لا يحتاج القلب أن يتحدّث إليك بلسانٍ ليقول لك إنه حزينٌ، وإنه يشعر بفقد ما مضى، وإنه فاقد الأمل بما سيأتي، حين تتكاثف المآسي؛ فالقلب كما الشعر يرسل إليك لمعةَ عين، زمّة شفةٍ، انحناءة خطّ في الوجه أو حركةِ يدٍ ربما، ليقول لك أكثر بكثير مما سينطق اللسان بأن القلب حزين.
الشعر كما القلب يفعل ذلك، في قصائده، ليتحدث عن البحر وهو يموج بالحب، يتحدثَ عن الغابة وهو يزهر بالحياة، يتحدثَ عن الفضاء وهو يشعر بالوجود، ويتحدثَ عن الصحراء وهو يقف محتاراً أمام العدم.
الشعر يتحدث عن ذلك وهو يشعر بذلك وبغير ذلك وربما بعكس ذلك، وفقاً لحالات الشاعر وارتباطات الحالات؛ لهذا تذهلنا التراكيب الغريبة المدهشة وغير المتوقعة التي لا نرى لها ارتباطاً في الظاهر، لكنها تدير رؤوسنا فجأة بتزاوجها، فتجعلنا ندرك ما لها من ارتباطات في العمق, وتأتي السخرية التي نقلتها قصيدة نثر ما بعد الحداثة على أيدي شعراء مخضرمين، وشعراء شباب بمختلف أساليبهم، مثل عامر الطيب، إلى آمادٍ مدهشةٍ من التركيب الفني والعمق الفلسفي، لتضيف نكهة الإحساس العميق بقدرتنا على تفكيك ما يتداخل من حيوات، وقدرتنا على خلق ما يعيننا على الحياة في مواجهة الموت.
لا تحتاج مجموعة الشاعر العراقي عامر الطيب «سماء بعيدة لقبر مفتوح» إلى الحديث المباشر عن الدناءات والسرقات والمخازي والقتل الذي يجيد شعراء آخرون توظيف ما تحفل به وتخلّفه من مآسٍ، بأساليب أخرى من التركيب، لتقول لنا إن العراق حزينٌ. فنحن سرعان ما نرى ونحسّ من أحوال شاعرها بذلك، منعكسةً في تعامله مع الموجودات والذكريات من طفولةٍ وحب وأهل وأصدقاء، وإن جنحت المجموعة إلى التعبير عن وجود الشاعر وبلورة هويته الشعرية عموماً في الكثير من قصائد المجموعة, فالإحساس بزحف الزوال يدفع الروح إلى البحث عن أقسى ما في الجسد من نتوءات وثقوب كي تتشبث وتتداخل وتتوالد من أجل الوجود، وتفتتحَ كذلك حقول ما تمسحُ من جمالٍ بالسخرية العميقة المحببة:

«هذا أنا كما يجب أن تعرفوني
رجل طارئ كحسرة الصدر
أودُّ ألا يسبّب لي أحدٌ الأذى
حتى لو كان ذلكَ من أجل أن يضحكني
كأن يقول:
وجدنا قطتكَ ميْتة
بينما كانت تحاولُ أن تفتح باب الغرفة
لتدخل متدفئة.
مزحة مثل تلك من شأنها
أن تجعل يدي جامدة على مقبض الباب!»
في سمائه البعيدة كقبر مفتوح، لا يطيل الطيب طريق مترو الأنفاق، لكي يدفع قارئه لطيّ كتابه ووضعه قرب صدره، بانتظار فتحه في طريق آخر حتى لو انتهى، كما أنه لا يُدخل قارئَه في أنفاق جبالٍ تنضح قطرات الماء الباردة المتلألئة المتشكلة بحيراتٍ تضيء بلون الزمرد إن مسحتها الشمس، في تشكيل بنية مجموعته، وإن حفلت مجموعته بتلك المياه. فهو يبسّط الأنفاق بطول طريق قصير لا يتعرّج كثيراً، لكنه ينبض بالدهشة، في بساطة تشكّله من بنية بسيطة كقبر مغلق بسماء مفتوحة، تتضمّن أربعة فصولٍ، ويشكل كل فصل قصيدةً طويلة تحت عناوين (حربٌ باردة ــ تذكاراتُ امرأة ــ أحوال ــ فواصلُ شعريّة)، وتتألف القصائد من مقاطع: 15، 15، 10، 20، لتشكل 60 مقطعاً يمكن اعتبار كل منها قصيدةً تتميز بما يمكن تسميته قصيدة اللقطة، مع تركيب بسيط كذلك في قصائد تتجاوز اللقطة، ضمن الفصول الأربعة التي يشكل كل منها بنيةً بمستوياتٍ تدور حول محور. مثل محور التضاد في القصيدة الأولى، والحب في الثانية، والموت في الثالثة، والشعر في الرابعة.
في سماء نفقه المفتوح، يعيش قارئ مجموعة الطيب النوعيةَ البسيطة من قصيدة النثر المدهشة، غير المركبة بأنساقٍ إيقاعية على مستوى المقطع أو التفعيلات، ولا بتداخلات الكتابة الآلية السوريالية وإن انسابت بها، ولا باشتغالات اللغة التي تجترح كلماتٍ مبهرةً محملةً بالدلالات. لكنها حافلةٌ ومليئة بالعذوبة والدهشة والسخرية العميقة الموحية بالدلالات وسحر تغيير الأذواق والمفاهيم: «أردتُ بطلةً لهذه القصيدة/ تجلسُ على عتبة الكلمة الأولى/ وتدخّن كغيمة متخمة/ تحب وتنجب أطفالًا/ يعبثون بالمرايا/ فيتناثر الزجاج بين كلماتي/ أردت أن أقف في السوبر ماركت/ وأقرأ قصيدتي/ فتتنبه البطلة/ لما أقوله عن حياتي الأليمة/ وتطفئ سيجارتها!».
في سماء هذا النفق بصورة أقرب، يعيش قارئ الطيب ما يمكن إيجازه في هذه القراءة، دهشةَ انسياب جدول قراءته للقصيدة، وانفتاح ماء شاعريتها على حقلٍ غير حقل ما افترضه، لكنه جميلٌ، ويعيش دهشةَ صب هذا الماء بحقل مغايرٍ تماماً، لكنه أجمل ويحمل سمات حقله المفترض، ليخرج بمتعة عيش القصيدة وإن كانت تتحدث عن الموت.
في سماء هذا النفق، بصورة أقرب أكثر، يعيش القارئ متعة السخرية مع الشاعر مما آلمه أو ما هجسَ أن يؤلمه، بميزة الطيب في السخرية البسيطة العميقة في قصيدة نثره العبثية، من الحياة، كما من الحب، كما من أعداء الحياة والحب، كما من الموت.
وفي سماء هذا النفق يعيش القارئ صورة تميّزه ومخالفته للمألوف، وتفرّده، ورفضه لقوالب ما يريد الآخرون حبسه فيها، بمرآةٍ أخرى تفتحها له سماء نفق الطيب، على غير ما اعتاد من مرايا:
«قيلَ لي لكَ وجهٌ سينمائيّ/ يمكنكَ أن تبتسم/ أن تعبسَ، أن تضحكَ، أن تغمضَ عينيكَ وتتوهَ كطفلٍ يغطس/ كانتِ اللّجنة تتفرّجُ وأنا أؤدّي/ ذلك بإذلال،/ حثالةٌ من هؤلاءِ الّذين يرتدونَ نظاراتٍ/ سحيقةٍ/ طلبوا منّي أن أصرخَ/ كأنّني مطعونٌ ثمّ أهدأ كأنّني ملكُ مملكتي،/ ثمّ أقفزُ وأموتُ./ طلبوا منّي إعادة مشهدِ الموت مرارًا/ فأعدتهُ في كلّ جهة/ وعند كلّ ناصية./ آه كم كانَ الموتُ صعباً/ لقد متُّ عشرينَ مرّة في اللّقطة/ نفسها فأفسدتُ الدور!».
في سماء نفقه المفتوح، برحلته القصيرة الحافلة، داخل عربات قطاره الأربع، بتفصيل أكثر حول ما بداخل العربات، يأخذ الطيب قارئه في عربة «حربه الباردة» إلى عالم المتضادات بين من اختاروا الشعر والكتب ومن اختاروا الأسلحة والصواريخ، كمثالٍ عن التضاد، وفي عربة «تذكارات امرأته» التي تنضح عذوبةً في تصوير عالم الطفولة والمراهقة والشباب من جهة الحب، وفي «أحوال» الشاعر بمعاناة الموت الذي يواجه ما يحيط به من كائنات بتعدّد أشكال الموت، وفي عربة «فواصل شعره» التي يصل بها كما يبدو إلى حاجته لبلورة أسلوبه ومفهومه عن الشعر والتفرّد، مع ختام مجموعته في هذه العربة بما بدأها عنه:
«بإمكاني أن أكون مألوفًا لكم/
أو غريباً عنكم،
أنا لستُ سوى كومبارس
فرضَ عليه المخرجُ أن يؤدّي دورَ
رجل يموت في آخر الفيلم صدفةً.
ذلك لا يروقني،
حاجتي إلى الكمال تدفعني لأن أصرخ
مبكرًا:
يجب أن أموت
من أجل جملةٍ أبديّة،
يجب أن أدير ظهري للجمهور
لأبدّل دوري!».
عامر الطيب، شاعر عراقي من مواليد 1990 في مدينة الصويرة/ واسط. عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق. أصدر العديد من المجموعات الشعرية: «أكثر من موت بإصبع واحدة» عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، «يقف وحيداً كشجرتين» عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، «كريات الدم الخضراء» عن دار الأمينة للنشر والتوزيع في تونس، «البقية في حياة شخص آخر» عن دار خطوط للنشر والتوزيع في الأردن، «صورة من الخلف للرقم 9» عن دار دلمون الجديدة للنشر والتوزيع في سوريا، إضافةً إلى مجموعة «ليس من أجل تشوانغ تسو فقط» عن دار العائدون للنشر والتوزيع في الأردن، و»سأحبك في الصيف القادم ونغلب أمريكا» عن دار ومضة الجزائرية. وينشر الطيب في أغلب الصحف المحلية والعربية، وترجمت بعض كتبه إلى اللغة الإنكليزية والفرنسية والإسبانية والكردية والفارسية.
عامر الطيب: «سماء بعيدة كقبر مفتوح»
دار النهضة العربية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 2021
69 صفحة.