بصرف النظر عما إذا كانت الانتخابات التشريعية اللبنانية المقبلة ستجري في موعدها أو ستؤجل إلى موعد آخر هذا العام، فمن المفيد الإطلاع على مواقف وآراء أحد كبار المصلحين السياسيين والاجتماعيين إزاء هذا الموضوع ألا وهو الوزير السابق شربل نحاس، مؤسس حركة «مواطنون ومواطنات في دولة».
وقد صَدرَ عن نحاس مؤخراً كتاب بعنوان: «الانتخابات النيابية اللبنانية 2016 ـ 2019» (طقوسية اللادولية الطائفية) أوردَ فيه مواقفه في هذا الشأن بشكل علمي موثق ومستند إلى الإحصاءات والجداول المعتمدة على الأبحاث.
يستهل نحاس كتابه هذا بالقول إن مجموعته «تعتبر النظام الحالي في لبنان غير شرعي لكونه يخرق بأريحية كاملة الدستور والقوانين أيضاً والأهم برأيه، لأسباب أخلاقية واقتصادية واجتماعية، وهو لا يستمر إلا بقدر ما ينتج المخاوف ويبثها باستمرار ويُعمم نهجاً من السطو تخطى صلاحيته وانشأ هدنة هشة بين الأحزاب المختلفة الطائفية تُجسد نقيض ما يجب أن تقوم عليه دولة، والدولة في حاضرنا اليوم هي حاجة موضوعية ووظيفية للبنان.
ويؤكد نحاس بان مشروع مجموعته يشمل «إقامة دولة مدنية عادلة وديمقراطية، في وقت يبدو الشرق الأوسط مكوناً من فسيفساء من الدول الدينية والعسكرية التي تزداد عدوانيتها». ويُعبّر نحاس عن تحفظه إزاء «اتفاق الطائف» الذي وُقّع في نهاية ثمانينيات القرن الماضي قائلاً: «حصل الانتقال من النظام السياسي القديم إلى صيغته الجديدة بنتيجة تفاوض في الكواليس بين زعماء الميليشيات والفاعلين الإقليميين (سوريا، السعودية مع استبعاد العراق) والدوليين (الولايات المتحدة وفرنسا) فدُعيَ من بقي على قيد الحياة من النواب المنتخبين عام 1972 وهم بقايا النظام القديم إلى الطائف (في السعودية) لتوقيع وفاة ذلك النظام. والمؤتمر لم يكن سوى احتفالية شكلية فالأمر كان قد قضي مسبقاً. أما الذين رفضوا أن يتفهموا مسار الأمور فقد ازيحوا بين سنتي 1989 و1992» (ص 25).
ويتطرق المؤلف إلى قانون الانتخاب الذي صَدرَ في 17 حزيران (يونيو) 2017 وجرت على أساسه انتخابات عام 2018 وينتقده بشدة مشيراً إلى أن المرشحين يجدون أنفسهم فيه في حالة تنافس مع رفاقهم في اللائحة الواحدة للحصول على الأصوات التفضيلية ومع المرشحين من الطائفة نفسها في اللوائح الأخرى ليصبح التنافس طائفيا. ويضيف: «أتى إدخال النسبية والاقتراع التفضيلي مشوهين وعلى قياس دوائر تم تقسيمها لرغبة بعض الكتل السياسية».
وبرغم ذلك، يشير نحاس ان «(حزب الله) نجح نجاحاً كاملاً في رهانه عبر النظام الانتخابي الجديد فبات يسيطر مع حليفته (حركة أمل) على كل المقاعد المعطاة للشيعة ويحوز على حلفاء من مناطق أخرى، كما نجحت (القوات اللبنانية) إلى حد بعيد في محو صورتها السلبية كميليشيا طائفية مسيحية وإزالة آثار تحالفها مع إسرائيل والأحكام التي طالت زعيمها في الاغتيالات السياسية، وتوسعت قاعدتها فتخطت حلقة المناطق الريفية الفقيرة التي أتى مقاتلوها منها، ونجحت في التوفيق بين صورتها الموروثة كحزب مركزي منظم مع موقعها المستحدث كأكثر القوى السياسية قرباً من المملكة العربية السعودية ومن الغرب» (ص 62).
ويستنتج المؤلف قائلاً: «باختصار أدت انتخابات 2018 إلى تظهير قطبين محوريين على الساحة السياسية الوطنية، من جهة أولى (حزب الله) الذي تموضع في إستباق دفاعي مقابل الخطر الأمني من جانب أمريكا وحلفائها ومن معارضيه في بعض الشرائح والفئات العربية واللبنانية، ومن جهة أخرى (القوات اللبنانية) التي تموضعت بوصفها الممثل المرجعي للتحالف الأمريكي ـ السعودي» (ص 63).
أما الأطراف الآخرى، فقد كانت نجاحاتهم متفاوتة (حسب نحاس) ولكنهم استمروا أقل وضوحاً لجهة مواقعهم على خط المواجهة الإقليمية.
ومن اللافت أن نحاس، الحاصل على أعلى الشهادات في الهندسة والإدارة العامة من أبرز معاهد فرنسا (كمعهد بوليتيكنيك) والذي كان قد استقال من منصبه الوزاري بسبب عدم تنفيذ مشاريعه الإصلاحية، يملك معلومات معمقة عن السياسيين اللبنانيين والأحزاب والطوائف اللبنانية قلما يملكها شخص في اختصاصه العلمي. ففي الفصل الثالث من الكتاب، كتبَ هذا المقطع عن قائد «الحركة الوطنية اللبنانية» الراحل كمال جنبلاط: «كان كمال جنبلاط متميزاً، انطلق كابن أحد الأعيان وأصبح وزيراً للمرة الأولى عام 1946 في سن الـ29. وفي سنة 1949 قرر، وان كان زعيماً طائفياً، تأسيس (الحزب التقدمي الاشتراكي) وتمركزَ كخصم شرس للنظام الطائفي. برز جنبلاط بعد الهزيمة العربية في عام 1967 كحليف أول للفلسطينيين ولياسر عرفات وترأس الحركة الوطنية. وعندما تدخل النظام السوري في سنة 1976 في لبنان عسكرياً لتثبيت الأوضاع وإنقاذ الجبهة اللبنانية (تجمّع الزعماء المسيحيين) من الهزيمة، واجه جنبلاط الجيش السوري. وفي سنة 1977 اغتيل قرب حاجز عسكري سوري» (ص 148 و149).
وعن «حزب الله» يقول نحاس في الكتاب: «على أثر اغتيال الإسرائيليين لعباس الموسوي في شباط (فبراير) 1992 تولى حسن نصر الله قيادة الحزب وفرضَ نفسه تدريجياً كشخصية سياسية من الصف الأول على الساحة اللبنانية وإقليمياً ودولياً. صورته تفرضُ الاحترام حتى على أخصامه، لا بل على العدو الإسرائيلي، لكن حزب الله ليس حزب زعيم بل تنظيمٌ هدفه مقاومة عسكرية لبنانية تجاه الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية في لبنان (وخصوصاً جنوبه) وهو منظمة إسلامية شيعية مرتبطة بالمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران، أصبحت قائدة المقاومة المسلحة للاعتداءات الإسرائيلية بعدما كانت هذه المقاومة بقيادة الأحزاب اليسارية والقومية العلمانية، وقد ولد حزب الله عام 1982 خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان. وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 1982 حصل هجوم انتحاري ضد مركز القيادة الإسرائيلي في صور فكان فاتحة أعمال ضد مواقع أمريكية وفرنسية وإسرائيلية، لكن الحزب لم يعلن انشاءه إلا في عام 1985. (ص 249 و250).
ويضيف: «المشكلة مع حزب الله ان هويته الدينية وانخراطه في النموذج الإيراني اللذين شكّلا عنصرين حاسمين في نجاحاته العسكرية يمنعانه في المقابل من صياغة مشروع سياسي بديل عن النظام السياسي اللبناني بينما تدفعه إلى أن يصبح جزءاً من النظام الطائفي في البلد» (ص 251).
أما بالنسبة إلى «الحزب السوري القومي الاجتماعي» و«الحزب الشيوعي اللبناني» فقد لعبا دوراً مركزياً في إطلاق جبهة المقاومة اللبنانية قبل حزب الله (حسب قوله) ولكن الأول، الذي كان متحالفاً بقوة مع الحكومة السورية، رُوّض تدريجياً من قِبل النظام السوري ومُنعَ لفترة قبل إعادة التصريح والسماح له بالعمل مجدداً عام 2005 وذلك تخوفاً من منافسته للتركيبة الحزبية لحزب البعث الحاكم في دمشق (ص 253).
