« شوارع من نار»: المقاومة الفدائية في مواجهة المتاجرة السياسية!

عُرض فيلم «شوارع من نار» المأخوذ عن فيلم «إيرما لادوس» للمخرج النمساوي الأمريكي بيلي وايلدر في نسخته المصرية عام 1984، حيث أعيدت صياغة القصة الأصلية بتصرف من الكاتب الصحافي أحمد صالح، واجتهاد السيناريست إبراهيم الموجي، في كتابة السيناريو والحوار ليكون ملائماً للذائقة المصرية ومُعبراً عن الأجواء الشرقية. وقد أفلح صالح والموجي في ربط الأحداث الدرامية برموزها السياسية في فترة الحُكم الملكي، إبان أربعينيات القرن العشرين لتمرير الخطاب السياسي الناقد لمرحلة التواطؤ وبيع الشرف مُقابل أجر في التجارة الرابحة للبغاء وبنات الليل بأمر مُباشر من قوات الاحتلال للترفيه عن الجنود والضُباط الإنكليز.
ولأن القصة الأصلية احتملت عمل إسقاطات على ما يحدث من جرائم سياسية وأخلاقية، رأى المخرج سمير سيف في حينه أن الفرصة مواتية لإزاحة الستار عن خفايا النظام الملكي، الذي فرط في قضاياه الأساسية وأهمل واجبه تجاه بلاده وأعطى للقضية الفلسطينية ظهره، رغم أن فلسطين هي البُعد الاستراتيجي لمصر وحدودها هي أمان البلاد وأمنها القومي.
وإمعاناً في السخرية جرى ربط تفاصيل السياسة ونظام الحُكم بالمسألة الأخلاقية، فالدعارة المُرخصة بأمر الاحتلال الإنكليزي وموافقة الملك تحمل المفهوم السياسي ذاته، وتُعبّر عن أزمة الرجولة المُتسقة مع الهزيمة والمُتعارضة مع فكرة المُقاومة، وعدم القُدرة على تحقيق النصر في حرب 48 وهو تاريخ النكبة الفلسطينية، وعنوان العجز الكلي للأنظمة العربية التي تستبد بشعوبها بينما تتراخى أمام الشدائد وتُفتضح في الحروب.
الشخصية المحورية للأحداث جسدها الفنان نور الشريف في دور العسكري إمام، حيث انتقل للعمل في القاهرة ضمن طاقم الحراسة في حي البغاء الشهير، وهنا نلحظ نقطتين أساسيتين في السيناريو، تُمثلان إشارتين واضحتين للإدانة، الأولى مُتضمنة في اسم البطل والثانية في وظيفته، فاسم إمام يُشير إلى ما هو أبعد من اسم الشخصية ذاتها، ووظيفة العسكري الحارس في الحي المشبوه، لم تأت بمحض الصدفة، وإنما جاءت لتُدلل على حماية الفساد بأمر فوقي، بينما تبحث الحرب الدائرة في الأراضي الفلسطينية المُحتلة، بجهود الثوار والفدائيين، عن راع رسمي لها دون جدوى. ومن المُفارقات أن والد إمام، العسكري المُكلف بحراسة بيوت الدعارة واحد من القيادات الفدائية واسمه السيد المصري وهو مُمثل الشعب الحر الذي لعب دورة باقتدار الفنان الراحل محمد رضا، وفي هذا الإلماح الدرامي الذكي ما يُبرئ الشعب من تقاعس السُلطة الحاكمة وقبولها بالإهانة والهزيمة آنذاك.
تلك هي الخطوط العريضة للفيلم الذي تم إنتاجه منذ أكثر من ثلاثين عاماً ولا يزال مُناسباً للتعبير عن الواقع الحالي، فالقضية الدرامية الافتراضية هي ذاتها القضية الواقعية بلا أي لبس أو تمويه، فإذا قارنا بين شخصيات الفيلم والأدوار التي يقومون بها سنجد أن لكل منها ظل على الأرض يعيش بيننا، نراه ونسمعه ونراقب ما يفعله، فالبطلة «نوسه» (مديحة كامل) التي تمارس الدعارة بأجر وتسعى إلى التوبة والتخلص من بطش الفتوات، لها في الواقع ألف شبه، كلهن يقمن بالدور نفسه ويرغبن في التوبة.
و»إنصاف» (ليلى علوي) شقيقة نوسه هي واحدة من نبت الأرض العربية الطاهرة لم تلوثها الحياة بعد، كونها لا تزال نقيه بريئة صغيرة على الحيل والألاعيب، أما نجاح الموجي المنولوجست الذي يغني على كل الموائد ويرتزق من النكات والمساخر فله ألف شبيه، وربما نجده في المحافل الدولية والمؤتمرات، يُناقش ويحلل ويُطالب بتوصيات نهاراً، وفي الليل هو من الناشطين في الجلوس حول طاولات القمار والسُكر والعربدة، فهو مُتعدد المهارات مُتعدد اللغات! أما مُحترفو القوادة في السر والعلن فهؤلاء هم الذين كشفتهم المحن والظروف القاسية التي قلبت الدنيا رأساً على عقب، تماماً كشخصية جلال التي لعبها سيد زيان وانتهت حياته في الفيلم برصاصة في الظهر أطلقت عليه من بندقية عسكري إنكليزي كان يحتقره رغم ما قدمه له من خدمات لإشباع رغباته الحسية بمقابل ودون مقابل.
كذلك ينتهي دور نعيمة الصغير نهاية مأساوية فهي من احترفت بيع الهوى لمن يرغب وتفانت في خدمة الأسياد أصحاب النفوذ والمال، وفي نهاية المطاف لم يتبق لها سوى الذل والهوان. تنتهي أحداث الفيلم نهاية غير منطقية بموت الفدائي (محمد رضا) ولم شمل العسكري «إمام» مع عشيقته «نوسه» باعتبار ذلك هو الأمل المأمول في المستقبل، إذ تُطهر المعارك بعض المُذنبين والمتورطين في جرائم القتل والدم من رجز الخيانة والعار فتُحيلهم إلى نبلاء صادقين مُخلصين وهي الأماني التي لا تتحقق أبداً في الكوابيس، وإن جاز تحقيقيها في الأحلام الرومانسية مع الاعتذار للرومانسية.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية