هذا كتاب لعلاء عبد الفتاح الكاتب والناشط السياسي ومطور برامج الحاسب الآلي، نشرته دار جسور البيروتية العام الماضي 2022. علاء هو ابن الحقوقي البارز أحمد سيف الإسلام عبد الفتاح، الذي توفي وعلاء في السجن، والدكتورة ليلى سويف عالمة الرياضيات وأحد رموز حركة 9 مارس لاستقلال الجامعات أثناء حكم مبارك، وخالته هي الروائية أهداف سويف، التي كتبت روايات عدة بالإنكليزية احتلت مكانها في الأدب العالمي. جده الدكتور مصطفى سويف أستاذ علم النفس وصاحب الإسهامات العظيمة في التحليل النفسي للآداب والفنون. جدته الدكتورة فاطمة موسى صاحبة قاموس المسرح ورائدة الترجمة والناقدة، وخاله علاء سويف المتخصص في المعلومات.
علاء عبد الفتاح سليل عائلة كان ولا يزال العلم والأدب والفن عالمها، وحبها أن يرى أعلامها عالما أفضل في كتاباتهم ونشاطهم، ومن ثم ثقافة علاء الرائعة ولغته التصويرية تظهر في هذا الكتاب. كتابات علاء معروفة في العالم وكتابه «أنت لم تُهزم بعد» الصادر بالإنكليزية علامة رائعة على ذلك. هذا الكتاب الذي بين يديّ «شبح الربيع» يضم كما جاء في العنوان الفرعي مختارات من مقالاته وتدويناته وحواراته وأقواله أمام النيابات والمحاكم. نشرها بعد ثورة يناير/كانون الثاني حتى عام 2021 ويتجاوز الخمسمئة صفحة. منها ما كتبه خارج السجن، أو بين فتراته المتقطعة، أو في السجن، أو في غرفة المراقبة في السنوات الأخيرة حين كان يمضي فترة مراقبة كانت ستستمر إلى خمس سنوات، بعد أن قضي خمس سنوات في السجن، لكنه اقتيد إلى السجن مرة أخرى بالتهمة الشائعة وهي، الانضمام لجماعة محظورة ونشر أفكار كاذبة وما إلى ذلك. كان يُرسل مقالاته من السجن مع من يزوره من أهله. والدته الدكتورة ليلى سويف أو أخته منى سويف أو أخته سناء التي عرفت السجن مرتين مثله. وحين يشتد المنع كان يتحدث إليهن بما يريد ويكرره كثيرا فتحفظه من تسمعه بقدر الإمكان. كانت المقالات تنشر في صحف مصرية مثل «الشروق» المصرية أو موقع «مدى مصر» أو في صفحته على فيسبوك مع تغريداته.
تتنوع المقالات بتقدم الزمن بين رأيه في الثورة، ما لها وما عليها، ويبدو فيها كلها موضوعيا جدا في تحليله لها، وما جرى فيها، وكيف يكون الخروج من مأزقها، فضلا عن تسجيل الأحداث. من يقرأ الكتاب يدرك كيف كان يقرّ بالأخطاء في الوقت الذي يتحدث فيه عن الصواب، وكيف كان يقدم اقتراحات لكل القوى المشاركة في الثورة من الاتجاهات المختلفة، ليبرالية أو دينية مثل الإخوان والسلفيين، أو من الدولة القديمة مثل المجلس العسكري أو حتى الفلول. في السنوات الأولى بعد الثورة تجد حماسا وهذا أمر طبيعي في أي ثورة، فالثورة لا تخمد في يوم ولا عام، والصحف المصرية تنشر مقالاته ولا حرج أو خوف. كل الأحداث التي شارك فيها أو لم يشارك ويكون مثلا خارج البلاد. سجنه لأول مرة أيام مبارك عام 2009 مع حركة كفاية، قضيته بسبب أحداث ماسبيرو التي ثبت ابتعاده عنها، أو قضيته التي اتهم فيها بالتظاهروالتخريب أمام مجلس الشورى أيام كتابة الدستور، بعد إزاحة الإخوان ولم يكن موجودا أصلا، وتم الحكم عليه بخمس سنوات ومثلها مراقبة بعد انقضاء مدة السجن.
من يقرأ الكتاب يدرك كيف كان يقرّ بالأخطاء في الوقت الذي يتحدث فيه عن الصواب، وكيف كان يقدم اقتراحات لكل القوى المشاركة في الثورة من الاتجاهات المختلفة، ليبرالية أو دينية مثل الإخوان والسلفيين، أو من الدولة القديمة مثل المجلس العسكري أو حتى الفلول.
في إحدى المرات كان علاء خارج البلاد، وكان يمكن أن لا يعود لكنه عاد واثقا في القانون والبراءة، وهذا يعكس لك مدى صدقه في التعامل في الحياة. يهمني أيضا أني وجدت نفسي مع كاتب رائع المعرفة بالأدب والفن والفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع، وتدهشك هذه المعرفة. صحيح أنني قرأت من قبل كثيرا مما هو منشور في الصحف أو على صفحته، لكن لعب النسيان دوره ولم أعد أتذكر إلا أن علاء عبد الفتاح لا يزال في السجن، فكانت قراءتي للكتاب إعادة مرة أخرى لأفكاره، لكنها الآن مشوبة بالحزن لأجله. من أول مقال عام 2011 إلى آخر المقالات في عام 2021 تجد نفسك مع كل ما مرت به الثورة من مِحن أو أزمات أو انتصارات، بدءا من أول إعلان دستوري عام 2011 إلى الدستور الذي تم بعد إزاحة الإخوان المسلمين. يحتاج الاستشهاد مما يقول إلى عشرات الصفحات.
يناقش الاختلاف والتشرذم بين القوى المختلفة، لكن هذا التخبط يراه صورة من صور الحوار المجتمعي المنشود، ومدخلا للنقاش في محاولتنا للحلم بالجمهورية الثانية. مناقشة من يكتب الدستور وأمثلة من العالم تدل على ثقافة كبيرة. تتوالى المقالات وتغريدات من الميدان، عما جرى وميلاد ابنه خالد وهو في السجن عام 2011. حديث ولا أروع عن فرحته بابنه الذي حملته إليه زوجته منال بعد ثلاثة أيام من ميلاده لزيارته. نصف ساعة رآه فيه كانت بالدنيا كلها يقول: «يا الله! ازاي خالد جميل كدا؟ حب من أول لمسة! في نصف ساعة أعطاني فرحة تملأ السجن أسبوعا كاملا. في نصف ساعة أعطيته محبة تمنيت أن تحيطه أسبوعا كاملا. في نصف ساعة تغيرتُ وتغير الكون من حولي. أفهم الآن لماذا يستمر حبسي. أرادوا أن يحرموني من الفرحة. أفهم الآن لماذا سأصمد. حبسي لن يمنع محبتي، سعادتي مقاومة، أن أحمل خالد لدقائق نضال». كل أحداث الثورة حتى اليوم موجودة هنا بين صفحات الكتاب وهذا هو الشبح الذي لا يختفي ولن يختفي. أحداث محمد محمود التي تكررت أكثر من مرة، وأحداث مجلس الوزراء وأحداث ماسبيرو، وعنف الإخوان وحرق الكنائس ومذبحة سيارة الترحيلات ومذبحة ستاد بورسعيد، وأحداث فض اعتصام رابعة ووفاة والده، وخروجه من السجن بين ذلك كله وعودته إليه، ومناصرته للقضية الفلسطينية وزيارته لغزة بعد ما اقترفته إسرائيل فيها من جرائم.
أحاديثه إلى وكلاء النيابة في محنته الأخيرة، أو قاضي المحكمة، وهي أحاديث موضوعية جدا يتحدث فيها عما جري له من تعسف وتكدير، خاصة حين الوصول إلى سجن طرة، وما يحدث مع ما يسمي «بالإيراد» أي الوافدين الجدد، من عزل في غرفة لا فرش فيها وسط البرد، فضلا عن الاستقبال بالضرب له أو لغيره، والتفتيش الذي يصل إلى إجبار المتهم على شراب عجيب يسبب له إسهالا فقد يكون قد خبأ شيئا ممنوعا في معدته. كيف يمر ذلك كله دون تحقيق مع من يقومون به، ورغبته فقط في تطبيق القانون. أحاديثه في المحكمة في محنته الأخيرة التي طالت، والأهم كيف تلمس تطور فكره مع تطور الأحداث ودعوته إلى التكاتف، فما يحدث في البلاد من أزمات أكبر من أن تكون المواجهة فيها مع الرئيس، لكن لا بد من طريقة يتعاون فيها الجميع لخروج البلد من محنته. يقول في حديث إلى وكيل نيابة أمن الدولة العليا في 23 يناير 2020: «إن ما حدث على مدار السنوات الماضية من صراعات واستقطاب وإرهاب وأزمات اقتصادية طاحنة، أدى إلى وضع مأزوم فُقدت فيه الثقة بين مكونات المجتمع السياسي، والمجتمع، فالمسألة ليست في الرئيس، لكن في تأكيد طريقة لتداول السلطة كما نص دستور 2014». بل لإدراكه هزيمة ثورة يناير يرى أنه من الصعب أن تلحق مصر بالدول التي ترسخت فيها الديمقراطية، والتي لا تسمح للعسكريين فيها بالترشح أو تولي منصب إلا بعد مرور سنوات على ترك الخدمة، ففي حالتنا لا مانع أن يكون التنافس بين المؤسسة العسكرية والقوى السياسية الأخرى، طالما توفرت في الانتخابات ضمانات النزاهة، ويُسمح للقوي السياسية أن تتباحث حول شخص مرشحها، وآليات التوافق عليه دون خوف.
هذا التطور الفكري لعلاء عبد الفتاح يعكس لك موضوعيته وليس كما يشاع من كارهيه من تطرفه وما إلى ذلك. أتمنى أن أرى علاء عبد الفتاح وغيره الكثير من ضحايا قانون التظاهر والحبس المفتوح بيننا وتشمله في الأيام المقبلة قوائم الإفراج.
روائي مصري