لا ألوم كاتبا يعتبر ما يكتبه هو أفضل الكتابات، فقط حين يشعر بذلك ولا يعلنه. لا نهاية لرحلة تقدم الكاتب إلا بالرحيل عن الحياة. في كل مراحل الرحلة يتغير فكر الكاتب، وتتغير طرق كتابته، ولا يعني صدور عمل أو اثنين رائعين، أن يعتبر نفسه أهم الكتّاب، لأنه من ناحية أخرى لا يوجد كاتب يستطيع أن يقرأ كل ما يصدر في بلده، فما بالك بما يصدر في العالم حوله، ثم إنه مع التقدم في العمر قد يزهد في القراءة، وتصبح الكتابة وحدها شاطئه الحنون. سأتحدث عن تجربتي في عبارات سريعة، فحين بدأت الكتابة والنشر كنت حريصا على أن أقيم الندوات حول روايتي الجديدة، لأني أعرف أن الناقد الذي سيتحدث في الجلسة، سيكتب ذلك في مجلة أو صحيفة. مع الزمن وتقدم العمر وتراكم الروايات والكتب، لم أعد حريصا على إقامة ندوة، إلا في ما ندر وتحت ضغط الأصدقاء. لم يعد يشغلني أي شيء في استقبال أعمالي، وصار يقيني أن المتعة التي أحصل عليها من الكتابة، هي أعظم مكافأة. كل ما أفعله حين تصدر لي رواية، أن أنشر منها فصلا أو اثنين، وأعرف أن هناك من سيقرأ بعيدا حتى عن الأدباء.
أكتب هذا الكلام لأني عرفت منذ أسابيع، صدور عدد خاص عن شعراء التسعينيات، أصدرته صحيفة «أخبار الأدب» ولست ضد هذا، لكنني قرأت في بعض التعليقات لوماً لشعراء السبعينيات أو بعضهم، وكيف تجاوزهم شعراء التسعينيات. بدا لي ذلك محاولة لفتح الطريق، والحقيقة أن الطريق مفتوح، وشعراء السبعينيات الآن مكتفون بما أنجزوه، ولا يدخلون في معارك مع غيرهم من الشعراء. كانت لمعركتهم الأولي مع من سبقوهم أهميتها من حيث فهم الشعر، والابتعاد به عن إغراء المستمعين، والتراث الشفاهي في تلقي الشعر. ومن ثم انفتح الباب أكثر لقصيدة النثر، وبالمناسبة قصيدة النثر ليست ابنة العصر، فهناك من كتبها من قبل السبعينيات بعقود، وإن لم تنتشر وتصبح معركة. لم يعجبني مما قرأت على السوشيال ميديا لوم شعراء السبعينيات، الذين تقريبا لا يظهر منهم إلا واحد أو اثنان على السوشيال ميديا، مثل حسن طلب، الذي يعيد أحيانا نشر قصائد قديمة، أو جمال القصاص الذي لا يزال يقدم الجديد أو أمجد ريان. عبد المنعم رمضان خارج السوشيال ميديا، وفريد أبو سعدة مريض شفاه الله، وحلمي سالم ورفعت سلام رحلا عن دنيانا، وغيرهم توقفوا أو انشغلوا في أعمال ثقافية أخرى. أيضا لم يعجبني الانتقاد لأني لا أميل إلى تقسيم الأجيال كل عشر سنوات. ما أكثر ما كتبت أن الأجيال هي بنت الأحداث الكبرى. الستينيات كانت بنت هزيمة 1967 وثورات الشباب في العالم، والسبعينيات في مصر كانت بنت التغير الكبير في المجتمع، اقتصاديا وسياسيا بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول، وما فعلته سياسة السادات. لا أحداث كبرى بعد ذلك إلا ثورة يناير/كانون الثاني وظهور العالم الرقمي، وهذا يعني أن كل الشعراء قبل ذلك، كبارا وصغارا، تأثروا بما جري واستمر بعد السبعينيات. أما ثورة يناير والثورة الرقمية في العالم، فتحتاج دراسة من أحد النقاد لا أستطيع أن أتفرغ لها.
وما دمت قلت كلمة أتفرغ سأنتقل إلى حديث شغل الكثيرين، عن منحة التفرغ التي تمنحها وزارة الثقافة للأدباء والفنانين والباحثين في العلوم الاجتماعية، والتي أيضا شهدت جدلا لا معنى له. هذا حديث انتهى بسرعة، لكن من المهم الإشارة إلى الموضوع وما غاب فيه. منحة التفرغ من وزارة الثقافة ليست بنت هذه السنين، بل إن تاريخها قديم جدا. يشغلني منها المبلغ الذي يحصل عليه الكاتب أو الفنان شهريا ليتفرغ لإنجاز عمل جديد. كانت حتى نهاية الثمانينيات مئتي جنيها شهريا، ولم يكن مئتا جنيه مبلغا يستهان به، فهو أكبر من أي راتب حكومي أو خاص وقتها، وكانت الأسعار طبعا لا تُقارن بأسعار هذا الزمن الذي يشهد خيبات اقتصادية وسياسية غير معقوله. مع الوزير الفنان فاروق حسني ارتفعت المكافأة الشهرية إلى ثلاث شرائح أعلاها ألفا جنيه، وكان هذا مبلغا كبيرا ذلك الوقت ومغريا قياسا بأسعار اليوم. أقول ذلك الوقت كأنه صار بعيدا جدا، والحقيقة أن ما يحدث حولنا جعل كل الأزمنة السابقة، رغم ما فيها من أخطاء أدت إلى مظاهرات وانتفاضات، أزمنة كالأحلام! هل حقا مرّ على مصر وقت كان سعر الكتاب فيه عدة قروش، أو جنيها أو جنيهين. ولن أتحدث عن أسعار الطعام الذي تقريبا سننساه هو نفسه. أحد الكتاب الذين أحترمهم، لا أدري كيف شطح ضد منحة التفرغ، وقال إن ما تدفعه الوزارة هو من الضرائب التي تخص الشعب فكيف تذهب للأدباء. طبعا كانت الردود كثيرة لن أقف عندها، فقط أوضح أن وزارة الثقافة مثل وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي ووزراة الصحة، ميزانياتها من الضرائب، أو من عائد الإنتاج القومي، ولها مهمة خدمية كل في مجاله. مهمة وزارة الثقافة منذ أنشئت هي إتاحة الثقافة للشعب في أشكالها المتعددة.
هنا أتذكر حكايتي مع التفرغ.. ذات يوم أثناء وزارة الفنان فاروق حسني، كنت مشغولا بكتابة رواية «لا أحد ينام في الإسكندرية» التي أخذت من وقتي الكثير، سواء في قراءة صحف أيام الحرب العالمية الثانية، أو زيارة لمواقع الحرب العالمية الثانية في مصر في الصحراء الغربية. كان راتبي في الهيئة العام لقصور الثقافة لا يتجاوز خمسمئة جنيه، فقررت الحصول على التفرغ لراتبه الأكبر الذي ارتفع مع فاروق حسني وكان ذلك عام 1995. وهنا حكاية طريفة. تقدمت للجنة التفرغ بالطلب، وذات يوم كنت أجلس في مقهى الحميدية في الزمالك ومرّ علي إبراهيم أصلان فجلس معي. بعد لحظات قال لي أنت مقدم على تفرغ، وأخشى أن لا تحصل عليه. كان عضوا في اللجنة التي كان أغلبها من كتاب الستينيات الذين كان الكثيرون منهم يغلقون الطرق أمامي. قلت له اترك الأمر لله. بعد أن انصرف ذهبت إلى وزارة الثقافة القريبة، وطلبت مقابلة الوزير فاروق حسني. أدخلوني دون موعد، فحكيت له حكاية كتابة روايتي عن الحرب العالمية الثانية، وما تكلفني من جهد ومال، ورغبتي في الحصول على التفرغ. كان هو متابع لنجاح روايتي «البلدة الأخرى» وترجمتها في فرنسا وما أحدثته من اهتمام رائع. رفع السماعة وتحدث مع الدكتور جابر عصفور رئيس المجلس الأعلى للثقافة وقتها، وقال له أن يعطيني التفرغ بأقصى راتب، وكان وقتها ألف جنيه، وهو طبعا أكبر من راتبي الحكومي. لكن أحداثا طريفة أخرى حدثت وتجدونها في كتابي «الأيام الحلوة فقط» كانت منحة التفرغ ولا تزال، لأربع سنوات متفرقة، أو متصلة حصلت عليها كلها في ما بعد، حين صارت المنحة ألفي جنيها، وأنهيت روايات أخرى. ما الذي ينقص منحة التفرغ الآن للكتاب أو الفنانين. ينقصها زيادة المكافأة لتتماشي مع هذا العصر السخيف، فألفي جنيه لا تساوي مشوارا وسهرة خارج البيت، ولا تساوي أي كمية معقولة من الطعام تكفي أسبوعا، ولا تساوي أسعار الكهرباء والمياه. لا معنى لهذا المبلغ أبدا. وبعيدا عن تكاليف الحياة، فما يشتريه الفنان التشكيلي الآن من أدوات للرسم مثلا مكلف جدا. تحتاج منحة التفرغ أن ترتفع إلى عشرين ألف جنيه، فهل يمكن أن يحدث ذلك؟ لا أظن. نحن في دولة ترتفع فيها الأسعار وتنخفض قيمة البشر. والطلب الأخير هو أن تقوم وزارة الثقافة، بنشر ما يتم إنجازه من أعمال أدبية وفكرية، ويكون جميلا لو تم ذلك تحت أي عنوان لسلسلة خاصة بإنتاج المنحة. كما يكون رائعا لو أقيمت المعارض لأعمال الفنانين الحاصلين على التفرغ كل عام. إن ما يحدث الآن مع ارتفاع الأسعار الجنوني، يجعل منحة التفرغ مثل زكاة عن إفطار يوم واحد من أيام شهر رمضان.
كاتب مصري