«دنيا»، وكما قيل بشأنها: إذا أينعت نعت، وإذا حلت أوحلت، وإذا جلت أوجلت!
وقد أينعت وحلت، وجلت، وأجلت، والإعلامي المصري مفيد فوزي، أحد كتاب السلطة، ونجمها الساطع في زمن مبارك، ومقدم برنامج «حديث المدينة» في التلفزيون المصري، بعد تقاعده من رئاسة تحرير مجلة «صباح الخير»، يعبر عن المرحلة في مقال حمل عنوان «شيء من الخوف»، ليكون موضوع النقاش في برنامج «المسائية» على قناة «الجزيرة مباشر» ويُطرح السؤال ماذا هناك؟
وتكون الإجابة إنها ليست المرة الأولى، التي يصف «فوزي» هذه المرحلة بهذا الشكل، فهي المرة الثانية، وقد كانت الأولى أقل جسارة، لأنه صب في مقاله جام غضبه على رئيس تحرير جريدة «المصري اليوم» السابق حمدي رزق، التي ينشر فيها فوزي هذه المقالات، فوضعه في المقال أمامه، وظل يهاجمه ويقرعه، ويسأله إن كان مندوباً لجهات عليا، هي التي طلبت منه القيام بدور الرقيب، وغضبت السلطة، لأنها فهمت ما في «بطن الكاتب»، لكن من الواضح أنها كانت غاضبة بشكل كبير على من مرر المقال، وأقيل «رزق»، وقيل إنه من استقال، وهذه شكليات لا قيمة لها، وعُين عبد اللطيف المناوي، رئيس قطاع الأخبار في التلفزيون المصري في عهد مبارك رئيساً للتحرير، لتفويت الفرصة على ضربة للجريدة، ينتظر عبد الفتاح السيسي الفرصة لتسديدها، وبدأت بالقبض على صاحبها رجل الأعمال «صلاح دياب» وتصويره بشكل مهين، وأجبر النظام بتدخلات خارجية على الافراج عنه، وفي وقت لاحق صدر حكم قضائي ببراءته، مما هو منسوب إليه من حيازة أسلحة آلية بدون ترخيص!
مناورات صلاح دياب وساويرس
وفي كل مرة تغضب السلطة، يحاول «دياب» احتواء غضبها، بإضعاف السياسة التحريرية، وكان أن اختار عبد اللطيف المناوي لهذه المهمة، نظراً لعلاقته بالمجلس العسكري منذ الثورة، إذ كان وزير الإعلام أنس الفقي ينسق مع أسرة مبارك، في حين ذهب المناوي في اتجاه آخر، فكان تنسيقه مع المجلس العسكري، حسب روايته في تسجيله لأحداث هذه الأيام، وصدر في كتاب عن دار «الشروق» قبل الانقلاب العسكري، وقد قرأته في حينه!
ولهذا تمسك به المجلس العسكري في موقعه، مع أن اقالته كانت هدفاً من أهداف الثورة، لأنه تولى عملية تشويه الثورة والثوار في التلفزيون الرسمي، ثم إنه صاحب الصورة اليومية التي تكشف قلة عدد المتظاهرين في ميدان التحرير، والتي بررها بأن الثوار لم يسمحوا بدخول كاميرات التلفزيون المصري للميدان، فكان التصوير من بعيد مما أساء للصورة الحقيقية، فاته أن موقف الثوار كان رد فعل على تلفزيون هو أداة من أدوات السلطة، ثم إن المنع لم يكن قائما طول الوقت، ومن قبل جميع الثوار، وقد رأيت احتكاكا من قبل بعض الشباب بمصور، فلما سألتهم عن السبب قالوا إنه مصور بالتلفزيون المصري ويلتقط صورة من زوايا معينة، وانحيازا مني للمهنة، فقد طلبتهم بعدم طرده من الميدان أو التدخل في عمله!
وأمام تمسك المجلس العسكري بعبد اللطيف المناوي، تدخل «ثوار ماسبيرو» على قاعدة «بيدي لا بيد عمرو» وطردوه من مكتبه في واقعة مسجلة بالصوت والصورة، ومع هذا يقول صلاح عبد المقصود، وزير الإعلام في عهد محمد مرسي، ليبرر فشله وقلة حيلته، إنه ذهب إلى مبنى ماسبيرو باحثاً عن الإخوان فلم يجد سوى ثلاثة. فلم يشغله قوة «ثوار ماسبيرو» ليستعين بهم، وذهب يبحث عن الإخوان في هذا المبنى العتيق، والذين لو شاهدوا واقعة طرد عبد اللطيف المناوي لقالوا لمن يطردونه: اتقوا الله!
تعيين المناوي، رئيسا لتحرير «المصري اليوم» واحدة من مناورات «صلاح دياب»، مع السلطة الغاشمة، التي لن ترضى بغير الاستحواذ الكامل على الجريدة، لتصبح ضمن الاقطاعيات الإعلامية للحكم العسكري، وفهم نجيب ساويرس هذا من رأس الذئب الطائر فأعلن تنازله عن حصته في «المصري اليوم» ولا نعرف إن كان هذا صحيحاً أم مناورة أيضاً، وفي عهد الرئيس محمد مرسي أعلن أنه باع محطته التلفزيونية «أون تي في»، لرجل أعمال تونسي يعيش في باريس، ذكره بالاسم، وكتبت في هذه الزاوية، أفند كيف أنه لا يقول الحقيقة، ومن بين ما قلت كيف لرجل أعمال تونسي، يشتري قناة فضائية لتهتم بالشأن المصري فقط، ويبقي على طاقم مقدمي البرامج فيها كما هو، بمن في ذلك جابر القرموطي، الذي لم يقتنع به مذيعا سوى شخص واحد على ظهر البسيطة اسمه نجيب ساويرس! ولكن وكما قيل، لا تمرضوا فتمرضوا فتموتوا، فاذا كان ساويرس أعلن أنه لم يبع «أون تي في» وأنها لا تزال في حيازته، فقد أجبره الحكم العسكري على بيعها لشركة «إعلام المصريين»، التي أطلقها العسكر، مع شركة أخرى «إيغل كابيتال» للاستحواذ على الإعلام الخاص بيعاً وشراء، وبالمناسبة فقد قيل بعد تأسيس الشركة الأخيرة برئاسة الوزيرة السابقة وحرم محافظ البنك المركزي إنها ستستحوذ على كامل ممتلكات «إعلام المصريين»، التي لا تزال حية تسعى.
زواج عتريس من فؤادة
مقال مفيد فوزي في «المصري اليوم»، ذكر بالتنظيم الطليعي في عهد عبد الناصر، والذي كان تنظيماً سرياً، نشر الخوف لأنه أوكل لأعضائه مهمة كتابة التقارير، لصالح أجهزة الأمن.
و»شيء من الخوف» هو اسم لفيلم شهير مأخوذ من رواية «ثروت أباظة، وتدور أحداثه حول «عتريس»، أو الفنان محمود مرسي، وهو المتسلط في قريته، وقد تزوج «فؤاده»، أو الفنانة شادية على غير ارادتها قوة واقتدارا، وقبل كل سكان القرية التواطؤ خوفا من بطش عتريس، وفي نهاية الفيلم استجمعوا قوتهم وحاصروا بيته وهم يهتفون «زواج عتريس من فؤاده باطل»، فتكون هذه هي نهايته، فماذا يمكنه أن يفعل في مواجهة هذه القوة المحتشدة؟! وقد أوقفت الرقابة عرض الفيلم، لأنه يرمز لعبد الناصر بـ «عتريس»، أما المغتصبة بعقد زواج لا يستوفي أركانه، فهي مصر، وشاهد ناصر الفيلم، ووافق على عرضه، لأن في منعه ما يؤكد حقيقة أنه عتريس، وعرض الفيلم، ولم يستطع مع هذا منع التوافق الشعبي على أنه عتريس المغتصب لحكم مصر، وقد مات عقب عرضه بعام واحد!
وينطلق مفيد فوزي من الماضي إلى الحاضر، بعد أن ذكر بقضية انحراف جهاز المخابرات في عهد عبد الناصر، ويعلن بمقتضى هذا أنه ليس طبيعياً أن تتولى أجهزة المخابرات ملفا مثل الإعلام، وأن دخول هذا الجهاز السيادي على ملف الإعلام يخالف طبيعة الأشياء فالإعلام فن، وهذا الفن الكبير له عالمه!
ويشير من بعيد إلى فرض مذيعين غير مؤهلين بتساؤله: لماذا شاب غير مؤهل يخاطب الناس ويقول مفيد: «أرفض القرابة في العمل الإعلامي، وأرفض شابة حلوة فارعة تخاطب المصريين، فمصر تستحق أكبر الطاقات والخبرات». ويقول كذلك «أرفض تحديد موضوعات الظهور التلفزيوني، فلا بد من الأداء الذاتي المعتمد على موهبة لا ولاءً…»!
ويقول كذلك: «يعتريني شيء من الخوف عندما أبوح بكل ما أريد لإعلام بلدي…».
ليصبح من حق المرء السؤال: من لا يخاف الآن في بلاد الخوف، إذا كان مفيد فوزي يخاف، والذي لم يكن محسوباً على المعارضة أبداً، وهو من رجال النظام.
في تقديري أن المقال نُشر بدون الانتباه لما جاء فيه، وقد تحول إلى قنبلة في وصف حكم الاستبداد والسيطرة على الاعلام في عهد السيسي، لم يصدر من قبل «الجزيرة»، أو قنوات تركيا، أو من المحسوبين على المعارضة في الداخل أو في الخارج، لكن من مفيد فوزي، وإزاء شعور السلطة العسكرية بخطورة المقال، فقد دفعت بمن يهاجمه، وقد تم الهجوم عليه في أكثر من برنامج تلفزيوني!
بين عبد الحليم قنديل ومفيد فوزي
وتبادل معه عبد الحليم قنديل الأدوار، فجلس على مقعد المؤيد للاستبداد، بينما جلس مفيد فوزي على مقعد المعارض، وهجاه قنديل في ثوبه الجديد، وهو الضيف اليومي على واحدة من قنوات الأجهزة الأمنية، مهمته الدفاع عن السيسي والهجوم على معارضيه، فما هي الفروق الوطنية بين السيسي ومبارك، التي تدفع قنديل لينهي حياته على هذا النحو؟ وهل كل ما كان يطلبه في عهد مبارك هو أن يضمه إلى فرقته الموسيقية، كما فعل السيسي؟ يا له من ثمن تافه!
إنها الدنيا، التي إذا حلت أوحلت، وإذا أينعت نعت، ليس فقط لأن مفيد فوزي هو من ينتقد السلطة، ويجهر برفض سيطرة الأجهزة السيادية على الإعلام، ولكن بالإضافة إلى هذا لأن يكون من يهاجمه من مقاعد السلطة هو عبد الحليم قنديل، ولا بأس فقد ضرب مفيد فأوجع، وكان لا بد من تأديبه وتهذيبه وإصلاحه ليكون عبرة لأي كاتب سلطوي يوجه نقداً للسلطة، بعد أن فاض به الكيل، وهي حالة لا يشعر بها السلطوي المستجد، الذي يعتمد على الهجوم على الشخص دون أن يتطرق للموضوع!
ومجمل ما قاله مفيد فوزي، إن الأجهزة السيادية تسيطر على الإعلام وتديره، وتفرض إعلاميين على الناس، فهل ينكر قنديل ذلك؟! والمذيعة التي تحاوره هي خير دليل على صحة ما قال مفيد فوزي، فلا حضور، ولا تركيز، ولا قدرة على إدارة الحوار، ولا إلمام بموضوعاته. ومع هذا هي مذيعة، بينما من يمتلكون المهارات المهنية في البيوت!
إنها الدنيا التي إذا حلت أوحلت، وإذا أينعت نعت، وإذا كست أوكست!
٭ صحافي من مصر