جانب من ندوة «الإسلام والغرب»
القاهرة ـ «القدس العربي»: بعث الإمام أحمد الطيب، شيخ الأزهر، بعدة رسائل الى الدول الغربية، خلال كلمته في افتتاح ندوة «الإسلام والغرب»، التي عقدت في مركز الأزهر الدولي، أمس الإثنين، إذ أكد أن «المسلمين الذين يوصفون بالعنف والوحشية، هم دون غيرهم ضحايا الإرهاب الأسود».
وأضاف: «بات من الصَّعب توضيح الحقيقة للغرب والغربيِّين، وأنَّ هذا الدِّين مختطف بالإكراه لارتكاب جرائم إرهابيَّة بَشِعة على مرأى ومسمع من أهلِه وذويه والمؤمنين به، وأن تعقُّبَ أسباب الإرهاب، والبحثَ عن عِلَلِه القُصوى ليس محلُّه الإسلامَ ولا الأديانَ السَّماويَّة، أمَّا محلُّه الصَّحيح فهو الأنظمة العالميَّة التي تُتاجر بالأديان والقيم والأخـلاق والأعراف في أسـواق السّـلاح والتسليح وسياسات العنصرية البغيضة والاستعمار الجديد».
الخوف من الإسلام
وتابع: «أرجو ألا يُفهم من كلامي أني أُنحي باللائمة كلِّها على الغرب وحضارته، ففي الشَّرق أيضًا عيوب وسَلبيَّات، أسهَمَت في تأكيد ظاهِرَة الخوف من الإسلام التي انتَشَرَت مؤخَّرًا بين جماهير الغرب، ومن أخطرِ هذه العيوب هو الصَّمت المريب عن الإرهاب الذي مَكَّنَ للحركات السياسيَّة المسلَّحة من الرَّبطِ بين الإسلام وبين جرائمها الإرهابيَّة، وإطلاقِ أسماء دينيَّة على مُنظَّماتها، استقطبت بها كثيرًا من الشَّباب والشَّابات الذين غرَّهم هذا المظهر الديني الخادِع، حتى استَقرَّ في أذهانِ الغالبيَّة من الأوروبيِّين والأمريكان أنَّ العُنْفَ والإسلام توأمان ورضيعا لِبان لا يُفارِقُ أحدهما الآخر إلا ريثما يَلتصِق به من جديد».
وشدد على أن «الشرق أديانا وحضارات ليس له أي مشكلة مع الغرب سواء أخذنا من الغرب مفهومه المسيحي المتمثل في المؤسسات الدينية الكبرى أو مفهومه كحضارة علمانية مادية، من منطلق تاريخ الحضارات الشرقية ومواقفها الثابتة في احترام الدين والحضارات والعلم أيا كان موطنهما «.
ودلل على ذلك بـ«توطيد العلاقات الدولية بين الديانات المختلفة ما اتضح بشكل جلي في الآونة الأخيرة من جانب الأزهر».
وأوضح أن «مناهج الأزهر بأصالتها وانفتاحها الواعي تصنع العقل الأزهري المعتدل في تفكيره وسلوكه»، لافتا إلى أن «جامعة الأزهر تعتز بدراسة التراث الإسلامي بجانب المناهج التعليمية الغربية الحديثة، وأن مدارس وجامعات الأزهر تؤكد على تبادل الثقافات، وأن طلاب الأزهر يتحدثون الإنكليزية والفرنسية أفضل من لغتهم الأم».
وتابع: «مِمَّا يؤكِّد اقتناعي بأنه لا مشكلة للشرق أو الإسلام مع الغرب واقعُنا الذي نعيشه بحلوه ومُرِّه، وخيره وشَرِّه، مُنْذُ انفتحت أبواب المسلمين على الغرب في القرنيين الماضيين وحتى اليوم؛ فمنذُ ذلك الحين والمسلمون يعتمدون شيئًا غير قليل من حضارة الغرب في حياتهم نظريًّا وعمليًّا، وهذه مدارسنا وجامعاتنا، بل مدارس أطفالنا الأجنبيَّة التي يتحدَّثون فيها بكلِّ أسف الإنكليزيَّة والفرنسيَّة والألمانيَّة بأفضلَ مِمَّا يتحدَّثون العربيَّةَ، التي هي لُغة أمهاتهم وآبائهم وأوطانهم، وأقول: هذه المؤسَّسات التَّعليميَّة تُلَقِّن أبناءنا من المواد العلميَّة والأدبيَّة كثيرًا مِمَّا يتلقَّنه الطلاب الأوربيون في جامعاتهم الغربية».
ودعا إلى «الحوار بين الحضارات لمحاولة إنقاذ العالم من الصراع المستمر»، مشيرا إلى أن «انفتاح الأزهر على المؤسسات الدينية في الخارج يمثل أقوى دليل على أن الشرق والغرب ليس كما قال الشاعر كيبلنغ إن الشرق شرق والغرب غرب لا يمكن أن يلتقيا».
مشاركة دولية
وتنظم مؤسسة الأزهر الشريف، بالتعاون مع مجلس حكماء المسلمين، ندوة حول «الإسلام والغرب» بمشاركة دولية، تضم أكثر من 13 رئيسًا ورئيس وزراء سابقين من قارتي آسيا وأوروبا، إضافة إلى نخبة من الشخصيات والقيادات الدينية والفكرية عبر العالم.
وتبحث الندوة، على مدار ثلاثة أيام في مركز الأزهر الدولي للمؤتمرات، القضايا المعاصرة المتعلقة بالعلاقة بين الإسلام وأوروبا، من خلال نقاشات تشارك فيها نخبة من القيادات والمتخصصين في العلاقة بين الإسلام والغرب، بـ«هدف الوصول إلى رؤى مشتركة حول كيفية التعاطي مع تلك القضايا، ودعم الاندماج الإيجابي للمسلمين في مجتمعاتهم، كمواطنين فاعلين ومؤثرين، مع الحفاظ على هويتهم وخصوصيتهم الدينية».
وتهدف إلى «تجاوز الصور النمطية والتصورات المسبقة فيما يتعلق بالإسلام والمسلمين، وصولا إلى فهمٍ مشتركٍ، يقوم على رؤية موضوعية وأسس علمية، بعيدًا عن النظرة الاتهامية التي يروجها بعض وسائل الإعلام لربط التطرف والإرهاب بالإسلام».
وتتضمن الندوة ثماني جلسات، تتناول عدة محاورة، من أبرزها: «تطور العلاقة بين الإسلام والغرب» و«التوتر بين المسلمين وباقى الأوروبيين.. المواطنة هي الحل»، و«القومية والشعبية ومكانة الدين»، و«الديموغرافيا والأيديولوجيا والهجرة والمستقبل»، كما تستعرض الندوة بعض تجارب التعايش الناجحة، مثل مبادرة «بيت العائلة المصرية» و«التجربة السويسرية».
ومن أبرز المشاركين رجب ميداني، رئيس جمهورية ألبانيا السابق، وبيتر ستويانوف، رئيس جمهورية بلغاريا السابق، وفالديس زالتراس، رئيس جمهورية لاتفيا السابق، وفيكتور يوشينكو، رئيس جمهورية أوكرانيا السابق، وزلاتكو لاغوميجا، وأمين الجميل، رئيس لبنان الأسبق، وطاهر المصري، رئيس وزراء الأردن الأسبق، ورئيس وزراء جمهورية البوسنة والهرسك السابق، ويادرانكا كوسور، رئيس وزراء كرواتيا السابق.