الجهة الوحيدة التي انتبهت إلى قيمة التراث العربي الترفيهي الخاص بالطفل هي هوليوود، تلك المؤسسة الإنتاجية السينمائية الأمريكية الكبرى التي فتشت ونقبت منذ سنوات عن الكنوز الإبداعية المُتضمنة في الحواديت وحكايات ألف ليلة وليلة ومغامرات سندباد الصغير، وحولتها بعد السطو عليها إلى حلقات مُسلسلة وأفلام مُدبلجة ناطقة باللغة الإنكليزية، تحكي عن هوايات ومغامرات الطفل الأمريكي الذكي الذي يهوى المخاطر والاكتشاف ويُعبر عن مواهبه ويُدلل على عبقريته الفذة النادرة. وباستمرار عمليات السرقة والنهب والاقتباس وقدرة هوليوود المُطلقة على تمييع المُنتجات الفنية ومحو هويتها الأصلية، ترسخت لدى الطفل العربي المُغالطات وصار يعتقد في صحة ما يتم تصديره له من تاريخ مزور عن الإبداع السينمائي الأمريكي وعراقة وأصالة ما يتم إنتاجه، ومن ثم بات بديهياً اعتبار سندباد والشاطر حسن وست الحُسن شخصيات أمريكية بامتياز.
وقد أنفقت هوليوود على الأعمال الكارتونية العربية المسروقة ملايين الدولارات لإقناع أطفال العالم بأنها إبداع أمريكي من بنات أفكار صُناعة من أساطين القص واللصق ومُحترفي الفبركة وأساتذة الخدع السينمائية.
الغريب أن الأمر لم ينته عند هذا الحد ولكنه تجاوز ذلك إلى أبعد مما كان مُتصوراً، حيث تم بيع وتسويق المُنتجات الفنية المُدبلجة والناطقة بغير اللغة العربية إلى الطفل العربي ذاته، عبر مسوقين وسماسرة كبار، وهو ما يُمثل جريمة مُكتملة الأركان ضد حقوق الملكية الفكرية وقوانينها العالمية المُتعارف عليها والمُعطلة بقرارات أمريكية لعدم كشف الحقائق واستمراء السرقة علناً وبدون وازع من ضمير أو رادع يحمي الحقوق المنهوبة.
بث مُشترك بين مصر والأردن
وفي محاولة لمناقشة قضية غياب سينما الأطفال محلياً وعربياً، دارت مؤخراً حلقة نقاشية مطولة من البرنامج الأردني الإذاعي لقاءات عربية في بث ثُنائي، بين القاهرة وعمان عبر أثير إذاعة صوت العرب وبمشاركة الهيئة الملكية للأفلام بالأردن، مُمثلة في شخص الإذاعي الأردني محمد الرحاحلة وشادي النمري مدير البرامج في الهيئة الملكية الأردنية للأفلام ومدير مهرجان سينما الأطفال بالمملكة.
ومن القاهرة مثلت إذاعة صوت العرب الإذاعية عبير ظلام وأحد النُقاد الفنيين المُتخصصين في الإبداع السينمائي.
فعلى مدى ساعة تقريباً دار الحوار حول عوامل تراجع إنتاج أفلام الأطفال في البلدين، مع التنويه عن خطورة غياب سينما الطفل وما تسببه من تأخر في الوعي العام لدى الطفل العربي بعدم إحاطته بما يُستجد من تطورات اجتماعية وثقافية متلاحقة ومهمة. بيد أن الطرفين المصري والأردني أشارا إلى ضرورة توافر العناصر التربوية والأخلاقية والإنسانية والتعليمية فيما يُطرح للطفل من مصنفات فنية سينمائية كانت أو درامية.
كذلك جرى التركيز على أهمية أن تكون هناك حماية فكرية وثقافية لمواجهة أضرار المواد الترفيهية التي يتم بثها من خلال قنوات إعلامية غير شرعية تستهدف وعي الطفل العربي وبنيته الفكرية والثقافية، لا سيما في ظل الانفتاح الإعلامي الكبير وتوافر العديد من المصادر المؤثرة التي تعمل على بث المعلومات في كل الاتجاهات بتمييز وبدون تمييز أحياناً، وهو ما يُشكل خطورة فائقة على الطفل ويُسبب له بعض التشويش والارتباك ويؤدي إلى ضعف شخصيته وسهولة انقياده.
وبما أن هناك جهتين مُهمتين ناقشتا هذه القضية الآنية والمستقبلية للطفل العربي فهذا يعني وجود تحديات حقيقية من شأنها التأثير سلباً على ثقافة الطفل وتربيته حال إهمال الجانب الرقابي والتوعوي، خاصة أن مكونات الثقافة البيئية والمعرفية والتربوية تتشابه إلى حد كبير في معظم البلدان العربية الشقيقة التي تفصلها فقط حدود جغرافية، بينما تجمعها عوامل كثيرة أخرى كأواصر الدم والعرق والهوية والعادات والتقاليد.
وليست وحدها هوليوود التي تُمثل خطراً مُحدقاً على ثقافة الطفل العربي، وإنما تتقاطع معها دول أخرى بإمكانها التأثير ثقافياً ووجدانياً، كالصين على سبيل المثال التي لا تهدف من وراء تسويق المُنتج الفني العربي بصيغته الجديدة المشوهة إلا للربح التجاري فقط بعيداً عن أي أغراض سياسية مُقلقة.
ورغم ذلك فإن المسألة الاستثمارية للتراث العربي على النحو الذي يتم تداوله تفرض بعداً آخر وهو إهدار القيمة الاقتصادية للمُنتجات الفنية خارج السوق العربية.
ولا شك في أن هذا البعد التجاري الاقتصادي له أهمية قصوى في حسابات الخسارة المُترتبة على عمليات السطو القائمة على قدم وساق من جانب هوليوود، أو غيرها من المؤسسات الإنتاجية الطفيلية التي تُمارس هواية السرقة وعمليات الإجرام بطرق ملتوية بمساعدة التقنيات التكنولوجية الحديثة التي يصعب السيطرة عليها والتحكم فيها، كونها تتصل بأنظمة إلكترونية متطورة للغاية.
القضية برُمتها على قدر كبير من الأهمية وتحتاج للمزيد من التحقيق والتدقيق وعلى الأجهزة المعنية في كافة الدول العربية مُراعاة ذلك بعناية.