بيروت-“القدس العربي”:
48 ساعة حاسمة تفصل لبنان عن موعد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية التي ستكون مختلفة شكلاً عن الجلسات الـ11 السابقة من حيث توجّه النواب للتصويت إلى مرشحَين رئيسيَين هما رئيس “تيار المردة” سليمان فرنجية المدعوم من الثنائي الشيعي وحلفائه والوزير السابق جهاد أزعور المدعوم من تقاطع قوى المعارضة والتيار الوطني الحر وبعض التغييريين، فيما لم يحسم بعض النواب المنتمين إلى “تكتل الاعتدال الوطني” و”اللقاء النيابي المستقل” وتكتل نواب صيدا جزين الاقتراع لأحد المرشحين بل إنهم يعتبرون كل الاحتمالات مفتوحة بما فيها الاقتراع لاسم ثالث كي لا يكونوا ضمن الاصطفافات.
ومع بلوغ أرقام أزعور عتبة ال 60 صوتاً، فإن سيناريو تعطيل النصاب من الدورة الثانية وربما من الدورة الاولى ايضاً يتطلّب من الثنائي الشيعي وحلفائه تأمين 43 نائباً لئلا يبقى في القاعة 86 نائباً، وهذه مهمة صعبة إلا في حال تغيّب نواب آخرون من غير الحلفاء بداعي السفر أو أي شيء آخر.
اما اذا اكتمل النصاب في الدورة الاولى فسيدخل النواب إلى قاعة الهيئة العامة في ظل انقسام سياسي حاد وفي ظل خطابات عالية النبرة كان آخرها خطاب فرنجية في ذكرى مجزرة إهدن حيث وجّه السهام في اتجاه خصومه المسيحيين الرافضين انتخابه، معلناً الاستمرار في معركته الرئاسية. ولئن لم تعلّق قيادات الصف الاول على كلمة فرنجية في انتظار اطلالة رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل مساء الثلاثاء، فقد رأى فيها عضو “تكتل الجمهورية القوية” النائب غياث يزبك تعبيراً عن “خطاب رجل الدويلة” في مقابل “خطاب رجل الدولة” الذي عبّر عنه بيان المرشح جهاد أزعور الذي توجّه بالشكر للاحزاب والكتل السياسية والمستقلين الذين التقوا على تسميته “مرشحاً وسطياً جامعاً لمنصب رئاسة الجمهورية، في مرحلة هي من الأكثر دقة وصعوبة في تاريخ وطننا الحبيب”. وقال “لا أريد لترشيحي أن يكون تقاطع الحد الأدنى بين مواقف ومشاريع القوى السياسية المختلفة، بل تلاقي الحد الأقصى بين أحلام اللبنانيين واللبنانيات بوطن نستحقه جميعًا، سيداً حراً مستقلاً مزدهراً. وطن نستطيع فيه أن نستعيد تألق التجربة اللبنانية المهددة بالاندثار، بمعناها وصورتها ومؤسساتها وعناوين نجاحها كافةً”.
البلد برمّته في عزلة
وأضاف أزعور “لست سليل عائلة سياسية عريقة، مع الاحترام الكامل لهذا المكوّن من مكوّنات نسيج حياتنا السياسية. ولا أنا ابن تجربة حزبية مع الاحترام الكامل للأحزاب اللبنانية من دون استثناء. ولست بطل طائفة في مواجهة طائفة أو طوائف أخرى. أنا ابن هذه التجربة اللبنانية التي سمح زمن ازدهارها لأسرتي أن تستثمر في تعليمي، وسمحت لي تقاليدها المنحازة إلى أولوية التحصيل العلمي بأن آخذ الخيارات التي أخذتها، وسمح لي تراثها الثقافي المتعدد بأن أكتسب ما يلزم من مواصفات الانفتاح والتلاقي. جهاد أزعور ليس تحدياً لأحد. التحدي الوحيد لنا جميعاً هو تحدي استعادة هذه التجربة، بكل ما تحتاج إليه من إصلاحات، لكي تتوافر للأجيال المقبلة، الشروط التي توافرت لي، بدل أن ننتهي بأجيال يائسة تحملها إلى دول الغرب والشرق إحدى أخطر موجات الهجرة في تاريخ لبنان الحديث”.
وأكد “أن ترشيحي هو دعوة إلى الوحدة وكسر الاصطفافات والبحث عن الجوامع المشتركة في سبيل الخروج من الأزمة وتوظيف كل ما أوتينا جميعًا من خبرة ومخيّلة وإرادة للعودة إلى طريق التقدم”.
وتطرّق أزعور ضمناً إلى ما يُحكى عن عزل للمقاومة، فقال “قرأت وسمعت وتابعت الكثير من الكلام على مخاوف البعض من مشاريع عزلٍ تتحضر. أيها اللبنانيون واللبنانيات، ألا ترون معي أننا ونحن نتلهّى بخطابات الانقسام والتخويف بعضنا من بعض، بات بلدنا برمته معزولاً عن كل مسارات التصالح والتقارب والتحديث الحاصلة في المنطقة؟ كلنا معزولون معاً عن العالم، وكلنا معنيون بفك عزلة بلدنا ما أمكن. أريد صادقاً، أن يكون ترشيحي من السادة النواب مُلهماً للأمل لا سبباً للخوف، ومساهمةً في الحل وليس عنصراً يضاف إلى عناصر الأزمة والاستعصاء. وإنني إذ أنتمي إلى مدرسة الحوار والتلاقي، وعائلة اعتمدت الحوار نهجاً، والإيمان بلبنان الواحد المتنوع عقيدةً، والتضحية في سبيل نهوض لبنان الرسالة شرفاً، انطلق من هنا بيد ممدودة ليشمل الحوار جميع المكونات والقوى السياسية الشريكة في الوطن على قاعدة التلاقي لتحقيق إجماع وطني يحتاجه لبنان اكثر من أي وقت مضى”.
عون: لمَ التهديد؟
وتعليقاً على ما يواكب جلسة الانتخاب من تهويل طالت شظاياه رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، برز دخول الرئيس السابق ميشال عون على خط الردود من خلال تغريدة جاء فيها: “نظامنا ديمقراطي ودستورنا يكفل حرية الرأي.. وعليه، فإن من حق كل فريق سياسي أن يكون لديه مرشح رئاسي من دون أن يستجرّ ذلك خطاب التخوين والتهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور”، مضيفاً “إن احترام الآخر وحقوقه هو في أساس الوحدة الوطنية والعيش المشترك، ومن يريد الوطن لا بد وأن يحترم هذه المبادئ”.
وكان تردّد أن رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي التقى السفيرة الفرنسية آن غريو قبل قدوم موفد الرئيس الفرنسي جان إيف لودريان بعد جلسة الاربعاء، رفض استقبال رئيس “اللقاء الديمقراطي” النائب تيمور جنبلاط بعد موقف اللقاء بالتصويت لجهاد أزعور، إلا أن مفوضية الاعلام في الحزب التقدمي الاشتراكي نفت صحة الخبر، وأكدت “أن العلاقة التاريخية مع بري وثيقة ومستمرة على قاعدة الوضوح والاحترام”.
وعشية جلسة الانتخاب ستكون للنائب جبران باسيل كلمة في خلال ترؤسه اجتماع “تكتل لبنان القوي” في ظل أجواء تفيد عن التزام معظم نواب التيار والتكتل التصويت لأزعور مع رسم علامة استفهام حول موقف نائب رئيس المجلس الياس بو صعب.
في هذه الاثناء، أوضح البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي “أن البطريركية على مسافة متساوية من المرشحين جميعًا، وأن التشاور مع المرجعيات بشأن إجراء انتخاب رئيس للجمهورية بعد ثمانية أشهر من الفراغ الهدام للدولة وللشعب، كان للتشديد على إجراء الانتخاب بالروح الديمقراطي التوافقي بعيدًا عن التشنجات والنزاعات والعداوات والانقسامات”، ولفت إلى “أن الترشح والترشيح حق ديمقراطي دستوري، واحترام المرشحين في كراماتهم حق أخلاقي أساسي للعيش معًا بسلام وثقة وتعاون في سبيل وطننا الواحد”.
نواف سلام
اما السفير نواف سلام الذي ورد اسمه في المبادرة الفرنسية كرئيس للحكومة مقابل فرنجية رئيساً، فرد على ما ورد في كلام رئيس “المردة” الذي قال عنه إنه على “يمين 14 آذار”. وقال سلام “أنا باقٍ على نهجي بالابتعاد عن أي سجالات سياسية من أي نوعٍ كان لأن لا فائدة تُرجى منها في هذه المرحلة. وان كنت لا اسعى للتنصل بتاتاً من أي من مواقفي السابقة التي أعتز بها، فان كل من يعرف سيرتي الشخصية او اطلع على أي من مقالاتي العديدة أو كتبي المنشورة لا يمكنه الا ان يستغرب كل الاستغراب بأن يصنفني الوزير سليمان فرنجية بأنني “على يمين 14 آذار”. وأشار إلى أن “ما يميّز وضع بلادنا اليوم ليس استقطاباً كذلك الذي كان سائداً لفترة من تاريخها الحديث بين ما كان يُسمى قوى “14 و8 آذار”. وهذه القوى لم تعد اصلاً منضوية في هكذا اصطفاف. لا بل ان ما يميّز وضع بلادنا اليوم هو تحديات مالية واقتصادية واجتماعية، وطبعاً سياسية، جسام وخطيرة. ولا يساعد على التصدي لها بشيء استحضار انقسام “8 و14 آذار”، اللّهم الا إذا كان المقصود استخلاص العبر والدروس من ذلك”.