■ تريد هذه (المقالة ) مساءلة «بغدادُ وقد انتصفَ الليلُ فيها» رواية التونسية حياة الرايس الصادرة عن دار ميارة 2018 من خلال الوقوف عند العتبات الخارجية: الغلاف، والعنوان، والميثاق الروائي، والاستهلال، والإهداء، والمقدمة، وهدفها الكشف عن جوهر علاماتها، بعد أن أيْقَنَت أن السيميائية في تحليلها العتباتي لها القدرة على استنطاق الغاطس من الرؤى والأفكار التي تنبثق عن العتبات، تلك التي تسهم في تأويل الرواية، وتحديد جوهر الخطاب فيها.
1- الغلاف:
يُعد الغلاف في أي كتاب (أيقونة) تحيل على مضمون الكتاب، وتعمل على توجيه القراءة نحو دلالاته الكبرى، وهذا ما هو وجود على غلاف الرواية، الذي امتلك موضوعا بصريا معينا يمكن الاستدلال عليه علاماتيا بوجود سطح يحمل إيقونة جامعة لعدد من العلامات اللسانية التي أسهمت في تشكيل المحتوى، وتحفيز المتلقي نحو فعل القراءة الخاصة بالرواية. يحيل الغلاف الأول للرواية بشكله المحدد على عدد من العتبات، والمعلومات التي دخلت في حيزه ليكون لها أثرٌ في تشكيله، وتقديمه في إطاره العام وهي: اسم المؤلفة بوصفه حيزا لسانيا يشير إلى الروائية تعريفا لها من غيرها، واعترافا بملكيتها للرواية، فهي (حياة) والحَياةُ في اللغة: نقيض الموت، الوعي بالوجود، والعيش به، وقد أخذ اسمها موقعا متميزا في منتصف الجهة العليا من الغلاف، بلون أبيض يشير إلى نقاء السريرة، وصفائها، وبخط واضح، وإلى يساره أيقونة أخرى هي صورة الروائية في ابتسامة لها سيمياء الفرح، والسرور بسترة خضراء يخالطها اللون البني، وتحتها قميص أسود بدائرة عنق بيضاء، وتحت الأيقونة الصورة مباشرة ببليوغرافيا الروائية التي تشير إلى مجمل نشاطها الثقافي، وإلى يمينها أيقونة أكبر: صورة لمجموعة من الفتيات العراقيات الدارسات في سبعينيات القرن الماضي في بغداد، وهن في أبهى حال، تعلوها صورة الروائية يوم ذاك، بخلفية تشير إلى منظر بغدادي مؤلف من قبر ولي من أوليائها وسط بستان، للإحالة على طبيعة أرض السواد.
أما عنوان الرواية بوصفه علامة لسانية موجزة، ومفتقرة إلى الشرح والتحليل، فقد أخذ باللون البني، والأسود المساحة السفلى من جهة اليمين بخط كبير، وفي الزاوية نُقِشَ لفظُ (رواية) في إشارة إلى نوع الكتاب الأجناسي، وفي الوسط قليلا إلى اليسار لفظُ (ميارة) مكرورا يشير إلى دار النشر التي تولت طبع الرواية وتوزيعها.
أما الغلاف الأخير فقد أعاد نشر الصورة البغدادية في الأعلى إلى جهة اليسار، ولكن بحجم أصغر، ثم قدم ببليوغرافيا أخرى للروائية مختلفة عن تلك التي ظهرت في الغلاف الأول، مع دعوة للتواصل معها من خلال (الإيميل)، وقد أُطر حيزُ الغلاف الأيسر بجزء من مقدمة جليلة طريطر، وكان أسفل الغلاف معرضٌ تضمن لفظ (ميارة)، فضلا عن سعر الرواية، وإلى اليسار يقبع رقم الإيداع الدولي للرواية.
2- العنوان:
العنوان علامةٌ لغويةٌ تنفتح على دال يتضافر مع مدلول، وهو بشكل عام كلمات مطبوعةٌ على صفحة غلاف الرواية، فهو – والحال هذه – بصمة المؤلفة الأولى المكتنزة بغنى السؤال والمفتقرة إلى رحابة التفصيل، وعنوان الرواية: «بغداد وقد انتصف الليل فيها» يمكن تفكيكه إلى مرجعيته الأولى التي تحيله على صوت المذيع العراقي رشدي عبد الصاحب، الذي تعود النطق به بعد الثانية عشرة ليلا؛ أي بعد انتصاف الليل كي يكون الصوت إشارة فاصلة بين ليل مضى وصباح يأتي، ولكنْ بشعرية تجمع بين التصويت المهيب، والتلقي المنزاح نحو تأريخ المدينة، لقد تلقته المؤلفة بُعيد وصولها بغداد سماعا من إذاعتها، وبقي الصوت يتردد في مخيلتها، بعد أن حلت طالبة في كلية الآداب نهاية السبعينيات من القرن الماضي، فكان لهذه المدينة أثرٌ في حياتها وثقافتها، والرواية بفصولها التونسية والبغدادية اختصرت حكاية فتاة تونسية جاءت للدراسة في بغداد، ثم قدر لها أن تكون فاعلة في الوسط الثقافي العراقي، وليكون لها اسمها العربي في ما بعد.
و(بغداد) مكان متعين له سمة الثبات، وتأريخ عريق، أما (وقد انتصف الليل فيها) فتوصيفٌ زمني يحيل على سلسلة ساعات ظاهرة، ومغيبة بعلامات تومض في فصول (الرواية: السيرة) سيكتشفها المتلقي في ما بعد، لتكون ومضات ساطعة في حياة الروائية الجديدة التي كان لها ظلها المعلن في المتن.
تعمدت الروائية أن تقترح لها ميثاقا يجمع بينها وبين المتلقي بعد صفحة العنوان مباشرة، أشارت فيه إلى أن كتابها (رواية سيرة)، وأنها وثيقة ثقافية واجتماعية، وسياسية، وحضارية، وتأريخية، فضلا عن أنها إحياءٌ لعمرها كي يولد من جديد
ترى ما الوظيفة التي مارسها العنوان هنا؟ الجواب التعيين: تعيين اسم الرواية الذي به ستشتهر، ويتداولها المتلقون، والوصف: أي وصف مضمون الكتاب بأنه رواية لا غير. والإغراء، أي إغراء المتلقي باقتناء الكتاب، ولاسيما من كان عارفا ببغداد، أو الروائية، ثم الإيحاء: أي الإشارة إلى فنية الرواية، واحتوائها الإدهاش.
3- العنوان الموازي:
وضعت الروائية عنوانا موازيا أسفل العنوان الرئيس نصه (مذكراتي الجامعية في بغداد)، ليكون العنوان ـ هنا- سمة شارحة مهمتها تفسير العنوان الرئيس، والإحالة على نوعه النثري (مذكرات)، بمعنى أن «بغدادُ وقد انتصفَ الليلُ فيها» رواية مذكرات، وهذا ما سيشكل مفارقة للمتلقي الذي بعد أن ينتهي من قراءة الرواية سيتأكد أن الكتاب ليس مذكرات، إنما هو رواية سيرة، وهذا ما قالت به الروائية نفسها في الصفحة الخامسة (بغداد وقد انتصف الليل فيها رواية سيرة شخصية، وسيرة مكان يتراوح بين تونس وبغداد، وسيرة أشخاص عاشرتهم، وعاصرتهم).
4- الميثاق الروائي:
تعمدت الروائية أن تقترح لها ميثاقا يجمع بينها وبين المتلقي بعد صفحة العنوان مباشرة، أشارت فيه إلى أن كتابها (رواية سيرة)، وأنها وثيقة ثقافية واجتماعية، وسياسية، وحضارية، وتأريخية، فضلا عن أنها إحياءٌ لعمرها كي يولد من جديد، على فرض أن المكان لمن يبدعه، والزمان لمن يبعثه حيا، ليكون هذا الميثاق في النهاية ذاكرة مشتركة بينها، وبين المتلقي تقرب بينهما.
الجمع بين الروائية، والمتلقي في الميثاق السابق لعبة سردية تعطي فرصة للمتلقي لأن يكون الشريك القريب في بناء الرواية وانفتاح سيميائها، فضلا عن تلقيها ضمن أجواء سرد ما بعد الحداثة التي وفرت للمؤلفة في هذه الرواية فرصة التدخل في سردها، والبوح بما تريد، وهي تدخل إلى كتابة المغامرة؛ أي الخطاب الذي يقع ضمن فلسفة الذات، أو فلسفة الآخر ليكون مشاركا فاعلا في صنع الرواية، وتشكيل دلالاتها وسيميائها.
5-الاستهلال:
استهلت الروائية متنها تقول: (قدري أن أكتب خلودي بالكلمة كوهم جميل يساعدني على البقاء)، والاستهلال عند جيرار جينيت ذلك الفضاء من النص الافتتاحي الذي يعنى بإنتاج خطاب معني بالكتاب، وطبيعة نوعه الأجناسي، وهو يتعلق – هنا-بأيديولوجيا الروائية التي ترى في الكتابة خلودا لها، مع أنها تدرك أن ذلك الخلود وهمها الجميل الذي يساعدها في البقاء بين أسطر الكتابة، وحيرة المتلقين، لقد آمنت بذلك بعد أن تأكد لها أن (جلجامش) قد سبقها في إدراك طبيعة وهم الخلود.
لقد مارست الروائية في الاستهلال أعلى درجات الوعي بقصد مصاحبة درجة تأويل المتلقي، وتثبيتها عند درجة القبول بحقيقة ما فيه، أما المتلقي فليس له – وقد عاش (تجربة) حياتية تقترب من ثيمة الرواية، أو هكذا كان يتمنى، أو يعيش التخييل – سوى أن يرى الرواية وأحداثها قد استمدت عناصر تشكلها من (الحياة)، وليس من جراء الوهم، فما بين (وهم) المؤلفة، و(قبول) المتلقي يتضح نسق المقابلة، مستمدا صيغته العليا من تعارض النوايا، وتوافقها أيضا، وبزوغ عوالم تخييلية منسوجة من رؤى افتراضية، وواقعية يقبلها العقل تشير إلى مقدار (المفارقة) التي تبعد بين خلود (المؤلفة) وقبول (المتلقي).
6- الإهداء:
إهداء الكتب تقليد يوثق علاقة المؤلف بالمُهدى إليهم، سواء أكانوا أشخاصا أم مجموعات واقعية، أم اعتبارية، وهو في الرواية وجه إلى روح الروائي جبرا إبراهيم جبرا، الذي حرض الروائية على كتابة رواية، وإلى روح سهيل إدريس الذي انتظر تلك الرواية، لكنه توفي بدون أن يراها، فالإهداء هنا عتبة وفاء لروائيين أسهما في صناعة الروائية (حياة) والاحتفاء بها، فهو من نمط الاهداءات العامة التي تهدف إلى الاعتراف الضمني بسلطة الإسهام في تربية الذوق الفني للمؤلفة، يحمل شكل قرينة تحيل على سبب التلازم الطبيعي بين المُهدي والمُهدى إليهما قاسمه المشترك حب الرواية، بوصفها فنا يربط بينهم ليكون الإهداء دلالة التواصل بين مرسل ومتلقَين.
7- المقدمة:
مقدمة الكتاب – أي كتاب- عتبة مائزة تحمل أكثر من إشارة دالة على أهمية الكتاب، ومنهج تأليفه، ومشكلة البحث فيه، وقد تنبهت السيميائية إلى علامية المقدمة، فرأت فيها فكرة تصديرية، أو اقتباسا يتموضع (ينقش) على رأس الكتاب، ومقدمة «بغدادُ وقد انتصفَ الليلُ فيها» كتبتها جليلة طريطر فهي مجلوبة من خارج المتن تشير فيها إلى أن الروائية حياة الرايس كانت تونسية المولد بغدادية التكوين، وأنها وريثة شهرزاد في القص والحكي، ضمن مغامرة سيرة ذاتية، ولكن بصوت أنثوي مغامر، يرشح نفسه لفتنة الإمتاع والادهاش.
٭ أكاديمي وناقد من العراق