كثيراً ما يتساءل عوام الناس من هواة الفن ومُتابعي أخبار النجوم عن علاقات الصداقة التي تربط بين الفنانين، فالقياس لدى جمهور البسطاء يتم بناءً على ما يرونه في الأفلام والمسرحيات والأعمال الدرامية. فإذا لاحظوا تكرار الأعمال الفنية بين مجموعة من الأبطال فهم بالضرورة أصدقاء من وجهة نظرهم، ذلك لأن القصص التي تُقدم على الشاشة عن النواحي الإنسانية وعلاقات الود عادة ما تُعطي انطباعاً مثالياً إذا كان العمل الفني المُقدم في حلقات أو من خلال سهرة تلفزيونية أو فيلم يستهدف الفكرة ذاتها، ولو أن المادة الدرامية المكتوبة تطرقت إلى الحالة الرومانسية ففي حُكم المؤكد أن البطل والبطلة تربطهم علاقة عاطفية حقيقية تظهر ظلالها على الشاشة.
لهذا الاعتقاد جاءت حكايات كثيرة مُلفقة عن قصص حُب ربطت بين أبطال الشاشتين الصغيرة والكبيرة ولم يكن لها أي أساس سوى في خيال المُشاهدين فقط، ولم يقتصر الأمر على قصص الغرام الافتراضية بين الأبطال والبطلات وإنما شملت المسألة أيضاً افتراض وجود صداقة بين الأبطال والأبطال استناداً إلى الأدوار الناجحة التي تم تقديمها على مدار سنوات.
وبرغم غرابة التصور إلا أن بعضاً مما يُروى عن الصداقات الافتراضية هو حقيقة، فعلى سبيل المثال جمعت السينما بين اثنين من كبار نجوم الكوميديا هما إسماعيل يسن ورياض القصبجي، فقد تزاملا في مجموعة أفلام كان أهمها فيلم «إسماعيل يسن في الجيش» و«إسماعيل يسن في الطيران» و«إسماعيل يسن في البوليس الحربي» و«إسماعيل يسن في البحرية» حيث لعب القصبجي دور الشاويش عطية وارتبطت به الشخصية الكوميدية وارتبط بها طوال حياته الفنية وظل الجمهور مُتفاعلاً معها حتى رحيل النجمين الكبيرين.
وقد دعت فكرة الارتباط الفني بين النجمين إلى نمو علاقة إنسانية حقيقية بينهما استمرت لسنوات طويلة، ولم يُنهها غير مرض رياض القصبجي الشديد الذي أقعده عن العمل تماماً فاستعصى عليه لقاء صديقه ورفيق مشواره الفني إسماعيل يسن، وباعدت بينهما الأيام والسنين بعد أن أعطت السينما ظهرها لنجمها الكوميدي الكبير فبات هو الآخر مهموما ومشغولا بلقمة العيش التي صارت شحيحة بعد الرغد والوفرة!
وتكررت مأساة الفراق والابتعاد وأزمات المنافسة والخلافات مع عبد المنعم مدبولي وفؤاد المهندس، فمن بعد الارتباط الشديد والمُشاركة سوياً في أهم أفلام ومسرحيات البدايات عبر مراحل الستينيات والسبعينيات تباعدت المسافة وضعفت العلاقة بين الاثنين بفعل عوامل كثيرة كان أهمها التنافس على الأدوار ورغبة كل منهما في إثبات أنه النجم الأهم، لا سيما بعد أن أسُندت بعض البطولات السينمائية لعبد المنعم مدبولي بشكل مُطلق ونجح فيها وأصبح يُشكل خطورة على صديقه فؤاد المهندس حسب ما صورته الصحافة الفنية آنذاك.
وعن العلاقة القوية التي ربطت بين عادل إمام وسعيد صالح والتي أسفرت عن عدد غير قليل من البطولات المشتركة بينهما في أفلام مهمة «رجب فوق صفيح ساخن» و«أنا إللي قتلت الحنش» و«المشبوه» و«سلام يا صاحبي» و«زهايمر» فقد اعتبرها الجمهور والنقاد على حد سواء علاقة غير قابلة للكسر. فبرغم أن صداقتهما مرت ببعض الهزات البسيطة إلا أنها ظلت على متانتها حتى رحيل سعيد صالح قبل سنوات عقب قيامة بآخر أدوارة في فيلم «زهايمر» الذي كان بمثابة نبوءة لاقتراب وداع سعيد صالح لرفيق دربه ومشواره ومسيرته عادل إمام.
ولم تكن هذه العلاقة هي الوحيدة التي جمعت بين عادل إمام وزملائه في الوسط الفني، فهناك صداقة قوية ربطته بالفنانة يسرا التي شاركته معظم أعماله المهمة، «الأفوكاتو» و«كراكون في الشارع» و«الإنسان يعيش مرة واحدة» و«على باب الوزير» و«بوبوس وجزيرة الشيطان» وغيرها، كذلك ارتبط عادل إمام بالكاتب الراحل وحيد حامد لسنوات طويلة أنجز خلالها أفلاماً ذات قيمة فنية منها «طيور الظلام» و«المنسي» و«الإرهاب والكباب» و«اللعب مع الكبار» و«الهلفوت» و«عمارة يعقوبيان» وكلها نجحت نجاحاً جماهيرياً كبيراً وساهمت في مضاعفة رصيد النجم الكوميدي الشهير وعملت على استمراره وتثبيته على قمة النجومية لأكثر من أربعين عاماً.
وبالطبع يدخل ضمن فريق الأصدقاء المهمين المخرج شريف عرفة والذي لا يزال على علاقة قوية ومتينة بزعيم الكوميديا، فهما متوافقان في المزاج الفني والرؤية ولهما بالقطع أعمال كان لها تأثير مهم وقوي في تشكيل الوعي العام وإحداث الحراك الثقافي إبان عرضها.
ومن بين الصداقات القوية والشهيرة أيضاً في الوسط الفني صداقة الجيل الثاني أو الثالث من نجوم الكوميديا في الأفلام المصرية، محمد هنيدي وأشرف عبد الباقي والراحل علاء ولي الدين وأحمد حلمي وأحمد السقا ومنى زكي، فهؤلاء جمعت بينهم أفلام وتوطدت علاقتهم على مر السنين لاتفاقهم في كثير من وجهات النظر الفنية وحرصهم على تقديم الجيد والهادف من الكوميديا بالقدر الذي تسمح به الظروف والإمكانيات.
ما ذكرناه من بعض الصداقات والعلاقات بين نجوم الفن لا تمثل إلا نماذج هي الأوضح من واقع الرؤية والملاحظة وما تدل عليه الصفات والسمات المشتركة بين الزملاء والأصدقاء وأبناء المهنة الواحدة.