«سمك ميّت يتنفس قشور الليمون» رواية السوري خالد خليفة: صياغة المصائر في بيئة تتنفس الكراهية

المثنى الشيخ عطية
حجم الخط
2

في أيام سورية العشرة التي هزّت العالم، بانتصار الثورة وهرب رئيس نظام الاستبداد على الصورة المخزية التي تثير السخرية، تكاثرت التحليلات حول السرعة التي حدث فيها ذلك، وأسباب انهيار النظام على الصورة التي أذهلت العالم، بما أعاد للذهن جملة عنوان رواية جون ريد حول ثورة أكتوبر في القرن الماضي، على اختلاف الزمان والمعطيات والنتائج. وتبيَّنَ في ما لا يدع مجالاً للشك، كسبب أول، ضمن أسباب هزيمة محور موالاة الفقيه، وانشغال الروس بأزمتهم في أوكرانيا، والمساعدة التركية لفصائل إدارة عمليات ردع العدوان؛ أنّ الانهيار حدَث ببساطة انتشار السوس في جسد جيشٍ فقد جميع أسباب كونه جيشاً وطنياً، واكتسب صفة عصاباتٍ تتاجر بدم السوريين في أشنع صورةٍ للتجارة بالدم على جميع الأصعدة، وإلى الدرجة التي نال فيها لقبَ جيش «أبو شحّاطة»، بسخرية السوريين واللبنانيين المتأذّين منه، على هلهلته وسرقاته لكل ما يدمّر من أجسادٍ وممتلكاتٍ تصل إلى تشليح الأجساد من كلاها وعيونها وقلوبها، وتشليح الأبنية من أثاثها وبراويز صورها وحديدها.
وكعادة التحليلات السياسية وتحليلات الأدب الذي تتصدّره الرواية في البحث عن أسباب تهالك جيش النظام، تُستعاد الأسباب من جهة الرواية وروايات التنبؤ الواقعي بشكل خاص، بالعودة إلى أعمال ما قبل انهيار النظام، التي يدخل ضمنها، بخصوصية مفاجأة الأوساط الأدبية برحيله بعدها، رواية السوري خالد خليفة الأخيرة، التي وضع لها عنواناً شاعرياً هو «سمكٌ ميّتٌ يتنفّس قشور الليمون». هذا يثير الرغبة في تقصّي أبعاده، ويتكشّف عند قراءة الرواية عن معالجة خليفة، باحترافية وفنية روائية عميقة، للبيئة التي لا يكون بإمكانها أمام انتشار نخرها بالفساد والإفساد سوى الانفجار عند نقطة تعطيل البشر عن أي فعل لإيجاد حل. وسوى انهيار جيش النظام الفاسد المتهالك على الصورة التي شهدها العالم.

أحشاء بيئة الكراهية:

وبطبيعة الفن، لا يضع خليفة لقارئه تنبؤاته المباشرة لما تؤول إليه مثل هذه البيئات، وإنما يكتفي بفتح أحشائها، عبر رواية يعالج فيها انسداد الآفاق بفعل دخان الكراهية المنبثق منها، وأشكال التمرّد عليها، بالفن كما بالحب، وإدخال القارئ لتنقية ذاته من روثها، في معاريج كهوف ظلامها التي تفتح له أبواب الرعب. وهذا بدءاً من فساد الضباط ممثَّلين بضابط المخابرات اللواء فوزي أبو مضر، وأخته أمل، سمسارته الحامية للصورة المزيّفة عن كونه الأمين، وكونها هي من يقوم بأعمال بيع السلطة والنفوذ وحصد المكاسب الملوثة من بيع الإجازات للعساكر، وزيارات المعتقلين من قبل أهاليهم.
ثم عموم أصناف الفساد والإفساد الذي يشمل ابن أخيها المتمرد سام، الذي يقارب بيع روحه بتأمين راتب شهري له بدون أن يرى وظيفته، مع ملكية شقة وتأمين مشاريع عمل يتكسب منها؛ مروراً بتدمير الواجهة البحرية التاريخية لمدينة اللاذقية بمشاريع توسيع المرفأ لاستغلاله بكل أشكال التهريب، ولتدمير ذاكرة البشر عنها وعن وجودهم فيها للسيطرة أكثر عليهم بفقد ذاكرة المكان.
وانتهاءً باستغلاله الطائفة العلوية نفسها، من دون أن يشير خليفة إلى أية طائفة، تاركاً للقارئ اكتشاف ذلك، في صنع المخبرين مثل الفتاة الفقيرة لميس التي تترقى إلى مقدمة أخبارٍ في برنامج فني تكمل فيه حلقة الفساد بتشويه وتزوير الإعلام. وفي الأكثر رعباً من ذلك، في صنع الجلادين المرضى الذين يصلون إلى إدمان تعذيب المعتقلين، وتكشّفت أعمالهم بعد وخارج الرواية فيما شهده العالم من رعب التعذيب الذي كان يمارَس في سجن صيدنايا، والمقابرِ الجماعية التي تخفي جثث مئات آلاف المعتقلين، حيث:
«كان منعم يروي بكل جدية عن أنواع التعذيب، يقوم ويمثّل المشهد، تلتمع عيناه، كلما أوغل في الشرح ضحكت عروسه أكثر، فجأةً قال إنه يضرب أطباءَ ومهندسين وأبناءَ عائلات، اقترب كأنه يهمس اسم سجين ماركسي ينتمي لعائلة كبيرة، ساد صمت، ثم أكمل رافعاً سبابته، هذا جزاء من يرفع رأسه أمام الرئيس، يَفترضُ أنه يضرب أحداً، ينفعل، عروسُه تصفّق منفعلةً، تبكي من التأثر، وهو يضرب الصوفا ويكسر يدها، يتوقف ويضيف: حين يموت أحدٌ تحت التعذيب نكمل التعذيب حتى يموت ثانيةً، ونكمل التعذيب والضرب حتى يموت ثالثةً، يخذلُنا موته، ويشير إلى العروس قائلاً إنَّ غدير، ابن حميّه وشقيق خضرة الكبير، يبول على السجين الميّت تحتَ التعذيب لأنه يخذلنا بموته، موتُ الضحية أكبر خازوق للجلّاد».

جسد الرواية الحي:

وحيث أن الأهم من ماذا تقول الرواية، هو كيف تقول هذا، وضمن ماذا؟ يبني خليفة جسد روايته من أربعة فصول هي: «ماريانا تقود ذئبها، مخدعي تحت شجرة الليمون، سمك يتنفس أشجار الليمون، وطعم اللحم البشري»، بمنظومة سرد يقوده بصيغة المتكلم في كل فصل أحد أبطال الرواية الأساسيين. هم على التوالي: سام، ماريانا، موسى، منال، عنهم وعن بيئة مدينة اللاذقية التي تربوا فيها كمكان متنوع الأديان والطوائف المتعايشة بسلام قبل اهتزاز التعايش بالتمييز الطائفي الذي يمارسه نظام حافظ الأسد وابنِه من بعده، باستغلال شيطاني لفقر الطائفة العلوية، ومنح أفرادها المنضوين تحت طاعته امتيازاتٍ تُخيف الآخرين منهم وتنشر رائحة الكراهية التي يشمها سام في وضع عائلته التي يتسلّق أعضاؤها درجات السلطة، حيث:
«أشعر أني أخون نفسي حين أجاري أصدقائي في الحديث عن ضرورة الثورة، وفي أعماقي أخاف من أي تغيير، وأتخيّل عمتي أمل وأعمامي وأبي واقاربي مطرودين من جنة الامتيازات بكافة درجاتها. أتحسس الكراهية في كل مكان، لا يمكن أن تخطئ رائحة الكراهية».
في مقابل عرض خليفة رفض الشرفاء من هذه العائلة للنظام، مثل ابن عمة سام، غسان الماركسي الذي اعتقل مع رفاقه، وانتهتْ أمّه فاطمة إلى الافتخار به وبعمله في معارضة الاستبداد.
وضمن سرديات الأبطال الأربعة تنمو الحكاية دون تقيّد باستقامة جريان الزمن، إلى لقائهم بالقرابة والدراسة والصدفة والطموحات المشتركة لتكوين فرقة موسيقية متمردة على قيم العائلة والوضع الاجتماعي والأديان، تشتهر بهزها البحيرة الراكدة للمدينة. وتنشأ بين الساردين الأربعة علاقات حب، وعلاقات صداقة مع أعضاء الفرقة الآخرين، روني ويارا، بالتشابك مع العوائل الفقيرة المدمرة بالوضاعة مثل عائلة منال التي دمّرها أب سمسار يبيع لحم الفتيات الفقيرات العذراوات للعواجيز الأثرياء بشرعية التزويج، بمن فيهن ابنته الكبرى، والعوائل الثرية الإقطاعية مثل عائلة موسى الطرابلسي التي تحتضن الناجية منال بزواج موسى منها.
ويقود خليفة فرقة أبطاله من نشوة تكوينها ومعارضة النظام والمجتمع التقليدي لها بين مستنقعات البيئة وحقول ألغام الاقتراب من هزّ أمن النظام، إلى معاناتها التفكك بحكم اختلاف أفرادها الذي تتبلور فيه انتهازية سام، وفشل محاولة لملمتها باجتماع تخييم الشاطئ الذي يلقي فيه موسى بغيتار سام في النار على إسهابه في الحديث عن عائلته الفاسدة بنوع من الامتداح لمضر وأمل. مع اعتراف سام بسرديته العارية: «في أعماقي شعرت أن موسى معه حق، نحن مرتبطون في النهاية بمعالف الطفولة البعيدة. دون أن أدري كنت معجباً بطريقة ابن عمي في إدارته لمملكة الظلام خاصته».
وفي هذا التشابك يبلور خليفة كروح للرواية مفاهيمَه الثرية عن أشكال الحبّ التي تتضمّن الهجر والكبرياء والخيانة وحماقة الانفصال، وتقاطعاته بالجنس والزواج وعلاقته بالموت، عبر قصص الحبّ العميقة المعالجة بتحليل نفسي غير مفتعل لأبطالها الرئيسيين ومن يحيط بهم من آباء وامهات وأجداد وجدات. وهذا دون أن ينسى سبر شخصيات الذكور العجائز الذين يمارسون شراء البنات بالزواج المؤقّت وإدانة هذه الجريمة، في دفق شاعري فلسفي وجودي تتوِّجُه ثيمةُ الرواية الناظمة لها من البداية إلى اللانهاية، والمختزَلَة بعنوانها عن قشور الليمون. ثم بمعانيها العميقة المرتبطة بالحب ورغبة الحياة ومقاومة الاندثار، حيث تقول ماريانا فاتحة أفق الأمل:
«كلما اعتبرتُ أنه اليوم الأخير الذي سنفترق من بعده، كنا نبدأ من جديد، بعهود مختلفة. علاقتنا تشبه قشور الليمون اليابسة التي كتبتْ عنها منال قصيدتها الأخيرة، كانت تتحدّث عن الظمأ إلى الحبّ، عن الوحوش التي تمنع الشمس من السطوع، كانت منال ترى دوماً تلك الأشياء التي لا نراها، تخبرنا بأن مجارير الخراء تُغرق المدينة، والبحرَ، وقشورُ الليمون الجافة هي نحن حين نقاوم الاندثار».
وفي هذا التشابك تتبلور قدرة خليفة على سبر أغوار النفس وترددها وحيرتها ولجوئها إلى خلق عالم موازٍ ينوس بين الغرق في تمنيات الوهم، بكلمة «لو»، مثلما تفعل منال في «لو» حدث وأخذنا منعم لنعيش دون أب، بالنسبة لأخيها الذي تحوّل بالفقر ونذالة الأب ومعاناة الاغتصاب إلى جلاد، وبين الثقة بتغيير الحبّ لمصيرها: «حين التقيت للمرة الأولى بموسى، شعرت بأن حياتي كابوس سيقوم الزمن بتصحيحه الآن، سينتهي وتظهر الأم الأخرى».
مثلما تتبلور في هذا التشابك كذلك، مقدرة خليفة في إثراء روايته بالثقافة العميقة التي كانت متداولة في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي حيث ترمح الرواية، فيشهد القارئ الثقافة الموسيقية التي تمر بمغني الريغي بوب مارلي، وعازف ومغني الجاز لويس أرمسترونغ، والثقافة الأدبية التي تمر كأمثلة بترجمة أسامة منزلجي لرواية هنري ميلر «ربيع أسود»، وبأجواء التفاعل والتلاقي الأدبي التي تمر فيها مكتبة الشاعر منذر مصري «فكر وفن»، وتداول المثقفين الماركسيين لقصائد رياض الصالح الحسين، وأفكار وكتب ولقاءات المفكر الياس مرقص الذي ارتاحت بموته المخابرات عام 1991.
ولا ينسى خليفة منح القوة لسرديّات فصوله بتدفّقها عاريةَ البوح سابرةً للروح دون إخفاء أو خجلٍ من أبطالها، ومن ذلك حيرة سام بانتهازيته المدمّرة لروحه، وحديث منال عن نجاتها من خزي عائلتها بالحبّ واستعادة الثقة، وجرأة ماريانا في الحديث عن وهم حبيبها سام بأنه من افتض بكارتها، في ظلّ حقيقة أنها فعلت ذلك مع الأخ الأكبر لموسى، أستاذ الرياضيات محمود، المثقف المتمرّد المتفهّم، الذي أحبته وهي في الثانوي، ولاحقتْه حتى مضاجعتها وافتضاض بكارتها، في إباحيةٍ تنحسر إلى الإيروتيكية بتعبيرها عن قوة شخصية وإرادة ماريانا.
وفي الختام الذي لا يختم ما تستحقه هذه الرواية من سبر لعوالمها، ويمكن للقارئ تعويضه بقراءتها، لا بدّ من الإشارة إلى خصوصية هذه الرواية التي لم يقم الناشر بتحريرها، حيث رحل الكاتب ولم يعد هناك من تتم مراجعته حول التحرير واختيار الغلاف، وفضل كما يبدو ترك الرواية كما أرسلها الكاتب، بالقول: «لقد حرصنا على حفظ الأمانة، وها نحن نسلّمكم إياها، باقة وردٍ ألقاها الممثل قبل أن ينسحب وتقفل الستارة».
وقد تجلّت أمانةُ الناشر في تركه المساحة التي تركها خليفة فارغةً، بغاية استكمالها بتأليف قصيدة منال، وترك اسم الفيلم الإيطالي الساخر المعبّر عن روح الموجة الجديدة في إيطاليا الستينات من القرن الماضي: «ميمي العامل المطعون بشَرَفِه» فارغاً، حيث أراد خليفة التأكد منه كما يبدو، ولم يهتد إليه الناشر كما قال.
خالد خليفة:
«سمك ميّت يتنفس قشور الليمون»
نوفل، بيروت 2024
264 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية