سفرنا إلى بلغاريا… سفر الصين الينا! فستان ياسمين بلقاسم وحمرة الخجل الاجتماعي وتابو “البيدوفيليا”

بلغاريا مهد الموسيقى… والصين لحد السياحة . صناعة أجنبية خارجية، يتم الترويج لها على أعلى المستويات… هذا هو حال الصناعة السينمائية اليوم في الجزائر، تلميع بالأجنبي وتبييض لبعض الرداءة، وسوء التسيير والاستبداد فيه.
هل نفتقد لمقومات صناعة فنية وتقنية، وما فائدة الأموال إن لم تخلق بيئة منتجة تنافسية سليمة معافاة من أمراضها المزمنة في الوطن، ويفتح المزاد على مصراعيه للجميع، بدل الإقصاء والاحتكار وتكوين شلة منغلقة على ذاتها ومصالحها. تهريب المواد الفنية الخام ليعاد تكريرها بأنامل وأيدي أجنبية، والتي لم نعد نسميها أيادي خارجية متآمرة، كما اعتدنا على ذلك، لا يمكن للفن أن يتآمر على الوطن. يمكننا التحكم في ذلك المسمى انسانيا، سبحان مالك القلوب والأفئدة.
المتابع لقضايا الفن والمشادّات حوله يدرك أنّ المشاهد البسيط سلم أمره لله، لم يعد مهتما سوى بالطقس وتنبؤاته، ليحترز لها ويخزن بعض المؤن، ولم يعد يكترث للبرامج الفكرية، إلاّ بعض البرامج الفتاوية، وقد يكرر مسلسلات رمضان التي فاتته، أو يتابع قضايا الفساد الرياضي. بينما تلجأ الشرائح الكبيرة من الشباب إلى الأيباد والأيفون واليوتيوب وأيقونات صنعتها الوسائط الطاغية للخروج من كآبة المنظر الثقافي، وسوء منقلب المثقفين. هل أصبح نقاش الثقافة نقاش العميان أم العجائز. معذرة للكبار، فالنقاشات السائدة تنقصها الحكمة والتروي.
هل ينتبه المشاهد البسيط لكواليس أفلام قد لا يراها أبدا، وإن كشفت عن ساق. هل تلتقط أذنيه نوتات مزجت وتلاقحت مع ثقافات موسيقية غربية. هل سينتبه المشاهد لوجود “ديبارديو” أو للطاقم الإيراني في فيلم “أحمد باي”، هل يزعجه جدل فيلم “العربي بلمهيدي”؟
لا يمكنه أن يشاهد بأمهات عينيه زخم الانتاج السينمائي حتى يتمكن من الاستمتاع والارتقاء بروحه للعشق الإلهي. موسيقات توجت عبقريتها في صوفيا وروما. تهرب الأنامل المبدعة والنصوص إلى وجهة خارجية تفلت من “جي بي آس” المجتمع الذي يثور على ظروف التنمية البائسة، تنفلت هذه المرة ومرات لاحقة خيوط اللعبة من أيدي الجماعات المندّدة بأموال تصب في جيوب فناني الحانات والخانات “الشعبية”. يعود الفن لاشكاليته القديمة، لحصونه وقصوره وترفه. نقلة نوعية في الفرح الجزائري الذي دقّ أبواب المحافظات على خجل، إلى أفراح في بلدان أخرى ببعض ممتلكات اليمين. نقلة من نقاشات الشعب واحتجاجاته إلى نقاشات ذوي الياقات البيضاء، من فضاءات رملية يتخللها الحصى، إلى فضاءات عالمة أوبرالية وأركسترالية، بعيدا جدا عن خطابات مشاكل التهميش والبطالة وانسداد البالوعا!
تتويجات عبقرية هزلية لا يعيرها المشاهد أدنى أهمية، فقط ضجيج الكبار، ليستمتع به الكبار وليناقشه الكبار والبقية الباقية، الطوائف الناجية من طوفان الفساد مكتمل الأركان تبقى في مكانها لا تذهب لمكان، حيث لا يبقى في الوادي غير حجارته، وإن جفت مياهه وسكنته الطحالب.
المستاؤون من وضعية المشهد الثقافي الكارثي، والمعارضين لهؤلاء وخطاباتهم النارية المستترة بين أمواج عاتية، وتصريحات ترى كل ذلك حراكا ايجابيا، كنوع من الدفاع عن حملات شرسة. يوحي كل ذلك بتوتر شديد يعيق حرية الفكر والتعبير وإن بدت الأمور سائبة.
بعد الترويج للموسيقى وللأفلام. وبعدما وصلنا للعالمية دون أن نشاهد ونحكم ونتفاعل. ها نحن نحاول الترويج لسياحتنا. لم يكفنا الفيديوهات ولا اليوتيوب لجزائريين عاشقين لهوى البلد ولا لعرب استهوتهم الصحراء الساحرة، ولا لأجانب تكلموا تلقائيا عما لمسوه من طبيعة فتانة. ها هي الصين العملاق يدخل لعبة الترويج موضة هذه الأيام، ويرسل طاقما من صحافيين لإنجاز وثائقي من أجل الترويج للسياحة الجزائرية. ما الجديد الذي تأتي به الصين؟ هل سيكون من الدرجة الأولى نوعيا أم من الدرجة الثالثة. هل سيغيّر نظرتنا لما نملك، أو يحسن في المقومات السياحيّة، أم يهيكل المرافق الخربانة، أم يؤسس لتقاليد تعامل مع السواح فقدناها. أم في ما تكمن مهام الوفد الصيني، ماذا سيكون مصير الفيلم الوثائقي الذي سينتج ويكلفنا أثمانا باهظة، هل سنراه، أم لن يحدث ذلك أبدا ويراه أصحاب الشأن في قاعات أشبه بالحصون، وإن أرسلوه للصحراء فالرؤية لا تكون إلا “في أي بي” أم هي أموال تهدر في كل القطاعات بلا شفعة من أحد؟!

العنف اللفظي والعنف الجنسي: مفارقات الحمرة

حمرة فستان ياسمين بلقاسم وحمرة الخجل الاجتماعي من اغتصاب البراءة. أسمح لنفسي أن أكون عين المشاهد وعقله وأجول في مشاعره وأحاسيسه، لأقف عند حجم الملهاة والمأساة في قضية العنف والتحرّش مرة بالنساء ومرة بالأطفال. تنقل لنا مختلف البلاتوهات، مثل هذه القضايا مرة بطريقة تبدو مرفهة تقترب من الهزل في كثير من تفاصيلها. فإذا تعلّق الأمر بالنساء، والفنانات منهن ورواد التواصل الاجتماعي، فإنّ الكلام يكون على باب الموعد الثقافي، يصبح النقاش متأنقا أناقة ياسمين بلقاسم، فيتحوّل الاستديو إلى مرح وتسلية وتبادل مرمى الضحكات. تطلق الفنانة ذات الجمهور الكبير والمتابعين الأكثر مع مجموعة من وجوه نسائية، ممن صنعتهن وسائل التواصل الاجتماعي حملة ضدّ التحرّش اللفظي، مما يتعرضن له من المتابعين، وقد فصلت ضيفة استوديو الموعد الثقافي على قناة “دزاير نيوز” التدخل السافر في بعض تفاصيل حياتها كمشاهدة دوخني حوارها الذي أرهقتني مشاهدته. كيف يمكن أن تتابع من طرف الآلاف بل مليون، دون ذكر أي شيء من خصوصية حياتها. باستثناء زوجها لأنه من الوسط الفني، من أين ينتج فضول هؤلاء المتابعين لها إن لم تتقاسم معهم حياتها بكل تفاصيلها، كما يفعل عادة النجوم. ثمّ كونها كانت تشتكي من بذاءة وقلة تربية مهاجميها لم يشفع لنا كمشاهدين أن تسلم أذاننا من ألفاظ لا تقل رداءة وسوقية منها. متابعو صاحبة الفستان الأحمر والشعر الأصفر زودوها وراحوا يعبثون بخصوصيات والدتها البعيدة عن هذه المعمعة، وحتى والدها المتوفى لم يسلم من سبهم وشتمهم وقذفهم. هي ضريبة المتابعة والشهرة. وايقاف هؤلاء عند حدهم كان سريعا باللجوء إلى مصالح مكافحة الجريمة الالكترونية…والله برافو ياسمين جبت حقك.
لا يمكن للمشاهد التي نقلتها قناة “نيوميديا” عن العنف الجنسي ضدّ الأطفال أن توصف وأن يسعها استديو، وأن يضحك المتابع أو ضيوف البلاتو…لا مكان عن لون الشعر وعن الفستان الأحمر، الذي يرتدى مرة أو مرتين، ولا عن رفاهية من يملكون زمام الأمر جراء صناعة يوتيوبية بطولية أصبحت توصل إلى عنان السماء، وتفتح كل الأبواب المغلقة. برنامج 90 دقيقة تحري، يتحرى عن “البيدوفيليا” والاغتصابات والتنكيل بالجثث. روايات قرون مأساوية عاشتها وما زالت تعيشها المجتمعات الانسانية، مآس وعويل وأصوات مبحوحة وخوف أطفال فقدوا القدرة على النطق، على التحديق في المرآة، حرموا من الخروج واللعب في الشارع، أهالي فقدوا براءة أطفالهم، براءة أخرستها وحوش بشرية مجنونة رعناء. تحتاج لعلاج. الضحية والمجرم قد يعاملان معاملة مماثلة لدرجة الجنون، أمام بؤس عقوبة القوانين غير الصارمة التي لا تتعدى سجن عامين أو خمس سنوات على أكثر تقدير. أطفال شوهت ملامح مستقبلهم وخربت أحاسيسهم، وكان ذلك مع سبق اصرار الأسر وترصدهم. أسر ترعب الصغار بصمت تخنق عبراتهم وتفضح عوراتهم وتفسد مستقبلهم. بل هو كشف عورات مجتمع متستر على بشاعته، بشاعة طفت فوق السطح كزيت ملوثة على محيط هادئ. هي بضعة دقائق في برنامج يعري ويفضح لا وعينا المريض المعقد، يكشف سلوكنا مهما كبرت وضعياتنا الاجتماعية ومهما بلغنا من الكبر، تهم توجّه ضد كل المجتمع. مظاهر عمت حياتنا، ولا يمكن أن تخف بل تتفاقم وتتفاقم والضحية سلسبيل وعائشة وبلال ووو…آلاف الأطفال يدفعون ثمن الصمت. ثمن السمعة التي أكلها الوباء

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية