سعدية مفرح: هناك فهم قاصر لمصطلح الثقافة بحصره في المشهد الأدبي

حجم الخط
0

الكويت ـ ‘القدس العربي’ ـ من أحمد الخليفي: المثقف الحلقة الأصعب والعلامة الفارقة في المجتمعات الساكنة سياسيا بسبب قيود اجتماعية ومن ثمّ حدث إهتزاز فكري مع ظهور نهضة شبابية تريد التغيير ولكنها لا تجد القائد والمرشد الفكري الثقافي الذي يقودها لإصلاح متطور يواكب إتساع مدارك الفكر وتعدد فروع الثقافة وإنفتاحها على ما سواها خارج حدود الحيز الضيق الذي رسمته السياسة وتوارثه المجتمع سلوكاً.
الحالة الكويتية لها خصوصية شديدة فيما ذكرنا نتيجة لتلك التغيرات التي ظهرت في السنوات الأخيرة على المشهدين السياسي والثقافي، فما هي العلاقة بينهما وهل استطاع المثقف الكويتي أن يواكب ذلك التغيير ليخلق نمطاً ثقافياً جديداً مُوجَّهاً و مُوجِّهاً؟
من خلال هذه التساؤلات والكثير على غرارها وبحثاً عن أجوبة لها حرصت على ان استضيف في التحقيق التالي دكتور الادب بجامعة الكويت عبدالهادي العجمي والفلسفة متمثلة بالدكتور أحمد عقلة العنزي بينما مثل الشعر والكتابة سعدية مفرح أما النقد فكان للناقدة سعاد العنزي وسينشر التحقيق في جزئين يضم الاول الشاعرة سعدية مفرح والدكتور أحمد العنزي.
بداية قالت الشاعرة سعدية المفرح أن هناك فهما قاصرا لمصطلح الثقافة لدينا كعرب بشكل عام، فعندما نتحدث عن المشهد الثقافي غالبا ما ينسحب الحديث للمشهد الأدبي ويقتصر عليه، وكأن الثقافة هي الشعر والقصة والنقد والرواية وغيرها من الفنون الكتابية الأخرى فقط. ولهذا يتحدث البعض عن قصور المشهد الثقافي عن ملاحقة الحدث السياسي بشكل عام، لأن من يعرف الثقافة بهذا الشكل يرصد ما كتبه الشعراء والروائيون عن هذا المشهد وحسب، ولكنني اختلف تماما مع هذه الرؤية القاصرة وأرى أن كثيرا من المثقفين الكويتيين شاركوا بقوة في الحراك السياسي في الكويت وكتبوا عنه وحللوه وتفاعلوا معه اتفاقا أو اختلافا.
وتابعت القول: لعل المثقف الكويتي أحد أنشط المثقفين العرب على هذا الصعيد وهو يستفيد في ذلك من هامش الحرية المتاح له بشكل أوسع مما هو متاح بالنسبة لكثير من البلاد العربية الأخرى نسبيا طبعا. وإذا كان البعض يرى أن الشعراء والروائيين والقصاصين قد تأخروا عن اللحاق بركب الحراك السياسي عبر الكتابة عنه في إبداعاتهم تحديدا فأنا لا أتفق معهم في الامر ذلك أن الابداع لا ينبغي أن يكون ترجمة حرفية ومباشرة وسريعة لما يجري بل يحتاج وقتا طويلا لينضج وليتخذ مكانته بشكل عفوي وطبيعي.
وقالت ان هذا لا يمنع من أن كثيرا من هؤلاء الشعراء والقصاصين والروائيين وغيرهم من المبدعين قد شاركوا فعلا في ما يجري في بلادهم ولكن بصور أخرى وليس عبر نتاجاتهم القصصية والشعرية بالضرورة، رغم أن هناك نتاجات روائية وشعرية قليلة تناولت الحدث السياسي فعلا بطرق وأشكال مختلفة، وبعض هذه الأعمال اتخذت من ذلك الحدث موضوعها الرئيس في حين اتخذت منه بعض الاعمال الأخرى خلفية تاريخية وواقعية.
وختمت مفرح بأن كتاب المقالات ساهموا بقوة في الأمر ولعلي لا أبالغ إذا قلت ان معظم كتاب المقالات كتبوا بصورة أو بأخرى عن المشهد السياسي المتحرك في الكويت حتى أولئك غير المختصين بالكتابة السياسية عادة.
أما أستاذ الفلسفة الدكتور أحمد عقلة العنزي فبدأ حديثه بالحيرة قائلاً ان سؤالك محيّر ومُفخخ في نفس الوقت، فعندما تسأل عن حال الثقافة والمثقفين في السنوات الأخيرة تضعنا أمام ‘حرج المقارنة’ الذي يتطلب أيضاً الشجاعة في قول الحقيقة بتعبير فوكو. واضاف أستطيع القول على غرار فوكو بأن المثقف الحقيقي – إن جاز التعبير – هو ذلك الذي يقف على نقيض النسق أو الخطاب العام الذي يتداوله أولئك الناس الذين كيّفوا سلوكهم السياسي والاجتماعي والاقتصادي وفق هذا النسق أو السياق، وهذا السياق- بمعنى آخر- لم يأتِ من فراغ ولم يولد هكذا صدفة، بل دائما ثمة ذات أو مؤسسة تقف خلفه بل تنتجه وتعيد انتاجه في أشكال وسياقات مختلفة، انها باختصار علاقة الذات بالخطاب الثقافي أو بمعنى أوضح علاقة السلطة بالخطاب الذي تنتجه وتغذيه وتعمل على نشره، وهذا الخطاب ذاته يتحول رويداً رويداً لسلطة تنتُج أفرادا ومؤسسات تعمل هي الأخرى على ضمان ديمومته.
وتابع ومن هنا اقولها بلا مواربة بأن تاريخنا الثقافي الكويتي هو نتاج لفكر صنعته الذات / السلطة وقد تكون هذه السلطة سلطة أسرة أو فئة أو طبقة اجتماعية او اقتصادية استطاعت في لحظة من اللحظات ان تتصدر المشهد وتأخذ زمام المبادرة بحيث انتجت خطاباً ثقافياً ظل يدور في فلكها ويعمل على خدمتها بشكل أو بآخر.
وعبر عن اسفه قائلا ان هذا الخطاب الثقافي السلطوي إنْ حللناه لعناصره البسيطة بلغة الكيمياء فإننا لن نجد فيه مكاناً لمفهوم الآخر الذي هو عنصر مهم لإنتاج أي خطاب ثقافي متزن يمكن ان يبدع أو ينتج مظاهر وأعمالا ثقافية قيمة ومعتبرة لأنه ببساطة لايقوم على مبادئ التنوع والتعددية ومن هنا ازعم بأن خطابنا الثقافي هو خطاب أحادي نخبوي يسير في اتجاه واحد يصنع أوهاما كثيرة حول شخصيات وأفكارا هُلامية غير دقيقة أو على الأقل تحتاج لإعادة نظر كقولنا ان الكويت دولة ديمقراطية أو كحديثنا عن شخصية عبدالله السالم الذي اتخذ في تاريخنا الثقافي صورة اب الدستور أو الأب الروحي للديمقراطية وصانع النهضه بينما هو في الحقيقه – وفي رأيي الشخصي – يمثل العكس تماما!
واسترسل العنزي بقوله مع ذلك ثمة مثقفون عرفهم تاريخنا الثقافي أمثال فهد العسكر كانوا يعيشون على ‘أطراف وهامش’ هذا التاريخ الثقافي الرسمي لكن للأسف لم ينالوا حقهم في البحث والدراسة، لكن اللحظة التاريخية المفصلية في تاريخنا الثقافي/ السياسي هي اللحظة التي نعيشها الآن، وأعني بها هذه الحقبة التي تشهد تدشين خطاب جديد يمكن ان نسميه ‘خطاب الربيع العربي’ الذي يمثل نقيضاً لخطاب السلطة، هذا الخطاب يتسم نوعاً ما بالثورية والراديكالية لأن من يساهم في تدشينه هم العامة والبسطاء والدهماء من الناس، كما ان هذا الخطاب جعلنا بالمقابل نشهد ولادة مثقف من نوع جديد لم يألفه تاريخنا وهو المثقف العضوي – بتعبير الاشتراكي الايطالي غرامشي – اعني المثقف الذي لا يأتي من الأبراج العاجية وقصور السلطة وبلاط الحكام، بل يأتي هذا المثقف من القاع ، أو من الهامش والجمهور، فيصنع خطاباً ثقافياً يعبر عن هموم الناس اليومية.
وتابع قد يستحضر هذا المثقف العضوي الذي يعرف جيداً هموم الناس البسطاء جملة من المفاهيم والأحداث والشخصيات التاريخية ليوظفها في خطابه اللاسلطوي لتفكيك وتقويض خطاب النخبة الذي لم ينتج ثقافة بقدر ما انتج مجتمعاً استهلاكياً يتسم بطابعه العام بالأُمية الثقافية، مضيفا ومن هولاء المثقفين العضويين على سبيل المثال لا الحصر لدينا د.عبدالهادي العجمي أستاذ التاريخ الذي وقف على نقيض التاريخ الرسمي السلطوي بقراءاته الجريئة في محاضراته وكتاباته لمواضيع لطالما ظلت خطوطا حمرا لايمكن تجاوزها كالشرعية والسلطة وعلاقة الفرد بذاته والمجتمع وكان آخرها بحثاً له حول ‘الشرعية في الدولة الأموية’ ألقاه ونشرته جامعة بيركلي العريقة لعمقه وأصالته. باختصار نقول أمثال هولاء المثقفين يحاولون صياغة خطاب جديد لاسلطوي، خطاب ينادي بالعدالة الاجتماعية والمساواة وحق الشعوب في المشاركة بالسلطة والثروة وبالتالي حقهم في أن تكون لهم ‘ثقافتهم الخاصة’ وأعني ثقافة تؤسس لحقبة جديدة تماما.

العلاقة بين المشهدين الثقافي والسياسي في الكويت في السنوات الأخيرة (1)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية