سيث ابرامسون في “برهان المؤامرة”: سياسة ترامب في الشرق الأوسط مرتبطة بأجندات مموليه

سمير ناصيف
حجم الخط
0

هل من الصحيح ما يقترحه الكاتب الأمريكي سيث ابرامسون أن سياسة الرئيس دونالد ترامب ترتبط بشكل أساسي بأجندات مموليه وحلفائه في بلدان العالم العربي والشرق الأوسط؟

وهل من المفيد القبول بهذه الاتهامات التي وردت في كتاب للكاتب بعنوان “برهان المؤامرة” صَدَر مؤخرا، علماً أن مصادره أتت من صحافيين وكتّاب أخرين من محبذي خصوم ترامب في الحزب الديمقراطي الأمريكي ومن معارضي سياسة الرئيس الأمريكي الحالي في المنطقة والعالم؟ وبالنظر إلى أن الكاتب أصدَرَ سابقاً كتابا بعنوان “برهان التواطؤ” يعتمد المنهج نفسه في جمع واستقساء معلوماته المنتقدة لترامب والموجهة الاتهامات إليه.

هذا الكتاب الجديد يتهم دونالد ترامب بأنه ينفّذ سياسات أمريكية منحازة في الشرق الأوسط وفي مناطق أخرى في أوروبا والعالم الثالث تتناسب مع أجندات كبار مموليه في أمريكا والعالم العربي كقادة وأعضاء المجموعات اليهودية والانجيلية ـ الصهيونية في أمريكا وحكام وقادة وشخصيات ومجموعات تملك ثروات ضخمة وشبه سلطة مطلقة في بعض البلدان الخليجية العربية وفي أوروبا.

هذه الشخصيات الأمريكية وغير الأمريكية تدعم “لوبيات” صهيونية في أمريكا، وتمول مراكز دراسات في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية ودولا أوروبية أخرى منحازة في مواقفها ضد مصالح الشعوب العربية والإسلامية، وفي طليعتها مصلحة الشعب العربي الفلسطيني وحقوقه، وتؤيد إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو والأحزاب المتطرفة في إسرائيل على حساب حقوق الشعب الفلسطيني داخل الكيان الصهيوني وخارجه.

ويوضح ابرامسون أن هذه الدول الخليجية، وحلفاءها، واللوبيات الصهيونية في أمريكا والعالم الغربي دعمت ترشيح دونالد ترامب خلال حملته الرئاسية الانتخابية، منذ عام 2015 ووفرت للحملة أموالاً ضخمة ما ساهم في نجاح ترامب في الحصول على ترشيح الحزب الجمهوري الأمريكي ومن ثمة فوزه في هذه الانتخابات، وهي تفعل الأمر ذاته حالياً لدعم التجديد لترامب في المنصب الرئاسي، والكتاب يلمح إلى أن هذه المجموعات الممولة تضغط على ترامب لتأمين استمراره في المواقف المناهضة لحقوق الشعب الفلسطيني ولمنع حقه في إقامة دولته، التي كان الرئيس الأمريكي الحالي في مرحلة سابقة ربما مستعداً للأخذ به، قبل إدراكه الحاجة إلى اتخاذ المواقف المنحازة لإسرائيل كلياً لتأمين نجاحه في الوصول إلى البيت الأبيض واستمرار بقائه لولاية ثانية.

ويوضح الكاتب ابرامسون أن الممول الأمريكي الصهيوني الأكبر لترامب في حملته الانتخابية لعام 2016 وفي حملته الحالية كان وما زال شيلدون اديلسون (الذي حضر مؤخراً المؤتمر الصحافي الذي عقده ترامب وبنيامين نتنياهو في واشنطن في البيت الأبيض، وأعلنا فيه تأييدهما لكل السياسات الإسرائيلية المخالفة لقرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين) وهذا المؤتمر عُقد أيضاً لتأمين شعبية أكبر لنتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في إسرائيل في مطلع آذار/مارس الجاري ولكنها لم تؤمن لنتنياهو ما رغب اديلسون وترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية، إذ سجلت هذه النتيجة ارتفاعا كبيراً في شعبية وتمثيل قائمة فلسطينيي الداخل وحصولها على 15 مقعداً ما يؤكد أن الشعب الفلسطيني عموماً يرفض نشوء نظام عنصري يهودي في إسرائيل يناسب غلاة الصهيونية في إسرائيل وأمريكا والعالم الغربي على حساب الفلسطينيين وحقوقهم المشروعة.

يؤكد ابرامسون أن اديلسون اجتمع مع ترامب في أيار/مايو 2016 وتوافق معه على ان يمول اديلسون حملة ترامب الانتخابية للرئاسة في مقابل وعد من ترامب بانه إذا أصبح رئيسا للجمهورية فإنه سينقل السفارة الأمريكية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس.

ويوضح ابرامسون ان اديلسون اختار تأييد ترامب للرئاسة بعدما سمع خطاباً أدلى به هذا المرشح للرئاسة في اجتماع شعبي لمنظمة “ايباك” الصهيونية في آذار/مارس 2016 قال فيه إنه يعتبر القدس بكاملها (غربها وشرقها) عاصمةً لإسرائيل، علماً أن اديلسون يمول أيضاً حملات بنيامين نتنياهو وحزب الليكود الإسرائيلي للاستمرار بالاستئثار في السلطة في إسرائيل، وهو من أصدقاء نتنياهو المقربين، وقد اعتبرته صحيفة “الغارديان” البريطانية “عرّاب سياسات ترامب في السياسات الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط” (ص 198).

كثيرون يعرفون ويدركون أن ترامب نفّذ وعده لاديلسون ولأتباعه ولحلفائهما في الشرق الأوسط في أيار/مايو 2018 وقرر نقل السفارة الأمريكية إلى القدس في ظل ابتهاج وتأييد عارم من نتنياهو وحلفائه في المنطقة، حسب قول الكاتب.

ويعتبر الكاتب بأن اديلسون ربما مول المحاولة الانقلابية الفاشلة ضد اردوغان بالتعاون مع قادة خليجيين. ويستشهد لدعم هذا الموقف بأن أحد كبار معاوني نائب الرئيس الأمريكي السابق ديك تشيني، واسمه جون هانا، هو أحد كبار المسؤولين في “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات” الأمريكية التي يمولها اديلسون. وهذه المؤسسة شاركت بشكل مباشر في محاولة الانقلاب ضد اردوغان (ص 199) وهي تشارك في محاولات قلب أنظمة واغتيالات في المنطقة بتمويل من شيلدون اديلسون وحلفائه من القادة الخليجيين العرب ولعلها تحمي هؤلاء الحلفاء من الانقلابات أو الاغتيالات ضدهم. ومعظم هذه العمليات تجري لمصلحة إسرائيل ورئيس حكومتها بنيامين نتنياهو ومشاريعه لإقصاء خصومه ومواجهة إيران وحلفائها في المنطقة والقضاء عليهم.

ويقول المؤلف إنه بعد إلقاء ترامب خطابه (في عام 2016) لنقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى القدس، إذا فاز، بدأت مجموعة صهيونية اسمها “بساي غروب” يديرها جويل زامل (شخصية مقربة من الاستخبارات الإسرائيلية) بالتأثير والتلاعب المحترف بالأجهزة الالكترونية الأمريكية لانجاح حملة ترامب الانتخابية.

ويعمل في هذه المؤسسة خبراء وعملاء سابقون في مؤسسات الأمن الإسرائيلية (وربما هم يعملون حالياً لعودة ترامب للرئاسة معتمدين الوسيلة نفسها).

ويتعاون مع هذه المؤسسة عميل لبناني الأصل اسمه جورج نادر (حسب ابرامسون) ومعه شخص آخر (لبناني الأصل) على علاقة بتجارة الأسلحة اسمه توم باراك، وقد عملا معاً لتغيير سياسات دونالد ترامب المتحفظة والسلبية (سابقاً) ضد السعودية والإمارات. وعاونهما صاحب مؤسسة “بلاكووتر” الأمنية الأمريكية أريك برينس (الذي غيّر اسم مؤسسته بسبب جرائمها خلال غزو العراق عام 2003) كل هذه المعلومات أوردها ابرامسون مؤكدا صحتها. ويؤكد الكاتب أن هؤلاء العملاء عملوا ويعملون حاليا مع جون هانا (المساعد السابق لنائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني) على قلب النظام في إيران عبر تنظيم عمليات تظاهرات جماهيرية لإثارة عدم الاستقرار فيه، كما فعلوا سابقاً، ويفعلونه في العراق. وهذا يثير التساؤلات عما إذا كان المحافظون الجدد عادوا إلى التغلغل في نظام ترامب الأمريكي رغم إطاحة الرئيس الأمريكي جون بولتون مستشاره السابق للأمن القومي.

في مقدمة الكتاب، يقول ابرامسون إنه في نهاية عام 2015 وعندما أعلن ترامب عن نيته الترشح للرئاسة، انطلقت مؤامرة في الخفاء على يختٍ تواجد في البحر الأحمر، حيث اجتمع على متنه مسؤولون عرب كبار (بينهم خليجيون ومصريون) مع مسؤولين إسرائيليين وروس وقرروا دعم ترشيح ترامب للرئاسة عبر التوافق على تشجيع ودعم الروابط الإسرائيلية ـ العربية والتركيز على مواجهة “الخطر الإيراني الداهم” ومحاولة تخفيف العقوبات الاقتصادية الأمريكية ضد روسيا.

ويشير المؤلف في هذه المقدمة إلى أن هذا الاجتماع ـ المؤامرة نجحَ في إنتاج سياسات إقليمية ـ أمريكية معادية لإيران من جانب ترامب وأعوانه وقادة حملته الانتخابية، كما نجح في إقناع أمريكا (بقيادة ترامب إذا فاز بالرئاسة) بدعم قيادات عربية وخليجية جديدة غير تقليدية تلتزم سياسات غير عدائية ضد إسرائيل.

ويقول إن دولة الأردن شاركت في هذا الاجتماع (ولكنها عارضته لاحقاً) عندما أدركت أن على أجندته الاعتراف بالقدس (الكاملة) كعاصمة لإسرائيل وبمبادرات للقيام بمقاطعة بين بعض الدول العربية لدول خليجية وعربية أخرى تعارض هذا المشروع.

كما يذكر أن محاولات سابقة شبيهة بتلك “المؤامرة” جرت ولم تنجح، مع إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيري، وأن سبب نجاحها مع ترامب عاد إلى أهمية جذب الأموال الضخمة بالنسبة للمرشح الرئاسي ترامب، التي لم تكن متوافرة، بالزخم والكمية نفسها، في مرحلة عهد أوباما الرئاسي الأمريكي وبسبب تحفظه عليها. كما يورد الكاتب بأن المجتمعين على متن ذلك “اليخت المتآمر” أدركوا أن السعودية بحاجة لقيادة شبابية جديدة من أجل القيام بمبادرات سياسية واجتماعية واقتصادية فاعلة لأن “الحرس القديم في القيادة السعودية لم يكن قادراً على فعل ذلك”. وقد استخدم هذا التوجه الجديد صهر الرئيس الأمريكي جاريد كوشنر في عامي 2017 و2018 للترويج لعملية إعادة برمجة وإنتاج للجغرافية السياسية في الشرق الأوسط وفي مشروع السلام الإسرائيلي الفلسطيني العربي فيه “صفقة القرن”. وهذا الأمر سيؤدي إلى حدوث اعتداءات متزايدة ضد علاقات ومصالح أمريكا في المنطقة (ص 18). كما ان تجاهل أمر محاولة العثور على حلول عادلة ومنصفة للقضية الفلسطينية والتركيز حصراً على عداء ومواجهة إيران وتركيا لن يقدم الحلول الفاعلة والناجعة لقضايا المنطقة في المستقبل (في رأي ابرامسون) خصوصا لأن هذه السياسات تتعارض مع رغبات وتطلعات الشعوب العربية والإسلامية.

ويعترض الكاتب على استخدام الضربات العسكرية القمعية القاتلة بواسطة الطائرات المسيّرة الأمريكية وغيرها، أو عبر وسائل قمعية إجرامية إخرى (ص 547 ـ 548) ويعتبر أن مثل هذه السياسات ستؤدي إلى مقتل الآلاف من المسلمين الأبرياء وإلى تصعيد العداوة والكره ضد أمريكا وحلفائها.

كما ينتقد المساعدات العسكرية الضخمة ووسائل المراقبة الخطيرة التي تبيعها الولايات المتحدة إلى عدد من الدول العربية الموالية لها وتقدمها (هي وإسرائيل) إلى حلفائها الذين يستخدمونها في عمليات القمع والقتل في المنطقة.

ويشير إلى محاولات تقوم بها قيادات عربية خليجية لإقناع الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالسير في خطة “صفقة القرن” عبر الرشاوى المالية الضخمة له وللسلطة الفلسطينية. كما ينتقد المؤلف سياسات أمريكا في إيران وتراجعها عن الاتفاقية الدولية النووية بين دول “P5+1” وطهران، في وقت تقوم أمريكا فيه بعقد صفقات قد تؤدي إلى صناعة نووية في دول عربية خليجية بدلاً من تشجيع هذه الدول على استخدام الطاقة الشمسية الأقل كلفة وخطراً. فإذا حصلت حرب في الشرق الأوسط ضد إيران في المستقبل، فقد يؤدي هذا الأمر إلى كارثة نووية إقليمية وإنسانية عالمية، حسب رأيه. إذن، فمع التحفظات حول مصادر هذا الكتاب موثوقيتها وكثرة التفاصيل فيه، فإنه يتضمن معلومات هامة من المفيد والضروري التدقيق في صحتها، خصوصاً في المرحلة الحالية الشديدة التأزم في المنطقة والعالم، ومن ثمة استخدام الصحيح منها.

Seth Abramson; Proof of Conspiracy

Simon and Schuster (London, New York) 2019

582 Pages.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية