سوق “الزِلِمْ” في الرَّقة: زنود بلا حظوظ  

عبد الكريم البليخ
حجم الخط
0

مع تقاطع شارع شكري القوتلي، جنوب متحف مدينة الرَّقة السورية، يتواجد وبصورة دائمة، أعداد كبيرة من الباحثين عن العمل بسبب ظروفهم المعيشية القاسية، التي تحكي قصصا مأساوية ملونة، في ظلّ ضعف الإمكانات المادية، وبالكاد يكسبون قوت يومهم، بجهد عضلي، لقاء تعويض مادي غير كافٍ، لتأمين أبسط الاحتياجات اليومية.

سوق “الزِلِمْ” في الرَّقة، وكما هو معروف أصبح ملتقى لتشغيل العمال ليوم واحد، وتجد فيه الكثير من صور أخذت تُثير فينا الاستغراب حيال لقائنا العديد من هؤلاء الأشخاص الذين نراهم مع بزوغ شمس الأصيل مفترشين الأرض، عسى وعلَّ أن يحالفهم الحظ بالارتباط مع أيّ شخص كان في حاجة ليد عاملة تخفّف عنهم وطأة حال، فإنَّهم يأتون لهذا المكان، الذي يتجمَّعون فيه للفوز بعمل يومي يسدّون به رمق أسرهم التي تنتظر الحلول بفارغ الصبر!

الكبار، وحتى الشباب منهم، بات يؤمّ المكان الذي أضحى مع مرور الوقت ملتقى للعاطلين عن العمل، وأيضاً للباحثين عنه! جيل من الشباب، تراه يتوسّد أطراف الرصيف، أو معتلياً حوافه بانتظار من يأخذ بيده. صاحب النصيب هذا قد يُحرّرهم من الحاجة والأسى الذي يُعانون.

وإذا ما بادرنا بالسؤال، والدخول في متاهة الحياة، وإلقاء نظرة لهذا الواقع الذي اضطرهم إلى الخوض فيه، نتيجة ضيق ذات اليد، وظروفهم القاهرة التي دفعت بهم إلى الامتثال للقدر، وواقع الحال الذي به يتسابقون، يقول محمود السالم، أحد الباحثين عن العمل لـ “القدس العربي”: “يوم نعمل ونتوقف عن العمل أيام، والأجر اليومي في معظمه لا يتجاوز 2800 ليرة فقط!

فكيف بالله عليكم يمكن أن يؤمّن هذا العامل، مصاريفه الشخصية، وهذا أقلّها، بهذا الرقم المالي البسيط جداً، ناهيك عن أجور السكن، وهذه قضية أخرى لها همومها ومشكلاتها؟”.

وأشار العامل رمضان السيد، بقوله: “إنَّ العمل في الواقع غير متوافر بالصورة التي نريد. وبالكاد نحصل على أجرة عمل يوم ولا تتجاوز 1500ـــ 2800 ليرة في أحايين كثيرة، وهذا والكل يعرف، زهيد جداً، فكيف يمكن أن نؤمّن المصاريف الأخرى في ظل ارتفاع الأسعار، وايجار السكن، والكثير من صور المعاناة الأخرى؟”.

أما العامل محمد لطوف، فقال: “أكثر من سبعة أشهر وأنا متوقف عن العمل، وإن توافر العمل المناسب لي فانَّ حصيلة يومي لا تتجاوز 2500 ليرة. وصار لي نحو 4 أيام ولم أفز بيوم عمل واحد، على الرغم من المصاريف الكثيرة حيث اضطرتني الظروف السيئة إلى الاقتراض من الأصدقاء والمعارف لتسديد ما يترتب عليَّ من التزامات”.

وقال عبد الله الجمعة: “نأتي في الصباح الباكر، من طلوع الشمس، إلى ما بعد الظهيرة، ولم يكن بالإمكان تحقيق رغبة صاحب عمل! رغبتنا ليست صعبة المنال، وإنما هي مجرد الفوز بصاحب منزل، أو منشأة، أو غير ذلك لكسب لقمة حلال بجهد عضلي حتى أتمكن من تأمين مستلزمات أطفالي الذين ينتظرون حاجتهم من طعام وشراب، وهذا يكفيهم”. ويضيف: “قد يمرُّ يوم، أو يومان، ولا أحقّق مطلبي من الشخص الذي يبحث عن عامل بحاجة له، من شاكلتنا لقيامه بإصلاح مجرور صرف صحي، أو القيام بحفريات، أو أي أعمال خدمية أخرى”.

حسين الدوغان، أكد بدوره: “أكثر من سبعة عشر يوماً وأنا بانتظار الشخص الذي يُلبّي حاجتي للعمل. أطفالي الـ 9 وأمهم لم يذوقوا طعم اللبن (الخاثِر) بكسر الثاء. وهذا الحال قد يطول أياماً لاسيما وأننا حالياً في فصل الشتاء، ولم تعد هناك حاجة أو إقبال لطلب اليد العاملة! ماذا نعمل في ظل هذه الظروف القاسية، وعدد العمال الذين يبحثون عن العمل، وكما ترى بالعشرات؟ وفي بعض الأحيان نقضي اليوم بطوله بعيداً عن الفوز بأي عمل كان، فنعود إلى بيوتنا والحاجة تغلب واقعنا، لأنّه، وبصراحة، لا مورد آخر لنا سوى ما تقدمه زنودنا، وهذا الجهد، وان توافر، فانَّ الأعمال تبقى محدودة، والإقبال على سوق الزِلِم، أيضاً بات يزدادُ يوماً بعد آخر”.

بينما العامل ناصر النايف، تساءَل بقوله: “هل من المعقول أن يظل حالنا على ما هو عليه؟ لماذا لا تفكر بعض الجهات المعنية بإيجاد فرص عمل تتناسب والعمر الذي يمضي سريعاً؟ ما نتمناه، هو أن تنظر إلينا الجهات المعنية وتؤمّن لنا جبهات العمل التي يُمكن من خلالها أن نحصل على لقمة عيش كريمة في ظل الأسعار الكاوية!

الأعمال الموجودة، وان اقتصرت على أشخاص بعينهم، نتمنى أن يتم تشغيلنا في أعمال تتناسب والجهد الذي يُبذل”.

أما العامل علي الجلّود، فقال: “الواقع أكبر من أيّ تصوّر آخر، صار لي أكثر من 8 أيام بدون عمل!

كيف يمكن لي أن أدفع ما يترتب عليَّ من أجور سكن، وتأمين معيشة أولادي، وغيرها من الاحتياجات الملحّة، وأنا لا أملك ليرة واحدةً لإعاشة أطفالي الصغار، بالإضافة إلى المطالب الكثيرة التي تلزمها مبالغ مالية بسيطة، ومنها لقمة الخبز، التي صرّنا غير قادرين على تأمينها، ناهيك عن اللوازم الضرورية اليومية، وحاجتنا الملحّة لها؟”.

ويقول العامل محمد الحمد: “تبقى الأمنيات والآمال، أكبر من الواقع الذي تلزمه الحلول الناجعة لتخليص العاملين في سوق الزِلِمْ، من هموم ومعاناة طال مداها. الحال يتطلب دراسة واقع نسبة العاطلين عن العمل، وغيرهم الذين طالما يبحثون عن فرص عمل حقيقية. وأملنا يمكن أن يتحقق في ظل توافر الأراضي الزراعية، بتأمين جبهات عمل تُنقذنا من الحالة التي نعاني منها”.

ويتساءَل: “هل تبادر لجان البحث الاجتماعي لحل مشاكلنا؟ نحن العاطلون عن العمل المتواجدين في موقع نزْلِة المتحف، نحاول جاهدين الحصول على أي صاحب عمل، وان كان لساعات محدودة من أجل تأمين مصروف العائلة في ظل الظروف الحالية”.

ويأمل أن يأخذ بهذه المبادرة المعنيين بدراسة واقعهم، بقوله لـ”القدس العربي”: “يجب أن يتم شملنا بجداول توزيع الأراضي الفائضة عن الحاجة أسوة بالملاّك المنتفعين بمساحات معقولة لإنقاذنا مما نحن فيه، وفي هذه الحالة يمكن أن تتحقق لنا حياة كريمة أسوة بغيرنا، هذا إذا أرادوا حقاً أن يحلوا مشكلاتنا، ويقفوا على معاناتنا، والتي يمكن فيها أن نقلص معضلة البطالة والعوز والفاقة التي صارت حكاية يتجاذب أطراف حديثها الكثيرون، ويحتالون في المقابل على ساعات يومهم الطويل المشوب بالأمل، وان لفّه الكثير من المعاناة والفقر المدقع.

 فالكرة لا تزال في ملعب لجان البحث الاجتماعي، والمسؤولين الذين بيدهم استصدار القرارات لحل ما يمكن حله بهدف إنقاذ أسر كبيرة مكسورة الخاطر”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية