إنهم يأبون أن تمضي أيامهم ساكنة بلا حراك، بلا مقاومة، بلا إبداع. هُم يسعون لتسجيل كل اللحظات الحرجة في حياتهم ويطرحون الخوف جانباً، فلا قيمة للحياة إن ظلوا مُقيدين مُستسلمين، قابعين في خيامهم ينتظرون الموت. مجموعة من الفنانين يقودهم المخرج سعود مهنا يرفضون الاستسلام ويُصرون على المواجهة بما يمتلكونه من أسلحة فنية هي الأكثر تأثيراً والأشد فتكاً بالعدو الذي تقتله فكرة العناد والتصميم ورفض الهزيمة والسباحة ضد التيار مهما كلفهم الأمر.
مشروع تلو الآخر تتبناه جمعية الإنسان التنموية الفلسطينية الداعمة للأفكار التنويرية الحاضنة لكل التجارب الإبداعية الجديدة، طالما أنها تصب في خدمة الإنسان الفلسطيني الحر، عاشق الحياة والأرض والتراب.
الرغيف
ثلاثة أفلام حديثة يتم تصويرها داخل الأراضي المحتلة دون اكتراث بالعواقب والمخاطر والتضحيات الجسيمة، أولها فيلم عملت مجموعة من الهواة ومحبي السينما على كتابته وتصويره وإخراجه. الفيلم يحمل عنواناً دلالياً مهماً «الرغيف»، ذلك القوت اليومي الضروري للحياة، يبحث عنه الطفل بطل الفيلم فلا يجده، ويسأل أمه عن كيفية سد الرمق فلا تُجبه لأن ليس لديها جواباً شافياً، حيث لا خُبز ولا دقيق بات موجوداً، الخيام خاوية فارغة من أي شيء يُمكن أن يملأ معدة طفل جائع!
يذهب الطفل الصغير متضوراً من الجوع إلى المدرسة ويعود كما ذهب، بل أشد جوعاً مما كان عليه وقت الصباح، وحين تنادي الجارة المقيمة في المخيم المقابل على أمه يظن أنها أتته ببعض الخُبز أو الطحين فيقابلها مُتهللاً، لكنه يُفاجأ بأنها جاءت تطلب حساءً لطفلها الذي يصرخ في الخيمة الأخرى أيضاً.
إنها المأساة في أجل صورها الإنسانية تسجلها عدسات الكاميرا السينمائية لتصنع منها فيلماً تسجيلياً يجدر بأن يكون وثيقة إدانة للمجتمع الدولي الذي يقف مكتوف الأيدي مُكتفياً بالفرجة على المسرح السياسي العبثي في أغرب عروضه التراجيدية الحزينة بلا تزييف أو خيال.
السماء لنا
أما الفيلم الثاني الذي تتضمنه المُبادرة فهو بعنوان «السماء لنا» وتدور فكرته حول بدائل الترفيه البسيطة لدى الطفل الفلسطيني الذي يفتقد لكل شيء وأي شيء يُمكن أن يُدخل عليه البهجة والسرور إلا خياله الخصب وإبداعه الفطري، فبطل الفيلم طفل آخر غير ذلك الباحث عن القوت في فيلم الرغيف، إنه في هذه المرة يبحث عن لُعبة أو وسيلة للتسلية تُخفف عنه وطأة الخوف والذعر والحصار، لكن شيئاً مما يتخيله لم يجده، لا لعبة تُسليه ولا صديق يؤنس وحدته ولا فرحة مفاجئة تُباغته كما يُباغته الموت.
يسأل الطفل أباه عن ألعابه القديمة التي كانت عنده قبل الحرب، عن بيتهم القديم الذي كان يلهو أمامه بصحبة الأقران، فلم يتلق من أبيه جواباً، فيُلح في أسئلته البريئة بلا فائدة. بيد أن الأب يفطن إلى ضرورة أن يلعب ابنه كي يروح عن نفسه فيصنع له طائرة من ورق، فيفرح الابن ويُمسك بها وكأنه امتلك كنزاً، وعلى الفور يُطلق لها حرية الطيران مع مجــموعة من زملائه الصغار فيلعبون وهم يصيحون مُرددين، السماء لنا ـ السماء لنا فتنزل تترات الفيلم مع الصيحات المدوية، كأنه الإعلان عن الحرية المنشودة ورغبة الصغار العارمة في الفكاك من الأسر الذي طال أمده.
خيمة وقلم
ويأتي الفيلم الثالث «خيمة وقلم» مُتناغماً مع ما قبله، حيث تكتب بطلة الفيلم الفتاة الصغيرة، ابنة الخمسة عشر ربيعاً، يومياتها في عفوية وبراءة مُطلقة، وتأخذ في تسجيل كل ما يحدث لحظة بلحظة كي لا تفوتها التفاصيل المُتعلقة بالحياة والموت والإصابات والجوع والعطش ومشاهد الاستشهاد والتصويب والهدم والقنص والحرق والإبادة. تكتب كل ما تراه بنية التوثيق، فهي برغم حداثة سنها قد وعت قيمة القلم والعلم فهما الملاذ الأخير لمن يُريد أن يحيا ويعيش كي يُصبح فيما بعد راوياً وقاصاً لما حدث على الأجيال الآتية من أزمنة الغد بلا كذب أو ريب.
الناجي
الوحيد
وفي تجربة مُغايرة نسبياً من حيث الشكل وطبيعة التناول السينمائي، يطرح المخرج سعود مهنا صورة بليغة للوفاء من خلال أحداث فيلمه الروائي القصير «الناجي الوحيد» عبر رسالة تبعث بها طفلة صغيرة للعالم أجمع عن معدن الطفل الفلسطيني الذي يشب على الإخلاص والوفاء، فالبطلة الصغيرة تحزن لفقدان زميلتها في المدرسة هي وكل عائلتها، وحين تعلم أن والد صديقتها ما زال حياً باقياً، تظل تبحث عنه في كل مكان إلى أن تجده فتُسر لذلك أيما سرور كأنها تجد في حياة والد صديقتها امتداداً للعائلة كلها بسيرتها وذكرياتها، فها هو الناجي الوحيد يُبدد الأحزان ويُعيد للطفلة الحزينة ابتسامتها المفقودة.
ويرمز الفيلم بهذه القصة إلى حال الكثير من العائلات الفلسطينية التي أستُشهد كل أفرادها ولم يتبق منهم غير سيرهم وذكرياتهم.