ويتناول نحاس أدوار سياسيين وقادة برزوا على الساحة اللبنانية بتفصيل وبينهم النائب السابق نجاح واكيم الذي «رفض (اتفاق الطائف) وعارض بشدة السياسات الاقتصادية لرئيس الحكومة اللبناني السابق رفيق الحريري، والنائب الحالي والمدير السابق للأمن العام جميل السيد الذي لعب دوراً مركزياً في إعادة توحيد الجيش بعد الحرب الأهلية وحتى عام 2005 ولكن لجنة أجنبية تحقق باغتيال الرئيس رفيق الحريري اتهمته زوراً بالمشاركة في تنظيم اغتيال الحريري واغتيالات أخرى وسُجنَ لأربع سنوات (من آب/اغسطس 2005 إلى نيسان/ابريل 2009) قبل أن تبرئه المحكمة الخاصة للبنان بعد بطلان الشهادات التي أوقف على أساسها. وقد فاجأ الكثيرين بحصوله على أكثر من 33 ألف صوت تفضيلي في انتخابات منطقة بعلبك الهرمل» (ص 255).
ويؤكد الكاتب أن حركته «مواطنون ومواطنات في دولة» «تمارس معارضة جذرية للنظام الطائفي اللبناني، وترفض ادعاء زعماء الحرب الأهلية وزعماء الريوع النفطية واولئك الساعين إلى خلافتهم بالإضافة إلى منافسيهم الانتهازيين الآملين للاستحواذ معهم بحصرية السلطة وخلق نظام قائم على السطو يدّعي إعتناق شعار النأي بالنفس الذي ليس سوى إقرار قلق ومهدد بعجزهم عن قيادة دولة» (ص 326).
في الفصول الأخيرة من الكتاب، يوضح نحاس موقف حركته من نظام الانتخابات في لبنان المبني على الطوائف والتقسيم الطائفي الذي «يُصعّب اعتماد صيغة الانتخاب الأكثر رواجاً في العالم، أي الدائرة الفردية. كما ينحرف الانتخاب النسبي للوائح عن مقاصده لأنه يقتصر على أعداد ضئيلة جداً من المقاعد لكل طائفة وفي كل دائرة. هذا النظام الطائفي السلطوي كما يتجسد في الانتخابات ينتهي بمجلس نيابي لا يضم فعلياً إلا ما بين خمسة وعشرة زعماء، ومن دون أي خجل يقارب هؤلاء الزعماء عشرات مقترحات القوانين الانتخابية إنطلاقاً من معرفتهم الأكيدة لنتائج كل من الصيغ ثم يدعون باقرار قانون عصري وعادل للانتخابات» (ص 328).
وينبه نحاس من «لبوس القوى الطائفية العباءة اللاطائفية في ظل إعتماد أنظمة انتخاب غير مدروسة تحت ستار لبنان دائرة واحدة وانتخابات نسبية خارج القيد الطائفي كما حدث في العراق بعد الاجتياح الأمريكي للبلد منذ عام 2004 وفق نصائح مشروع الأمم المتحدة للتنمية» (ص 331).
ويستخلص المؤلف بان «لبنان اليوم واقع تحت سلطة من دون دولة، ولم يعد هناك من قواعد، ولم تعد المسألة بالتالي اعتماد قانون انتخاب بل استعادة الشرعية أي الفاعلية من خلال مأسسة قواعد مُعلنة ومطبقة. فقد باتت السلطة اليوم في لبنان تعمل من دون منظومة الأطر والقواعد التي تحمل اسم دولة، والمطلوب إعادة صياغة هذه الأطر، بعدما انهارت مع اندلاع الحروب الإقليمية، للوصول إلى بناء دولة فعلية قادرة وعادلة ومدنية وديمقراطية».
شربل نحاس:
«الانتخابات النيابية اللبنانية 2016 ـ 2019»
دار رياض الريّس للكتب والنشر، بيروت 2021
351 صفحة.