عندما كنت أطالع بعض قصائد هذه المجموعة الشعرية، متفرقة، في الوسائط الإعلامية المختلفة، أو عبر الفضاء الأزرق، وذلك قبل أن يضمها مجلد واحد تحت عنوان «شامة أعلى الرحم»، كنت ألمس فيها روحاً أنثوية، كتابة امرأة، مشغولة بكينونتها، بهويتها، كزوجة، وكأم، وكفتاة مصرية، تكتب نفسها، وتحفر في الذاتي، شديد الخصوصية، بدون مبالاة، أو اهتمام، بالقضايا النسوية.
فنحن بصدد كتابة لا تنتمي إلى التنظير، قدر انتمائها إلى كتابة النساء، السيدات، المرأة، أماً، وعاملة، وإنسانة من لحم ودم. كتابة تحدثنا عن التفاصيل الدقيقة في حياة الجنس الآخر، بدون تشوش، وبدون خطة مسبقة، تعتمد على وصفة معينة، سابقة التجهيز، يتم من خلالها بسط مساحة كبيرة للمظلومية، والقهر الذكوري الشرقي للأنثى، وعدد من تلك الكليشيهات المحفوظة، التي أفسدت الكتابة الإبداعية، وقتلت الشعري والجمالي، في القصيدة والسرد، عندما ارتضت دور الإسناد إلى منظِّري هذه الأفكار النمطية.
آلاء فودة، في هذا الديوان، تمثل جيلاً من أترابها، تعبر عن شريحة معينة من الفتيات اللواتي تلقين تعليماً عالياً، وتزوجن مبكراً، ثم صِرن أمهات. تجيد عرض هذه اللحظات الإنسانية المحضة، تفاصيل الحمل، والولادة، وتنويعات الأمومة الخالصة، تتخذ من المشاعر الداخلية مادة ثرية، تغذي بها القصيدة، تستعيد مع القارئ اكتشاف ما يمور في داخلها من مشاعر وانفعالات. تجمع بين العاطفة والعقل، وهي تراقب هذه الأشياء، مازجة بين الموضوعات المتناقضة، لا تعمل على تفجيرها، فثمة ولع لديها باقتناص اللحظات العابرة، ونزوع تعبيري يدفعها إلى الكتابة عن تجاربها، في محاولاتها العنيدة لاكتشاف المناطق المظلمة، واستدراج عناصرها للقصيدة، ملتمسة العزاء في البوح عن عالمها الباطني، المشوب بالثراء الفني، في أثناء صياغته شعراً.
فعبر الأمومة تجتمع لديها كل العناصر، التي تصلح لإنشاء قصيدة نثر مغايرة، من خلال وعيها المكتسب بالحياة، باتساعها، وفعاليتها، آمالها، ومعاناتها. ربما لجأت إلى البناء السردي للأحداث التي تمرّ بها، كتعويض ثقافي عن تغاضيها عن القضايا الكبرى، وأن طموحها الشعري يتلخص في كتابة قصيدة لا تتكئ على ما هو خارج الذات، ففي داخل هذه الكينونة ما يكفي من صراعات، وارتباطات روحية قوية، إلى جانب عالمها الأسري الصغير، حيث تتلخص رؤيتها الأنثوية، بالغة الخصوصية، المسكونة بالنزعة الجمالية.
فها هي، تتناول أوجاع الأمهات، على نحو مؤلم، في قصيدة تحت عنوان «موت الأمهات»:
«على الأمهات أن يمتن
بعد أن ينجزن واجباتهن المنزلية
بعد أن يفتحن النوافذ
ويهتكن أعشاش العنكبوت
بعد أن يرتبن أدراج الثلاجة
على الأمهات أن ينهضن قبل الموت بدقائق
ليتخلصن من كسرات الخبز العفن
وبقايا الزيت في المقلاة
وآثار الدموع على الوسائد
عليهن أيضاً أن يستبدلن الشراشف».
تستمر القصيدة، على هذا النحو، تصف دور الأم في حياة أسرتها، مفاده الإيثار، وإنكار الذات، وإن كانت هناك ثمة مرارة، شكوى هامسة، من نظافة البيت، تحضير الطعام، غسيل الصحون، رضاعة الأطفال. الاستسلام لمواصفات الدور، تمثيله برضاً، تختتمها بنبرة متألمة، بأن على الأمهات أن يرتبن العالم ثم يرحلن في أي وقت.
كأنها تعي جيداً، عدم وجود عالم مثالي مختبئ وراء هذه الأشياء.
بينما في قصيدة «قلب بلا ذاكرة»، ثمة اعتراف بالعزلة، بالانكفاء على الذات، ومحاولة إقصائها بعيداً، حتى لا تفضح أحزانها:
«وحيدة أسير
ووحيدة ينفرط من قلبي الطريق
خطوة
خطوة
وبدم ساخن على الأرصفة
أستطيع كتابة النهاية
أذرف دموعي في أحواض الغسيل
مخافة أن تراها ابنتي في أطباق المكرونة
دموعي مالحة
حتماً ستؤذي كبدها الصغير
إذا ما ابتلعتها
وحوضي كبير
يتسع للطريق وللوحدة
ولأفكار امرأة بلا حيلة عن الحيلة».
إنها تمضي مثقلة بالهزائم، وبقلب يسير بلا ذاكرة، ويد فارغة لا تقبض على شيء، سوى خيبات متتالية. بالكلمات، تغوص الشاعرة في أعماقها، لتكتشف أبعاداً أخرى لقصيدتها، فهذه الموضوعات أثيرة لديها، لا تعرف الفتور، أو التشتت، حتى تحافظ من خلالها على الوحدة الفنية، التي تلقي بظلالها على نصوص هذه المجموعة الشعرية، وتنتظمها في سياق واحد، كأنها تقترح شكلاً جديداً، موازياً لعالم القصة والرواية، وهو المتتالية الشعرية.
مصداقية القول، واقعية الوصف، وَهَن الشكوى، معاتبة العالم برقة، وبغير إزعاج؛ كلها سمات واضحة، نلاحظها بسهولة عبر صفحات الديوان، ونستشعر معها صوت امرأة وديعة، تتعامل مع أشد المناطق حساسية، بروح أنثى شرقية، غير مسموح لها بأكثر من هذه المساحات في القول. بينما هي استغلت المتاح، واستطاعت أن تمضي في طريقها بدون اختراقات، معبرة تماماً عن رفيقاتها، مثيلاتها، في الدراسة، والعمل، والحياة الزوجية، رغم العنوان المثير، الخادع «شامة أعلى الرحم»، الذي يغري بوجبة شعرية ساخنة، لكنها اتخذت العمق هدفاً للكتابة، دون لجوء إلى مؤثرات جانبية، أو افتعال خصومة مع سطوة الآباء، ومع التقاليد الذكورية.
تقول في القصيدة التي حملت عنوان الديوان:
«أشياء كثيرة تليق بالسادسة صباحاً
كالتحدث إلى الله
أو الإنصات لأقدام الأطفال وهم ذاهبون للمدرسة
أو مراقبة العجين وهو يتكاثر بين يدي عاقر
أو وضع خطط لتخرقها وتبكي.»
السادسة صباحاً، هي ساعة بدء اليوم في حياة معظم الأمهات المصريات، لا بد أن يسبقن الجميع في النهوض مبكراً، سواء كانت امرأة عاملة، أو ربة منزل، لديها الكثير لتفعله من أجل الجميع، والجميع نيام. تكتسب ملمحاً جاداً، تملك العالم منفردة في غضون هذه الساعات، تتحرك صامتة بين جنبات السكن، وهي تقوم بأعمال المنزل، منفردة بذاتها في هذا الهدوء. لكن يبدو أن شيئاً ما ينغص على الذات الشاعرة هنا، ويمثل صدوعاً في تفكيرها، عبر هذا الأفق المائل إلى التعاطي مع التأملات الوجودية:
«يا ربّ أنا وحيدة
أسكن في بناية مليئة بالشعب
ولكني لا أعرف أحدا
ولا يطرق بابي أحد
ربما لسبب فيزيائي
هم يستيقظون في السادسة صباحاً
وأنا أنام في الساسة صباحاً.»
إنها المفارقة، لحظة التنوير، التي تقترب بنا كثيراً من هذه الروح المتألمة، التي تراقب الأيام وهي تسقط تحت عجلات العدم، وترى أن العدم مآل العالم، تسليته الوحيدة، وهو يتلفع بالأبدية.
ثمة سطوع نفسي، يضيء لنا أغوار هذه الروح، التي تكشف عن خفايا الداخل، المطوي بين جوانحها، مع كل سطر في القصيدة. إنها دفقات حارة، أقرب إلى اعترافات، خلجات نفس معذبة، تستغيث بالمجهول. بينما في قصيدة أخرى وهي «أنا حزين» لا تبتعد كثيراً عن تلك الحالة، يأتي النص مخلصاً لما سبق، محافظاً على تلك النبرة، التي تجلب الإصغاء والتعاطف، وتجعل قراءته شأناً خاصاً، كأنك المعني به وحدك، فهناك من يُسر إليك بأدق شؤونه، واثقاً بك، يرى أنك ستحتمله مشفقاً، دون تبرم، متفهماً لحظات ضعفه الإنساني:
«أنا حزين ومتأخر
أنا حزين وغاضب
أنا حزين وخائف
أنا حزين ووحيد
أنا حزين وجائع
يحدث أن يسير الحزن بجوارك ككلبك العطوف
كمرآة جيبك المصغرة
كملاءة سرير بيضاء تتناوب عليها أحداث حياتك».
تمضي على هذا السبيل، في تأكيد سطوة الحزن، ومرارة ثقله على مكنونات النفس، حتى لو أتى خافتاً، كوخزة في القولون، أو غرائبياً، كخناجر تتدلى من سقف الحجرة، أو جاء كنبيّ تملؤه السكينة، فكثيراً ما يهبط الحزن حراً، بلا تعريف أو هوية.
بينما في قصيدة «الأحبالُ السُّرية»، تخاطب الأقرب إليها، هؤلاء الذين وجدوا لهم أماكن في حجرات قلبها، إنها تتوسم فيهم احتمال شرودها، وغفران أخطائها الصغيرة، معتقدة أن هذا الامتلاك الكلي، قد يبرر إخفاقاتها، حتى وهي تشير إليهم في غيابهم، نستشعر حضورهم الكثيف في وجدانها: الآباء، الأحباب، الأطفال. إنهم المُخاطبون في هذا النص، وإليهم تتوجه:
«الأصدقاء الذين يضعون قلوبهم
على عتبات النصوص
يدركون جيداً حاجتنا من الكتابة
فيرتقون جروحنا بقلوبهم المزهرة».
تنثر ورد المحبة على الجميع. على الآباء الذين اعتادوا أن يواجهونا بالجمل المطبوخة مسبقاً، ويدركون أن التراجيديا لا تغفر الذنوب. الأحباب الذين مروا ولم يتركوا أثراً يذكِّر بهم. الأحباب الذين لم يمروا ولم يتركوا أثراً، لكنهم يتعانقون في قلبها كل ليلة. الأطفال الذين أعادوها إلى الحياة مرة أخرى.
سطور تنثال بعذوبة، ليس هناك حنق، أو رغبة في التمرد، إنما هناك نبرة خافتة، وأسى دفين يعبر عن واقعها الضيق، لم تستطِع مداراته، أو احتمال كتمانه. لقد حاولت كشف ما يختلج بجوانحها، ربما استمع إليها الآخرون. إنها تكتب نفسها على غرار الكاتبة الفرنسية آني أرنو، تترك العالم جانباً، وتنظر إلى الداخل فقط. لم يكن غريباً إذن، أن نلحظ هذا الجنوح إلى الخاص، الذي يوهمنا بأننا نطالع سيرة ذاتية، ولم تكن بعيدة، أيضاً، عن عالم أرنو وهي تستعير منها بعض الكلمات: «ليست وظيفة الكتابة أو نتاجها طمس جرح أو علاجه؛ إنما إعطاؤه معنى وقيمة وجعله في النهاية لا ينسى»، لتفتتح بها هذا الديوان، حتى تكشف لنا مبكراً عن عالمها الشعري.
آلاء فودة: «شامة أعلى الرحم»
منشورات المتوسط، ميلانو 2023
55 صفحة.