بين عشرات الفعاليات الثقافية والمهرجانات التي تعتني فقط بتكريم نجوم السينما والفن وأبطال الأفلام والمُسلسلات، تأتي المُبادرة الفوتوغرافية الفريدة من نوعها والتي انطلقت منذ عدة سنوات، لتُعيد للأذهان في دورة جديدة صور الفئات المنسية من أبناء الشعب المصري، العاملة في صمت بلا ضجيج أو دعاية.
وكالعادة يظل الإعلامي والمصور الفوتوغرافي أحمد راضي يركض خلف النماذج التي تستهويه وتُثير إعجابه وشغفه، كي يوثق بعدسة الكاميرا لحظات إنسانية فارقة في عمر الشخصيات البسيطة ومسيرتها النضالية في الحياة، إذ يلتقط صورة هنا وأخرى هناك لرجل مُسن انحنى ظهره بعد دهر من الشقاء والكد، أو امرأة عكفت على تربية أبنائها فعاشت لهم تُطعمهم وتُسقيهم بفيض من حنان في ظل غياب الأب والعائل.
وكذا احتل العامل والفلاح والمراكبي والصياد والمطرب الشعبي وعازف الربابة والبائع المتجول موقع الصدارة في الألبوم الوطني، فتعددت صور الكفاح والمُثابرة وبرزت ملامح الشقاء في عيون الغالبية الحزينة، من أولئك المنسيين في زحمة الحياة ودوامة البحث عن قوت اليوم ولُقمة العيش، لكنهم أبداً لم يتقاعسوا عن أداء أدوارهم المحورية، فغيرهم من العاطلين بالوراثة، هُم الهامشيون الفارغون من أي مضمون بلا اكتراث أو ندم.
بين صفحات الألبوم الذي تتكرر دوراته الفنية والإبداعية بانتظام منذ أكثر من خمس سنوات، تُطالعنا وجوه طيبة لفتيات وشباب وصبية وأطفال يبحثون عن أحلامهم المنشودة في المدارس والجامعات والمصانع، وبين الحقول والمزارع والممرات والدروب، إنهم يتواجدون في كل مكان، لا يخفون أنفسهم ولا تُخطئهم الأبصار الفاحصة المُدققة لأنهم أعلام برغم التجاهل والتهميش والنسيان.
من ذا الذي يُمكنه إخفاء الوهج المُطل من عيونهم والعرق المُتصبب فوق الجباه والأيدي الخشنة من عناء العمل في برد الشتاء وحر الصيف؟ هؤلاء هُم ملح الأرض وكنوزها،هُم العطاء، هُم الأغنياء بقناعتهم ورضاهم وصبرهم وجلدهم وصمودهم.
آيات صادقة من الكبرياء وعزة النفس سجلتها عدسة أحمد راضي التي جابت مصر طولاً وعرضاً من الجنوب إلى الشمال، فسجلت تفاصيل بديعة انفردت بها دون غيرها من عدسات التلفزيون وكاميرات السينما، فجاء البيان الحقيقي عن أحوال الناس في سيوه وسيناء والغردقة والعريش وأسيوط والمنيا وقنا وأسوان والأقصر والنوبة والإسكندرية والمنوفية وبني سويف والشرقية والإسماعيلية وبور سعيد والسويس وكافة ربوع مصر المحروسة.
علامات الإبداع الإنساني
وبالطبع كان الانطلاق من أحياء القاهرة الشعبية العريقة، الحُسين والسيدة زينب والجمالية والدرب الأحمر وخان الخليلي والسُكرية وقصر الشوق وقلعة الكبش والناصرية، حيث المساجد الأثرية والأسبلة والمشربيات ووكالة الغوري وبيت السناري وبيت السحيمي، إنها علامات الإبداع الإنساني للفنانين والبناءين والعُمال والصُناع المهرة البارعين في الحرف اليدوية، التلقائيين في فنهم وذوقهم وأحاسيسهم الرقيقة المُرهفة.
لوحات فنية مُتداخلة الألوان والأطياف يمتزج فيها إبداع البشر بإبداع المكان، وتتجلى فيها بصمات الزمن عبر سنوات طويلة من الحقب التاريخية التي تعاقبت خلالها السُلطات والسلاطين والحُكام والمحكومين، فبدت كأنها شواهد تُثبت أن البقاء للوطن وأن ما تُسجله الذاكرة البصرية ليس إلا أثر يبعث على التأمل والموعظة.
ربما جاء عنوان «ألبوم الوطن» بالفعل لائقاً بالمحتوى الذي تراكمت صوره وذكرياته فشكلت سجلاً حافلاً بالمناظر والمعاني والتواريخ عن فن العمارة وطُرزها المختلفة والصناعات اليدوية النادرة، كالنقش على الأواني والرسم على الزجاج والخيامية وصناعة الفوانيس وسن الأسلحة البيضاء وسروج وحداوي الخيول، والعربات الكارو والكاريتات وكراسي البامبو ودباغة الجلود وغيرها من الصناعات الفنية الدقيقة في المناطق العتيقة، النحاسين والفحامين وباب البحر ومجرى العيون وباب زويلة والعطارين إلى آخره.
ويُمكن القول إن مُبادرة «ألبوم الوطن» التي حظيت بالتقدير المُستحق خلال المشاركات والمعارض، كانت هي الأغنى والأكثر موضوعية في التعبير عن مضمون البيئة المصرية بمُختلف طقوسها ومعالمها الأثرية والسياحية والإنسانية، لذا كان من الضروري لفت النظر إليها باعتبارها نشاطاً إبداعياً خاصاً يستلزم التنويه ويتطلب المتابعة، فضلاً عن كونها مبادرة اعتمدت على مجهود صاحبها الذاتي بعيداً عن أي دعم من جمعيات أو مؤسسات حكومية أو أهلية.