سمعت عبد الرؤوف دراجي، الملقب «سولكينغ» يقول في إحدى حواراته، إنه أول من أطلق فيديو كليب راب، في الجزائر، فاستغربت كلامه مترحماً على جيل المؤسسين أمثال «أنتيك» و«أم. بي. سي» وفرق أخرى أسست موسيقى الراب، ليس في الجزائر وحدها، بل في شمال افريقيا إجمالاً، في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، وكانت أعمالهم تعرض في تلفزيونات فرنسية، أو في القناة المحلية، تغاضيت عن كلامه وقدرت أنه من باب السهو، ثم عادة مرة أخرى وشبه حياته بحياة داليدا! هل يعقل أن مغنيا هاويا لم يتعلم الصولفيج، ولا يفرق بين السلالم الموسيقية، يُقارن نفسه بواحدة من أساطير القرن العشرين؟
أحياناً الشهرة تعمي الأبصار، يظن صاحبها أن شهرته تكفيه في التعتيم على زلاته، لكن خرجات سولكينغ تعددت وأخطاءه كثرت، ويهمنا أن نتوقف، في هذه الأسطر، عند فهم هذه الظاهرة، كيف صار شاب لا تربية موسيقية له، ولم نلحظ عليه بذل جهدا في تطوير أدائه، كيف صار نجماً بين الشباب في الجزائر؟
تسلق النجاح بساق واحدة
منذ ثلاثة عقود، تعود الجزائريون على أن يكون نجم الغناء من الراي، لا بد أن يحمل صفة «الشاب» مرافقة لاسمه، أو «الشابة» للنساء، واستنفدت حقبة التسعينيات كل النجوم المتاحين، الذين تقدم بهم السن وقل حضورهم، كذلك حصل مع أسماء أخرى ظهرت مع بداية الألفية، فنجومية مغني راي لا تدوم طويلاً، إلا نادراً، والناس لا يعيشون دون نجم يلهي يومياتهم ويسليهم بأخبار وفضائح، وبحفلات، كلما أتيحت الظروف، وبعد تراجع الراي، مع هذه الصحوة الأخلاقية التي عمت الأذهان، وباتت هذه الموسيقى مرادفاً لكل ما هو سلبي ـ في مخيلتهم ـ ظلوا سنوات يملأون الفراغ في حياتهم، باستيراد نجوم أجانب، مرة من فرنسا ومرة أخرى من المشرق، قبل أن يحل سولكينغ، قبل أربع سنوات، ويملأ هذا الفراغ، لم يصل إلى أسماع الناس وأعينهم كمغنٍ، بل كقصة، قصة شاب جزائري هاجر إلى فرنسا بطريقة غير شرعية، قبل أن يصير مغنيا، فعلى عكس كل المغنيين ـ النجوم السابقين، لم يدخل سولكينغ دائرة الشهرة، في الجزائر، من باب أغنية أو أداء يحفظهما الناس ويرددونهما، بل جاء من باب التعاطف مع حالته الإنسانية، والدارج في الحياة الجزائرية، أن العاطفة تسبق العقل والمنطق، يميل الناس إلى الرفع من شأن كل شخص يحتاج هبة إنسانية، أو دعماً وشفقة، هذه إذن الصورة الأولى لهذا المغني، الذي ظهر في مرحلة ارتفعت فيها أرقام الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، لقد جاء مثل مهدئ يطمئن القلوب بأن المهاجرين غير الشرعيين في وسعهم النجاح، بغض النظر عن افتقادهم للموهبة.
إذن ظهرت صورة ذلك المغني الشاب، في وقت لم يكن أحد يعرف أسمه الفني كما ينبغي، فقد غير ألقابه مراراً وتكراراً، قبل أن يستقر أخيراً على لقب (سولكينغ) وحين يغير مغنٍ لقبه الفني أكثر من مرة، فذلك يعني بالضرورة أنه ليس واثقاً من نفسه، يدرك أن خللاً ما يأوي في قلبه، وأنه ليس فناناً مكتملاً، بل أكثر من ذلك، فإن سولكينغ غير من أنماطه الأدائية، من راقص إلى مغني راب، وصولاً إلى الموسيقى الحضرية، وهو نوع هجين يجمع في جوفه كل الأنماط الموسيقية المعروفة، بدرجات متفاوتة، هكذا إذن كانت بداية عبد الرؤوف دراجي المتعثرة، لم يستقر على أسلوب واضح، لم ينجح في مكان واحد، كما لو أنه كان يسير بساق واحدة، غير ثابت في خياراته، لذلك لم يغامر بأن يكون ظهوره العلني في أغنية منفردة ولا في ألبوم، بل بحث عن منصة مشهورة سلفاً، توجه إلى راديو «سكايروك» الفرنسي، الذي ينشط منذ ثلاثة عقود، ملتمساً مساعدته، وأدى أغنيته الأولى (المعنونة: غييريا) نجحت تلك الأغنية في لفت الانتباه إليها، بحكم أنها عرضت على منصة الراديو الفرنسي المذكور، ولولاه لمرت مرور الكرام، منذ تلك اللحظة فهم هذا المغني أن الصورة أهم من الأغنية، أن المنصة التي يطلق عليها أغنية أهم من الأغنية في حد ذاتها، سلح نفسه بتقنيي وأخصائيي سوشيال ميديا، وسوق لاسمه، فصار صورة متداولة مع أن القليل جداً من الناس من يحفظ أغانيه، قبل أن يطلق فيديو «داليدا» وتلك حكاية أخرى.
أحياناً الشهرة تعمي الأبصار، يظن صاحبها أن شهرته تكفيه في التعتيم على زلاته، لكن خرجات سولكينغ تعددت وأخطاءه كثرت، ويهمنا أن نتوقف، في هذه الأسطر، عند فهم هذه الظاهرة، كيف صار شاب لا تربية موسيقية له، ولم نلحظ عليه بذل جهدا في تطوير أدائه، كيف صار نجماً بين الشباب في الجزائر؟
معضلة الميكروفون
ليس جديداً أن يتأثر مغنِ ناشئ بمغنٍ آخر معروف، فيسعى إلى محاكاته، نقول، يتأثر بمغنٍ بعينه، لكن سولكينغ حاد عن هذا النهج، رغم أنه يحكي في كلامه عن تأثره بداليدا، فهو في الحقيقة لم يتأثر سوى بأغنية واحدة لها (بارولي.. بارولي) وهذا خطأ فني، من المعيب أن نختصر اسماً كبيراً مثلها في أغنية واحدة، وهي التي راكمت نجاحات متعددة، فأول نجاح له جاء من أغنية حملت اسمها (بطريقة تسويقية مباشرة) أغنية تحمل اسم داليدا، لكنها لا تشبه داليدا في شيء، يقتبس كلمات منها، لكنه غير قادر على تقليدها لا في صوته (باريتون الذي لا يتحكم في إيقاعه) ولا في حركاته، اكتفى فقط بالاختفاء خلف اسمها وانطوت الحيلة على المستمعين، مالوا إليها في حنين إلى داليدا، وليس إقراراً بإمكانيات المغني، الذي عجز لاحقاً في تحقيق شيء بعد أغنية داليدا، جرب وجرب دون أن يفلح، بل إنه استعان بمغنٍ متقاعد هو الشاب مامي (الذي أوقف مسيرته عقب فضيحته الجنسية عام 2009 ودخوله السجن) لكن مرة أخرى تاه سولكينغ وأدرك أخيراً أن الصورة المشعة التي روجتها عنه السوشيال ميديا، لن تصنع منه فناناً مكتملاً، ومشكلته على غرار الكثير من المغنيين الشباب أنه لم يتعلم الغناء على أصوله، بل تعلمه بالميكروفون، بتعديله في الاستديو، لم يمتلك أذناً موسيقية حساسة، لم يتعلم الصولفيج ولا العزف على أي آلة، ما أهله إلى مسيرة فنية قصيرة، إلى نجاح صنعته لعبة فيسبوك والأنستغرام و«يوتيوب»، مع ذلك فإننا غالباً ما نقرأ أن سولكينغ مغنٍ مشهور، هذه الجملة التي تمضغها جرائد أو قنوات فضائية، وحين نبحث عن سر الشهرة التي يتحدثون عنها فمأتاها من أرقام تحميل أغانيه على الأنترنت، وهي أرقام من السهل التلاعب فيها بسهولة، فسولكينغ لم يسبق له أن غنى في مهرجانات كبرى، لا في السوبر بول ولا في حفلة من الحفلات الكبرى التي نعرفها، كما لم يسبق له أن أدى ثنائية مع اسم مرموق، فكل المغنيين الذين غنى معهم ليسوا سوى أسماء من الدرجتين الثانية والثالثة.
روائي جزائري