سينما توفيق الحكيم: فلسفة الأديب في موقفه المُتشدد من المرأة

تبلغ حصيلة الأفلام التي نقلت أدب توفيق الحكيم إلى الشاشة نحو أحد عشر فيلماً. ورغم أن البداية في هذا الصدد كانت مُبكرة، إلا أن ذلك لم يؤثر كثيراً في زيادة عدد الأفلام. فالتجربة الأولى كانت في فيلم «رصاصة في القلب» للمخرج محمد كريم عام 1944. لكنها لم تلق النجاح المتوقع. ولم تفلح الحيل الدعائية في الترويج للموسيقار محمد عبد الوهاب مع النجمة راقية إبراهيم، لرفع أسهم الفيلم فوق المعدل الطبيعي. ربما لأن الأحداث مأخوذة عن رواية الأديب الذي عُرف بعدائه للمرأة فأثر ذلك في جماهيرية الفيلم وشعبيته.
التقييمات النقدية آنذاك للفيلم المذكور سلفاً، جاءت على هذا النحو، لكن هذه النتيجة لم تتأكد تماماً فالتجارب التالية لسينما توفيق الحكيم كانت عكس المتوقع فالكثير منها نجح نجاحاً كبيراً، ولم يأخذ الجمهور هذا الاعتبار في الحسبان، بما في ذلك جمهور النساء من محبي السينما وهواة الأدب. ربما لأن الأحكام البدائية على الأفكار كانت قد تراجعت خلال المدة الزمنية الفاصلة بين فيلم «رصاصة في القلب» المُنتج في أربعينيات القرن الماضي والتجارب الأخرى للسينما المصرية في فترة الستينيات، حيث الأفلام التي تم إنتاجها، وكانت تحمل نقداً صريحاً للمرأة وتترجم موقف الأديب السلبي الواضح منها، هي التي نجحت بامتياز ومثلت امتداداً قوياً لسينما توفيق الحكيم. فعلى سبيل المثال فيلم «ليلة الزفاف» المُنتج عام 1965 للمخرج هنري بركات، وفيلم «طريد الفردوس» الذي قدم معالجة فلسفية عن الجنة والنار والثواب والعقاب، وفيلم «الخروج من الجنة» للمخرج محمود ذو الفقار المُنتج عام 1967، الذي دار تقريباً في الفلك نفسه، ولم يتخل فيه الحكيم عن أفكاره ومبادئه، أي أن العينات الثلاث من الأفلام المذكورة كان لها حظ وفير من الرواج والانتشار، وتعامل معها النقاد باحترام وجدية، وصارت بعد ذلك علامات مهمة في تاريخ السينما المصرية، ونقاطاً مضيئة على الخريطة السينمائية الخاصة بأعمال الحكيم.
وهذا ما يؤكد أن معيار التقييم الجماهيري لم يتأثر سلبياً بموقف الأديب الكبير من المرأة، ولم ترد فكرة العداء لها في ذهن المُتعاملين مع الأفلام. بيد أن شيئاً آخر عطّل مسيرة الأديب السينمائية، يصعب رصده بالتحديد وإن كان يمكن استنتاجه، وهو صعوبة الأفكار المطروحة في أعماله، وعدم قدرة كُتاب السيناريو على تبسيطها لتُصبح ملائمة للسينما بالشكل المطلوب. وهذا ما يُفسر لجوء الأديب الكبير نفسه لكتابة بعض سيناريوهات أفلامه حتى لا تفقد جزءاً من خصوصيتها وتأثيرها إذا ما تم تناولها بشكل سطحي.
وهذا الاستنتاج هو الأقرب للمنطق فمعظم الأفلام التي تم أخذها عن روايات توفيق الحكيم أجريت لها عمليات تخفيف، كفيلم «الأيدي الناعمة» الذي أضيفت له مسحة كوميدية ساخرة ظهرت في أداء صلاح ذو الفقار صديق البرنس المُفلس أحمد مظهر، بشكل فج أدى إلى فقدان المعنى في كثير من المواضع، وتحول القصة والأحداث إلى فواصل مُضحكة بلا مُبرر موضوعي يناسب الفكرة الأساسية في الكتابة الروائية.
غير أن هناك أفلاماً أخرى خضعت للتصرف الفني نفسه، ففقدت مزاياها الأصلية كفيلم «العش الهادئ» للمخرج عاطف سالم، بطولة محمود ياسين وبرلنتي عبد الحميد وسمير غانم. وكذلك فيلم «الورطة» للمخرج إبراهيم الشقنقيري إنتاج عام 1972 بطولة مديحة كامل ويوسف شعبان ومحمود المليجي وصلاح نظمي، وفيلم «المرأة التي غلبت الشيطان» الذي أخرجه المخرج التلفزيوني يحيى العلمي وقامت ببطولته شمس البارودي مع نور الشريف وعادل أدهم، هذه الأفلام اعتمدت على اسم توفيق الحكيم، وجعلت من الإطار العام لأفكاره سياجاً. بينما غيرت في التفاصيل بحسب قانون السينما وشروطها. وهناك أفلام نوعية شديدة الأهمية في مسيرة الأديب السينمائية، لم يمسسها سوء المعالجة الركيكة، ولم تُفسدها اجتهادات كُتاب السيناريو، كفيلم «الرباط المقدس» و«يوميات نائب في الأرياف» و«عصفور الشرق» و«حكاية وراء كل باب» هذه الأفلام الناجية من العبث نجح مخرجوها في المحافظة على البناء الدرامي الروائي ونقلوه كما هو إلى الشاشة الكبيرة مع تغييرات طفيفة وغير مُخلة، فظلت الأفلام حاملة عبق القصة ونكهتها الطبيعية. لكن مع التميز الكامل للأفلام سابقة الذكر يبقى فيلم «يوميات نائب في الأرياف» للمخرج توفيق صالح هو الأشهر والأقوى، كونه مأخوذاً عن وقائع حقيقية وأحداث سجلها الأديب الكبير في يومياته إبان عملة وكيل نيابة في ريف مصر، قبل أن يُصبح أديباً، فاتسمت تفاصيل الرواية بالصدق، وبرزت شخصياتها فنالت تعاطف القارئ، خاصة شخصية ريم البطلة الرئيسية، التي دارت حولها كل الأحداث ورمز بها الحكيم للمرأة الريفية المصرية، ولعلها النموذج الاستثنائي الذي تعاطف معه وقدمه بصورة إيجابية.
أما فيلم «عصفور من الشرق» الذي قام ببطولته نور الشريف أمام سعاد حسني فتعود أهميته إلى أنه الفيلم الوحيد الذي ظهر فيه توفيق الحكيم ظهوراً واقعياً ليروي بنفسه الأحداث المنقولة عن تجربته الخاصة في السفر والحب والحياة والإبداع، وقد تداخلت الأحداث الواقعية مع أحداث رواية «يوميات نائب في الأرياف» باعتبارها جزءاً من السيرة الذاتية للكاتب. وقد تمت المُعالجة السينمائية التي قدمها المخرج يوسف فرنسيس بشكل مثير وجذاب، فأكسبت الفيلم خصوصية ما، وزادت من ثرائه الفني والفلسفي والأدبي ليبقى أيقونة في أرشيف السينما المصرية، ولوحة تذكارية للأديب الكبير الذي رحل في 26 يوليو/تموز عام 1987 تاركاً إرثاً ثقافياً ثميناً من الأدب والسينما.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية