يقول الكاتب الفلسطيني فاروق وادي في روايته «سوداد (هاوية الغزالة)» إن «النجوم لا تضيع مهما اتسعت رقعة السماء!». قد تبدو عبارته هذه حكمة تنطبق على كل شيء، لكنه أتى على ذكرها ضمن عمل روائي كان آخر ما كتبه قبل أن يغادر دنيانا، وكأنه أدرك أن روايته لن تضيع فهي الآن في سماء فلسطين وقد انطلقت من سمائها وفي معرضها للعالم بأسره. لابد أنه اطمأن أخيرا أن الرواية لن تضل طريقها ما دامت وصلت حيث انطلقت حكايتها، حكاية فلسطين التي تذكرنا بمقولة للشهيد ناجي العلي، يقول فيها: «أرسم كي أصل فلسطين». وها هو فاروق وادي يكتب كي يصل فلسطين، فالكاتب الحقيقي هو الذي يعيش ليكتب، متماهيا مع فعل الكتابة الذي يصبح مع الوقت ذا صلة روحية به وكأنه محكوم وإياه بخيط رفيع يصعب تخيل أنه بالفعل موجود لكنه كذلك، إذ تصبح الكتابة سبيله لقول ما يريده بالطريقة التي يتمناها، وهكذا فإن كل شيء في قانونه يؤدي بالضرورة لها.
قرأت مرة عبارة للشاعر الأمريكي بيلي كولينز يقول فيها إن: «الأغصان العارية في الشتاء، ليست إلاّ شكلا من أشكال الكتابة»، هذه الجملة على بساطتها خطيرة في مقاصدها، إذ تقودني إلى عبارة في رواية «سوداد» لوادي تقول: «كان الكون برمته، بكل هيبة الصمت فيه، يصيخ السمع للكلمة الأولى التي يمكن أن تقال في قصة عشق ستكبر.. في قصيدة حب ترددها الريح الجذلى على امتداد الزمان والمكان».
في «سوداد» نقترب كثيرا من الشعر، إذ نلحظ أن الروائي يعود لشرح العنوان ضمن المتن الروائي بلغة الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا وأنداده، أي الأسماء المستعارة التي كان يكتب بها، وكتأويل خاص أعتقد أن سوداد اسم اتخذه وادي ليكون ندا لأنداد بيسوا، وقد ذكر في النص قصائد له جاءت على ذكر كلمة سوداد.
إذ يقول بيسوا مرة باسم ألفارو دي كامبوش :
«هو سُودَاد يشدُّنا إلى شيءٍ ما. أم ارتباك في المشاعر؟
نحو أي وطنٍ مُبْهَمٍ؟
نحو أي ساحل؟
أية سفينة
وأيِّ رصيف؟»
ومرة ثانية باسم ألبيرتو كاييرو
«سوداد مبهك تحمله هذه الهنيهة إليّ
ثَمة رغبة هادئة
تظهر ثم تختفي».
ومرة ثالثة باسمه أي بيسوا نفسه:
«بعد النهار يجيء الليل
بعد الليل يجيء النهار
وبعد سوداد
يحلّ سوداد آخر يستبدُّ بنا».
وسوداد كلمة برتغالية بحسب ما شرح الكاتب: «تقترب من الشوق، الاشتياق، الحنين، النوستالجيا، المتعة التي تكمن لنا في الألم و تمتزج فيه، وفي الوقت نفسه النعيم الذي يتضمن العذاب».
فيما يبدو أن وادي وبيسوا اتحدا في هاوية الغزالة لينتصرا للشعر واللغة الشاعرية حين تعبر عنها الرواية، ما يحيلني لمقولة إرنستو ساباتو التي يرى فيها أن «النثر هو النهار والشعر هو الليل، طعامه الوحوش والرموز، وهو كلام الظلمات والمهاوي. إذن ليس هناك من رواية عظيمة لم تكن في المحصّلة شعرا».
ففي هذه الرواية لا يكتب وادي عن الحب والكثير من القضايا التي حين يطرقها فإنه يطرقها بأسلوبه الخاص جداً، بل يكتب ليقول في الأخير إن كل مشاعر الحنين تؤدي إلى فلسطين، إذ تقول إحدى شخصيات الرواية: «اكتشفت أن جذوري تمتد، من دون أن أدري، إلى تلك المأساة التي اسمها فلسطين، ما فاقم من حزني وبؤسي. من قال إن المعرفة لا تجلب الشقاء؟ لكن الأمر، رغم ذلك كله، أشعرني بشكل من الأشكال، بالانتماء إلى شيء ما، إلى جرح لم يكن موجوداً في روحي من قبل».
الغربة وقود الحنين والشيء الذي يجعل الواحد منا دائم الاتصال بمكانه الأول وذكرياته الأولى، التي بدونها يستحيل كل شيء وتتعطل الذاكرة، فما بالك إن كان هذا المكان وهذه المدينة فلسطين، فلسطين التي رسمها وادي بكل كلمة من كلمات نصه هذا. تقول الرواية: «حكى لي باقتضاب عن قريته الأولى التي سقطت عام 48 وتشريده عنها مع عائلته، وعن رام الله التي عاش فيها شبابه، والقدس التي لا تبعد عنها كثيراً وتتضوع شوارعها القديمة وطرقاتها وأزقتها بروائح التاريخ والبهار والبخور، وعن حلمه بالعودة هناك. رقصنا في تلك الليلة معاً على الأضواء الشاحبة للشموع، وعلى صوت مجروح ملوع يعني مردداً كلمة «سوداد».. «سوداد». أما أنا، فلم أتردد في أن ألقي برأسي على كتفه. وعندما رفعت عيني لأتأمل وجهه، كانت عيناه تضطرمان حزناً وندی».
أعتقد أنه ليس على القارئ شرح أو تلخيص حكاية قصة الرواية كما وردت بالعمل فهو بطريقة ما يقتل فرصة التأويل عند القراء الآخرين، ولكن من المهم أن يؤول النص وفقا لتصوراته الخاصة، أو درجة فهمه له في تلك اللحظة بالذات، لأننا عندما نعيد ما قرأناه لا نخرج بالضرورة بنفس التأويلات السابقة، وهذا من من جماليات الأدب أي التأويل، التفكيك، طرح التساؤلات، إضافة إلى المتعة ومدى اندماجنا والكتاب الذي بين أيدينا.
ونص «سوداد هاوية الغزالة» من النصوص التي تجعلك تندمج معها لدرجة تشعر أنك إحدى شخصياتها وكأن الكاتب يحدثك بلسان الراوي عن سيرة حقيقية لشخص عرفه بحياته، أو ربما في الرواية شيء من سيرته الشخصية، لكن الأكيد فيها حنينه لفلسطين، ولكل ما يربطه بتلك البلاد التي رغم بعده عنها ظلت قريبة منه، وقد استعار من فرناندو بيسوا كلماته ليعبر عن ذلك، إذ يقول بيسوا: «من أجل مدينتي البعيدة كافحت وسقطت/ لم أعبّر جيدا عما كانت تريد،/ بيد أنها كانت في حاجة إليَّ/ لقد تحررت أسوارها،/ لسانها يحفظ ما قلت، والرجال يموتون/ لكنها مثلي لا تموت».
ونلحظ أنه حتى وهو يكتب عن البرتغال يكتب عن فلسطين، لكنه يكتبها بصدق لا مبالغة فيه، فهو حين ينتقد ما يرى أنه يستوجب النقد روائيا ينتقده دون مواربة أو تسمية الأشياء بغير مسمياتها، وهذا من الأشياء الجميلة في هذه الرواية التي تنحاز في الأخير للأدب ولا شيء سواه.
كما أننا نرى في سوداد المرأة وكأنها وطن، ونرى الوطن وكأنه امرأة، ولابد أن الروائي كتب الاثنين معا. فالغزالة تعبير عن كليهما وعن أمور أخرى تحتاج من القارئ عودة ثانية وثالثة لقراءة هذا النص المثقل بالرموز والمنشغل بتفكيكها. تقول الرواية: «ربما تكون الحكاية قد أثارت مواجعه، وأعادته إلى غزالة تعدو في روحه الكسيرة.. غزالة لا بد وأن تكون قد أصابتها سهام الأمير.. لاحقتها السهام الطائشة المتراشقة خلفها، وصرعها سهم صائب منها».
تتناول الرواية أزمة تشكيل الهوية خارج حدود الوطن الأم واللغة، وتلك الغربة التي تُحدِث الكثير في حياة الإنسان وفي نشأة أولاده بالمستقبل، هنا الكاتب توسع في هذه الفكرة كثيرا، ففقرة على لسان إحدى الشخصيات الروائية تقول:
«ـ هل رأيتن ياسمين؟! صبية سمراء طويلة، بشرتها بلون بشرتي.. عيناها تشبهان عيني، وملامحها تشبه ملامحي.
… هل رأيتن ياسمين؟
– صبية سمراء بتقاطيع عربية، لكنها لا تتقن لفظ كلمة عربية واحدة.
هل رأيتن ياسمين؟
ستعرفها من ملامحها، وإن لم يكن، فمن لغتها، وإذا وجدتم صبية سمراء تتحدث البرتغالية، فهي ياسمين تتحدث بلغة أمها!
وإذا وجدتم صبية تتحدث الإسبانية، فهي ياسمين… تتحدث بلغة طفولتها.
وإذا وجدتموها تتحدث الفرنسية، فهي ياسمين تتحدث لغة صباها.
بأية لغة تحدثت ياسمين، فإنها تبقى ياسمين. ابنتي
وإذا أصغيتم إليها وهي تعزف الموسيقى، فهي ياسمين تتحدث بلغة الكون.. بلغة الروح.. بلغة الريح والعصافير والسنونو. لن تجدوها تتحدث العربية، لأنني لم أعلمها ذلك. لقد فاتني أن أعلمها العربية. قصرت في ذلك. هل رأيتم فتاة عربية لا تتقن العربية؟ إذا رأيتموها فإنها ياسمين.. ابنتي ياسمين».
«مات فاروق وادي دون أن يمسك كتابه بيده. ذهب في هاوية الغزالة» كما كتب ناشره الشاعر خالد سليمان الناصري، رحل وآخر كلماته «بدي أكتب»، كما ذكرت ابنته شهد، وهذا يؤكد أن الكاتب المسكون بالكتابة سيظل حيا متجاوزا اللحظة الراهنة، ما يحيلني لما كتبه الروائي الفلسطيني عباد يحيى حين رثى فاروق وادي قائلا: «اكتمل في فاروق وادي كل ما يحتاجه الأدب ليحيا، ليتجاوز لحظته الراهنة وحسابات المؤسسات وأساليب الترويج وانحيازات السياسة. اكتمل فيه الكاتب والناقد والقارئ والإنسان الرهيف، وفي نصه اكتمل كل هذا. رغم تعبه ومرضه ظل يقرأ ويكتب، تستطيل حياته لتتجاوز لحظة الموت. يكمل بريشته أجزاء من لوحة رام الله، رام الله التي نحاول كتابتها، نراودها بالكلمات علها تفشي لنا شيئا، أما هو فكأنها أحبته وكشفت له كل شيء من نفسها».
وهكذا ختم وادي مسيرته الإبداعية برواية «سوداد (هاوية الغزالة)»، لتظل وباقي كتبه شاهدة على مسيرة هذا المبدع الذي قال على لسان إحدى شخصيات روايته هذه: «في البدء كان الكلمة، والكلمة نواة الفكرة، والفكرة نواة المشروع».
فاروق وادي: «سوداد (هاوية الغزالة)»
المتوسط، ميلانو 2022
304 صفحة.