صراع الحق والباطل!

سينقسم مشجعو كرة القدم اليوم الأحد على اختيار أحد الطرفين في نهائي كأس الأمم الاوروبية، بين فريق متألق، فاز في كل مبارياته حتى اليوم، وهو المنتخب الاسباني الذي يملك أحد أبرز المواهب العالمية، بالجناح ذي الأصول المغربية الأمين جمال، وبين منتخب تعرض لانتقادات لاذعة من جماهيره واعلامه ونجومه السابقين على عروضه المتواضعة، هو المنتخب الانكليزي صاحب أقوى وأشهر دوري في العالم.
لا شك أن الكثير من الجماهير العربية ستشعر بارتياح لمساندة وتشجيع المنتخب الاسباني، لأسباب تاريخية وسياسية وأيضا اجتماعية، كون المنتخب الايبيري أقرب الى ثقافتنا، عدا عن أنه يحوي نجما يافعا يتوقع له مستقبل مبهر (جمال) وهو ابن سيدة كانت تعمل نادلة من اصول من غينيا الاستوائية، لكن والده النقاش (الدهان) منير النصراوي ولد في مدينة العرائش في شمال غربي المغرب، ولهذا سيكون التأييد العربي لأسبانيا صاحبة المواقف المشرفة تجاه القضية الفلسطينية، بالاضافة الى تأثير ريال مدريد وبرشلونة اللذين يحظيان بالكثير من التأييد بين محبي كرة القدم في العالم العربي.
لكن أكثر ما يعجبني في الاسبان هو «عقلية الانتصارات»، التي كانت مفقودة قبل 15 سنة، لكنها بدأت تتغلغل بين كل من يمثل اسبانيا، ان كان على صعيد المنتخب الأول أو الشباب أو حتى منتخب السيدات، بل امتدت الى لاعبي التنس أمثال رافايل نادال وكارلوس ألكاراز، وهذه «العقلية» أصبحت جزءاً من العقيدة الرياضية الاسبانية في كل المراحل.
لكن في المقابل إنجاز وصول إنكلترا إلى النهائي الثاني على التوالي له توابعه الايجابية، فكرة القدم ليست مجرد رياضة في إنكلترا، إنها جزء من النسيج الثقافي والاجتماعي للبلاد. رؤية الجماهير الإنكليزية منتخب بلادهم يصل إلى النهائيات والفوز باللقب هو بمثابة الحلم، فوصول إنكلترا إلى نهائي «يورو 2020» أطلق موجة من الفرح الوطني والتلاحم الاجتماعي غير المسبوقين. وتجمعت الجماهير في الشوارع والملاعب والمنازل لمشاهدة المباريات، ما عزز روح الوحدة الوطنية، والأمر يتكرر اليوم رغم الانتقادات اللاذعة للمنتخب، لكن ربما هذا ما ساهم في الوصول الى النهائي، وهو أن الجميع خفض سقف توقعاته الى أدنى حد في قدرات المنتخب الحالي في تحقيق أي انجاز في البطولة الأوروبية، ما خفف الضغوطات عن عاتق اللاعبين الى حد ما، علما ان منتخب «الأسود الثلاثة» كان من بين أبرز المرشحين لاحراز اللقب قبل البطولة مع المنتخب الفرنسي، ومع ذلك كانت عروضه متواضعة، بل حتى أنه تأخر بالنتيجة في كل مبارياته الثلاث التي لعبها في أدوار خروج المغلوب، رغم أن كل منافسيه (سلوفاكيا وسويسرا وهولندا) يعتبرون من منتخبات الصف الثاني، وليس مثل منافسي الاسبان (كرواتيا وإيطاليا وألمانيا وفرنسا)، لكن أيضاً هذا يعكس حقيقة أخرى، أن الانكليز لديهم أفضل احتياطيين من جهة النوعية والكفاءة والقدرة على تغيير مجرى المباراة، لهذا استخدم المدرب غاريث ساوثغيت 21 لاعبا من أصل 26 في البطولة.
نجاح المنتخب الإنكليزي في البطولة أدى إلى زيادة الإنفاق على المنتجات الرياضية والتذاكر والسياحة الداخلية. المطاعم والحانات والفنادق استفادت من توافد الجماهير لمتابعة المباريات، كما شهدت المتاجر زيادة في مبيعات القمصان الرسمية للمنتخب. الرياضة قدمت متنفسا وفرصة للشعور بالفخر والفرح، ولهذا انتشرت عبارات مثل «Football’s Coming Home» وأصبحت شعارا يجسد الأمل والتفاؤل بين الجماهير، بل حتى جماهير المنتخبات الأخرى باتت ترددها.
ربما يحسم جمال او نيكو ويليامز أو أولمو اللقب لأسبانيا، لكن اعتماد انكلترا لن يكون على الأساسيين أمثال هاري كاين وجود بيلينغهام وفل فودن، لأن أسلحته الفتاكة موجودة بين الاحتياطيين أمثال بالمر وواتكينز وتوني وغوردن وبوين وغالاغر والمثير مانيو. ونجح ساوثغيت في توظيف اللاعبين بشكل مثالي واستغلال مهاراتهم الفردية لتحقيق نتائج إيجابية، كاللعب بثلاثة مدافعين في بعض المباريات ما ساعد على تحقيق التوازن بين الهجوم والدفاع، وتخطي معضلة فقدان الظهير الأيسر المثالي.
منتخب إسبانيا لديه تاريخ حافل في البطولات الأوروبية، حيث فاز باللقب ثلاث مرات (1964، 2008، 2012). هذا الإرث يمنح اللاعبين دافعا إضافيا لتحقيق النجاح. وأظهرت إسبانيا روحا قتالية وإصرارا على تحقيق الفوز في كل مباراة. حتى في الأوقات الصعبة، كان الفريق يظهر قوة ذهنية وقدرة على العودة في المباراة. ولهذا اعتبر هو أفضل فريق في البطولة، وأيضا لهذا السبب سيدخل مباراة اليوم وهو المرشح الأبرز للفوز باللقب، لكن يبدو أن المنتخب الانكليزي تعلم مما فعله الاسبان قبل عقدين، بزرع عقلية «الانتصارات» في ذهن اللاعبين، واستغلال قوة الدوري المحلي وشهرة أنديته لمصلحة المنتخب، فبات النجوم الانكليز يتعلمون من أفضل المدربين في العالم، على غرار غوارديولا وكلوب وقبلهما آرسين فينغر، وبات تدريب المواهب من الصغر والاهتمام بالجذور ميزة في السنوات الاخيرة عند الانكليز.
لكن الجماهير العربية ستكون مطالبة اليوم لاختيار الحق على الباطل، كل بحسب رؤيته، مثلما ستشد الانظار بعدها بساعات الى الولايات المتحدة، أيضا لمتابعة نهائي كأس أمم أمريكا الجنوبية (كوبا أميريكا) بين الارجنتين وكولومبيا، وأيضا بين الحق والباطل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية