رغم أن الكاتب المغربي سليمان الحقيوي آت من الاشتغال الأكاديمي، إلا أن كتابيه الأولين «سحر الصورة السينمائية، خبايا صناعة الصورة» و«نقد السينما الأمريكية» كانا كتابين نقديين غير تنظيريين، بل عبارة عن قراءات في أفلام عالمية، الأمر الذي لانجده عند معظم النقاد والباحثين المغاربة الأكاديميين، الذين يفضل أغلبهم نشر مؤلفات في التنظير السينمائي، وليس في التحليل الفيلمي، الذي بدونه تنتفي صفة الناقد الحقيقي المرتبط بالسينما بشكل يومي، كما هو جار به العمل عالميا. لكن الحقيوي في كتابه الثالث «الخطاب السينمائي قضايا في التلقي والتأويل» الصادر حديثا عن دار رؤية للنشر، يلبس عباءة الأكاديمي والمنظّر، بعد أن تَمرَّس في النقد التطبيقي للأفلام. وما يميز الكتاب كونه ينأى بالقارئ عن الأكاديمية المتعالية والجافَّة، وعن الخطاب الذي يُسقِط مقولات ونظريات بشكل تعسُّفي على الفن عموما، وعلى السينما بالخصوص، إذ يأخذنا الكاتب كقراء للغوص في إشكاليات سينمائية آنية، تفرض نفسها بقوة، من داخل السينما. ورغم كونه كتابا نظريا بامتياز فهو يقدم للقارئ المهتم والعادي كليهما، نظريات ومسائل وإشكاليات فنية وسينمائية بأسلوب سهل وحَاثّ على القراءة والتَّلقي، قصد تحبيب السينما والفن عموما، وهي السمة الغائبة في كثير من الكتب السينمائية التنظيرية والأكاديمية الصادرة في المغرب.
الناقد
يُصِرُّ الحقيوي في مقدمة كتابه على أن من بين أهم أدوار الناقد، أن يبحث ويختار قضايا تَهُمُّ الخطاب السينمائي، ويكون تأثيرها على القارئ بشكل مباشر، واستفادته منها تعود بالنفع على مشاهداته. ويطرح أسئلة تتعلق بالتلقي للفن عموما، وبالسينما خصوصا، رابطا إياها بمسألة الحرية، التي غابت كثيرا في العالم العربي، وبعلاقتها مع الفن، الأمر الذي مازال قائما، في حين تجاوزه المبدعون والسينمائيون في الغرب منذ مدة طويلة.
التلقي
في الفصل الأول المعنون بـ (قضايا في التلقي) نجد عدة أبواب، تبدأ بتعريف الصورة عموما، ثم الصورة السينمائية، فمسألة التلقي للصورة السينمائية ثم علاقة الأدب بالسينما وكيف أنهما يلتقيان في بعض العناصر والمناحي، ويفترقان في أخرى، وكيف أن السينما في فترة ما، استطاعت تطوير أدواتها الخاصة وأسلوب خطابها المتفرد والمتميز عن الأسلوب الأدبي، مع استطاعتها الحفاظ مع الأدب على وشائِج، واعتباره واحدا من المنابع الأساسية لها، لكن مع استفادة أيضا من الفنون الأخرى، كالتشكيل والموسيقى والرقص، ومن بين مظاهر هذا التطور، أن السيناريو السينمائي لم يعد يُعتبر نوعا أدبيا، كما في السابق. ومن بين المحاور المهمة أيضا في الفصل الأول، ذلك المخصَّص للنقد السينمائي، الذي يجزم فيه المؤلف بأن أسئلته في العالم العربي مازالت متخلفة عن مثيلاتها في أصناف أخرى من النقد، وذلك حسبه، راجع إلى أن هذا النقد يكرر أسئلته باستمرار، وأيضا للعداء الذي يُواجَهُ به، وعدم الترحيب به، كما يرحب بالإبداع، وحاول المُؤَلِّف إعادة صياغة ومراجعة بعض المصطلحات التي اكتسبت مع الوقت خاصية عدم قبول التعديل أو النقاش، إذ حاول رَدَّ الاعتبار لما اصطُلِحَ عليه بـ«النقد الصحافي»، الذي طالما اعتُبر نقدا من المرتبة الدنيا أو الثانية، مؤكدا على أن كثيرا مما ينشر في الصحف يكون ذا قيمة أفضل مما يُنشر في مجلات محكمة أو في كتب.
ينتصر الحقيوي لسينما المؤلف وللسينما التي يُبدع فيها المخرج صاحب الرؤية الفنية الواضحة والمختلفة للمجتمع وللناس، إذ نجده يولي اهتماما كبيرا عبر صفحات عدة لتجارب مهمة في هذا السياق كتجربة «الموجة الجديدة» الفرنسية
التأويل
أما في الفصل الثاني (قضايا في التأويل) فنجد قضايا متعلقة بالحرية والتحريم، وموقف الدين المتشدد في هذا السياق، عبر مراحل سابقة وآنية، كانت فيها الصورة ومازالت غير مرغوب فيها في المجتمعات العربية والإسلامية. ومن الثيمات الأخرى التي تناولها في هذا الفصل أيضا، كيفية تعاطي السينما العربية مع الربيع العربي، ومع قضايا أخرى سياسية واجتماعية. فالكتاب بذلك ينتصر للفن وللسينما على حساب اليقينيات، التي خنقت ومازالت تخنق الفن، وتريده تابعا لها ولضوابطها ورقابتها وتَصَوُّراتها الأخلاقوية، فيما الفن عموما والسينما بالخصوص، لا يمكن أن يحيَا ويزدهرا، إلا في مناخ من الحرية. وفي هذا السياق نتابع في الكتاب المسار الطويل والشاق الذي خاضه الفنانون والسينمائيون الغربيون، من أجل أن يضمنوا حضورا مشرفا وقويا للفنون في مجتمعاتهم، خصوصا في أوروبا، مقارنة بما لايزال يناضل من أجله السينمائيون العرب، ومقارنة بما وصل إليه السينمائيون الغربيون منذ فترة زمنية طويلة، والذي مازال مجرد مطمح يناضل السينمائيون من أجله في البلدان العربية والإسلامية.
الحرية والابتذال
ونتفق مع ماوصل إليه الحقوي من استنتاجات، ومن بينها أننا النقاد قد نكون مع حرية الفن عموما والسينما، خاصة في ما تذهب إليه من حرية بدون قيود، لكننا لسنا مع فن مبتذل لا يطمح سوى أن يجعل من التابوهات أداة للاستفزاز، وأن يكون الاستفزاز فقط في كسر التابوهات المُحرَّمة الثلاثة السياسة والدين والجنس هو الهدف، وخصوصا هذا الأخير الذي تم توظيفه كثيرا في السينما العربية والمغربية بشكل مغلوط، تحت غطاء الحرية الفنية. وفي هذا السياق يُفضِّل سليمان السينما المصرية على نظيرتها المغاربية، لأن الأولى استطاعت أن توازن في هذا السياق بين الموضوع المتناول والأسلوب، عكس الثانية التي كانت فقط، وفي أغلب الأحيان، تطمح لاستفزاز الجمهور والصحافة والنقد معا. هذا الأخير الذي وجد نفسه معها مُحرَجا وهو يساندها ويدافع عن حريتها.
سينما المؤلف
ينتصر الحقيوي لسينما المؤلف وللسينما التي يُبدع فيها المخرج صاحب الرؤية الفنية الواضحة والمختلفة للمجتمع وللناس، إذ نجده يولي اهتماما كبيرا عبر صفحات عدة لتجارب مهمة في هذا السياق كتجربة «الموجة الجديدة» الفرنسية، التي جاءت أواخر الخمسينيات، ودامت طيلة عقد الستينيات برؤية مختلفة للعمل السينمائي، تجعل من المخرج مرادفا للمؤلف في الأدب، وصاحب العمل السينمائي والمسؤول الأول عنه، وليس مجرد تقني خاضع لوِجهات نظر المنتجين الطامحين للربح التجاري، ولا مجرد منفذ فقط لسيناريوها كتبها الآخرون، ويسرد الحقيوي كيف جاء هؤلاء المخرجون من النقد بعد أن انتصروا لمخرجين عالميين مهمين، اعتبروهم أصحاب رؤية كروبيرتو روسيليني وفيتوريو دي سيكا، وتيار الواقعية الجديدة في إيطاليا عموما وألفريد هيتشكوك وهوارد هاوكس ونيكولاس راي من ضمن مخرجي هوليوود، منتقدين السينما الفرنسية لتلك الحقبة، ومكرسين رؤاهم عبر مصطلح ومقولة «سينما المؤلف»، عبر كتاباتهم في مجلة «دفاتر السينما» الشهيرة. لكن يستدرك سليمان أن تأثِير هذه الموجة على تجارب مماثلة في الدول النامية، لم يكن بالزخم الإبداعي والفني نفسه، نظرا لأن السينما والفن في هذه البلدان لم يعرفا السياقات نفسها، التي جاءت فيها «الواقعية الجديدة الفرنسية» التي نضجت ظروف تواجدها قبل ظهورها عكس البلدان النامية بما فيها المغرب.
٭ ناقد سينمائي من المغرب