«سواق الهانم» فيلم أحمد زكي الذي سقط سهواً من الحُسبان!

عينة قليلة من أفلام الفنان الراحل أحمد زكي هي التي لم تحظ بالنجاح الجماهيري وربما يمكن تحديد الأسباب في اختيارات البطل، الذي كان مولعاً بتنوع الشخصيات، دون النظر لأهمية النجاح الجماهيري من عدمه، فإذا تضمنت الشخصية الدرامية تفاصيل جديدة ومُختلفة فهي المُفضلة لديه والتجريب فيها هو التحدي بعينه، وتلك كانت اللعبة التي تعوّد أن يُمارسها الفنان الراحل بروح المغامرة.
فيلم «سواق الهانم» للكاتب يوسف جوهر والمخرج حسن إبراهيم، الذي أنتج عام 1994 كان واحداً من الأعمال ذات الطبيعة الخاصة من الناحية الضمنية والفنية، فالموضوع يتصل بحالة السائق الذي يستخدمه الكاتب كوسيط لالتقاء الطبقتين الاجتماعيتين، الطبقة الأرستقراطية والطبقة العاملة التقاءً موضوعياً تلقائياً، بلا أي فلسفات أو محاور عميقة.
لقد اعتمد الكاتب يوسف جوهر في بناء الأحداث على بساطة الفكرة وتجريدها فبدت سهلة وعادية، لذا جاء التفاعل الجماهيري معها متواضعاً للغاية، فلم ينتبه البعض إلى ما بين السطور، حيث التقارب المنشود بين الطبقتين وإلغاء المسافات بين الأفراد، باعتبار أن الكل مهما اختلف مستواه الثقافي والاجتماعي والفكري هو في النهاية إنسان له شهوات ورغبات ومشاعر، ولديه القُدرة على الرفض والقبول ويمتلك مقومات الرقي والتكيف مع أي بيئة إذا توافرت له الفرصة. النموذج في فيلم «سواق الهانم» هو حمادة، السائق البسيط القادم من بيئته الشعبية بأفكار ومبادئ وطبيعة تتسم بالقوامة والاستقامة، فالرجل من وجهة نظره هو صاحب السُلطة الرئيسة في البيت وقراراته هي القاطعة المانعة طالما أنها غير تعسفية وتهدف للصالح العام. هكذا تربى ابن البلد على مفاهيم تربوية يراها من صميم الأصول والقواعد، وتلك هي نقطة الخلاف بينه وبين أفراد العائلة الأرستقراطية، التي ذهب ليعمل سائقاً لديهم فهاله ما رآه من آيات الغرور والكبرياء، وادعاء العظمة بالانتساب إلى طبقة الحُكام في العهد الملكي وسلالة البكوات والباشوات، فالآمرة الناهية في البيت هي السيدة «لطيفة» (سناء جميل) زوجة عادل أدهم رب الأسرة، الأكثر تواضعاً وبساطه من زوجته ابنة العائلة العريقة.
بدخول السائق في معية الأسرة بحكم عمله واحتكاكه المُباشر مع كل أفرادها، صار هناك نوع من التضاد وعدم الانسجام في بداية الأمر، كون السائق «حمادة» يُمثل عنصراً غريباً غير مُتكافئ مع المُحيطين به من نواحي كثيرة، حسب رؤيتهم له، وهو ما يُمكن اعتبارها حالة اقتحام مقصودة عوّل عليها المخرج حسن إبراهيم لتكون هي العُقدة الرئيسية في الأحداث ومحور الصراع الدرامي في الفيلم. ولأن المخرج حسن إبراهيم لا يميل كثيراً إلى التعقيد ويُفضل المُعالجة الواقعية في أغلب الأحيان فإنه حرص على تقديم شخصية السائق من منظور إنساني بحت وتجاوز عن الفوارق كافة التي تُميز الأبطال الآخرين عنه، بل جعل السيادة والمرجعية له عندما تمكن من امتلاك قلب الفتاة الجميلة الابنة الوحيدة في العائلة الأرستقراطية (شيرين سيف النصر). كما أنه تولى تقويم الابن المستهتر المُدلل ممدوح وافي، وواجهه بعنف عندما أراد أن يُغرر بالخادمة الريفية (صابرين) وأجبره على الزواج منها بعد أن لقنه درساً في الأخلاق على طريقته الخاصة.
تلك كانت دلالات النفوذ الذي اكتسبه البطل من واقع درايته بخلفيات الأسرة وحاجتها الماسة للتوجيه والتقويم والخروج من جمود الروتين الذي فرضته الأم، بتسلطها على الزوج والأبناء لإحساسها بالتميز العرقي والنسب الملكي وتعودها على إصدار الأوامر، وعدم اعترافها بالمساواة والثورة التي غيرت الشكل الاجتماعي بالكلية.
ذكاء البطل في رصد نقاط الضعف في الشخصيات المحيطة به مكنه من ممارسة دورة الإصلاحي بحرية، وساعده على أن يكون هو الوصي الحقيقي على أفراد الأسرة، بمن فيهم الأم ذاتها وهي قناعة ربما كان مصدرها الأساسي رأي الكاتب في حاجة الشخصيات المُنتمية لهذا النوع إلى قائد يطلع بتوجيه سلوكها العام، ويخلصها من تأثير الأزمات التاريخية في عهود السلاطين ومراحل التمييز الطبقي. وقد ورد هذا المعنى صريحاً في عدة مشاهد من بينها مشهد سقوط البراويز الفخمة التي حملت صور الحُكام والأمراء من أصحاب المعالي والسعادة وغيرهم على الأرض، وأيضاً زواج ممدوح وافي من الخادمة نزولاً على رغبة حمادة السائق الذي آلت له السُلطة المعنوية في البيت بفعل اقترابه من رب الأسرة عادل أدهم وانسجامه معه.
غير أن حمادة نفسه ترك عبلة كامل ابنة طبقته وتزوج في نهاية الأحداث من شيرين سيف النصر، رغم أنف الأم سناء جميل فأصبح صهراً وعضواً أساسياً في العائلة الأرستقراطية التي نجح في تغيير مفاهيمها وتركيبتها الاجتماعية والنفسية. هكذا جاءت المُعالجة البسيطة والمُقنعة في فيلم «سواق الهانم» للكاتب يوسف جوهر والمخرج حسن إبراهيم بلا حذلقة أو خطاب مُعقد ومُرهق عن ضرورة كسر الحاجز الطبقي واعتناق مبدأ المساواة بين أبناء الشعب الواحد. ورغم سهولة اللغة وعبقرية أداء أحمد زكي وسناء جميل وعادل أدهم وعبلة كامل والحبكة القوية للقصة والسيناريو والحوار لم يُصادف الفيلم النجاح الذي يليق به فقد جافاه الحظ حين أهمله الجمهور وأنصرف عن مشاهدته لعدم توافر المُشهيات والتوابل التقليدية الجاذبة له.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية