سقوطها من فوق برج ستيوارت اللعين انفجرت الدنيا بالتكهنات. كان الاجماع على أنها قُتلت وأُلقيَ بها من شرفة البرج حيث تقيم، لكني لا أنسى أني استمعت إلى تسجيل صوتي لها لبعض رباعيات صلاح جاهين بصوت لم يعد هو صوت سعاد حسني. كان صوتها عجوزا كأنه وداع لشيخوخة طويلة، وهي لم تكن كذلك. كنت أعرف أنه المرض، لكن كيف تكون هذه سعاد حسني وكيف تكون راضية. مثلها سيرحل. لن يصل أحد لحقيقة موت سعاد حسني، الذين اجمعوا على أنها قد قتلت ثقتهم من معرفتهم الشخصية بها والمؤامرات التي تعرضت لها، والذين يعتقدون أنها انتحرت اقتنعوا باكتئابها، بينما أراها كانت أكبر من الحياة نفسها، فلماذا تظل بها. في كل الأحوال سعاد حسني كشخصية فارقة في الفن وفي الدنيا، هي باب لكل التفسيرات. فالاكتئاب طبيعي حين تدرك أنها لم تعد قادرة على البهجة، والقتل طبيعي لمن يدركون الدور الذي قام به صفوت الشريف أيام صلاح نصر، قبل هزيمة 1967 من إرغام سعاد حسني على الأعمال القذرة، التي فضحتها اعتماد خورشيد في كتابها عن انحرافات صلاح نصر، أو صفوت الشريف، وما قيل من أن سعاد حسني كانت بصدد كتابة مذكراتها. للأسف رأيت سعاد حسني مرتين فقط . مرة مباشرة، ومرات غير مباشرة كنت ومعي أصدقاء نسرق فيها الرؤية في المساء. أقول للأسف لأني عشت شبابي كله لا أقترب من الفنانين، رغم أن ذلك كان سهلا، لكني كنت دائما أشعر بأنهم الأشهر وهذا طبيعي، وعليّ أن أكون كما أنا في عالم الرواية. ندمت على أني أيام الشباب لم أحاول أن اقترب من شخصيات مثل شادية وسعاد حسني، وظللت أتصور أني أعرفهما وأنهما معي كل يوم. كنت أندهش كيف يجلس صحافي شاب أمام أي منهما يسألهما ويكتب الإجابات، وكيف عاد كما ذهب يمارس عمله، ولم يعد يمشي تائها في البلاد. المرة الأولى التي رأيتها فيها كانت في مقر منظمة الشباب في الزمالك، حيث كنت موجها سياسيا، وكانوا يصورون مشهدا في حديقة المكان في فيلم «الكرنك». كانت سعاد حسني جالسة على مقعد وحولها المصورون والمخرج علي بدرخان، يهيئون المكان للتصوير. نظرت إليهم وخجلت أن أقف أتفرج ومشيت خارجا إلى كافتيريا سيموندس أشرب القهوة.
المرَّة الثانية، وكانت مرَّات، سببها أننا كنا ننام في مقر المنظمة لمبيت الموجهين السياسيين الغرباء عن القاهرة، وكنت منهم، وهو المكان الذي أصبح اتحاد الكتاب في ما بعد، وكان كما هو من دورين. كنا نجلس على سطح الدور الثاني نرى أمامنا شقة سعاد حسني في شارع علي ابراهيم خلفنا، نحن الذين في شارع حسن صبري . نراها كل مساء تقريبا في الصيف في ثيابها المنزلية، تجلس في الشرفة ومعها صلاح جاهين وحسن الإمام أو غيرهما. كان جاهين وحسن الإمام أكثرهم حضورا. كنا نراهم بالنظارة المعظمة يجلسون يشربون ويأكلون ولا نسمعهم طبعا، ثم ينصرف ضيوفها وتأتي سكرتيرتها بمرتبة تضعها على أرضية الشرفة، ونعرف أن سعاد حسني ستنام عليها وسط الحر، ولن تنام في الداخل، وطبعا لا نراها نائمة لأن سور الشرفة يفصلها عنا. كان هذا مبعث دهشة لي، لكني رأيته، كما هو، معبراً عن البساطة معبراً أيضا عن الارتباط والعودة إلى الأرض.
ماتت سعاد حسني ووجدت نفسي أذهب إلى جنازتها التي ستخرج من جامع مصطفى محمود في حي المهندسين. وقفت في الشارع مع غيري ورأيت جثمانها يدخل في تابوته إلى المسجد من السيارة. بعد قليل انتهت الصلاة عليها فخرجوا بالجثمان يضعونه في السيارة التى ستنقله إلى المقابر. كانت عيناي على المتوافدين من الفنانين والكتّاب. طبيعي أن يكونوا كثيرين. وقفت قليلا مع المخرج محمد خان في الخارج، ثم لم أنتبه لاختفائه من جواري، لأنى كنت مشغولا بتوافد رجال ملتحين ونساء محجبات ومنقبات كثيرون، يقفون خارج المسجد بعيدا عن الفنانين والكتّاب. كان موضوع انتحارحسني هو الشائع، ولم تنفجر الصحف بعد بالحديث عن مقتلها. كان خوفي شديدا أن يصرخ هؤلاء منددين بسعاد حسني المنتحرة. كان كل شيء في مصر يشي بذلك، فالمساجد لا تكف عن لعن الكافرين بالانتحار. ما أن خرج الجثمان ووُضع في العربة حتى علت هتافات هؤلاء والمنقبات والمحجبات اللاتي كن كلهن يرتدين جلابيب سوداء تهتف ومعهن الملتحين، لا إله إلا الله سعاد حسني حبيبة الله. أسرعت العربة بالجثمان وهم يجرون خلفها يرددون القول لكن سرعان ما اختفت العربة وتفرقوا وأنا فى ذهول شديد. على عكس كل ما كان حولنا هتفت هذه القلة من الناس بما استقر في روحي. أخذت طريقي إلى وسط البلد لأجلس على مقهى ريش، وأنا أشعر وأدرك كيف قال هؤلاء البسطاء الحقيقة. لا إله إلا الله سعاد حسني حبيبة الله.

روائي مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية