تونس ـ «القدس العربي»: عاشت تونس ولا تزال طيلة الفترة الماضية على وقع تفاقم مشكلة المهاجرين غير النظاميين، وخرجت مظاهرات واحتجاجات في صفاقس التونسية الواقعة جنوب البلاد – والتي تضم العدد الأكبر من المهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء – تطالب بترحيلهم. حوادث عديدة شهدتها المنطقة من اعتداءات وتنكيل بالمهاجرين من قبل مواطنين وعمليات طرد بالجملة لهؤلاء الوافدين بسبب تناقل أنباء تفيد بتورط هؤلاء في جرائم قتل وسلب، وأودت الصدامات بحياة مواطن تونسي في مطلع الشهر الجاري.
هذه الحوادث دفعت عديد المنظمات الوطنية الحقوقية والدولية للدخول على خط الأحداث وتنادت لوضع حل شامل لهؤلاء المهاجرين. وندّدت منظمة «إغاثة اللاجئين الدولية» بـ«الاعتقالات العنيفة والطرد القسري لمئات المهاجرين الأفارقة السود» مؤكدة أنّ بعضهم مع ذلك «مسجّلون لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أو لهم وضع قانوني في تونس». وتكلفت منظمة الهلال الأحمر بإجلاء حوالي 600 مهاجر.
وتخشى المنظمات الحقوقية على مصير عشرات المهاجرين الآخرين العالقين على الحدود الغربية مع الجزائر. وتقدر «هيومن رايتس» عددهم بما بين 150 و200. وقد تم تسجيل حادثة وفاة لاثنين من المهاجرين في صحراء حزوة الواقعة مسافة 600 كلم جنوب العاصمة. وأرسل أحد المهاجرين شريط فيديو يوثق معاناته من دون ماء وطعام. وهذا ما دفع المواطنة التونسية نجاة سليمان – وهي متقاعدة وأم لثلاثة أبناء وبنات، إلى تقديم يد العون لهذا المهاجر من جنوب الصحراء بعد ان وصلها نداء الاستغاثة. وقالت لـ«القدس العربي» إن «لم أتردد في تقديم العمل الأخلاقي والإنساني والخيري، وعندما وصلتني الاستغاثة ورغم وجودي خارج تونس، سعيت بكل جهد للتدخل العاجل وقبل فوات الأوان من أجل إنقاذ حياة صاحب الاستغاثة.» وأضافت بالقول: «تمكنا من تحديد مكان المهاجر الذي عثر عليه مواطنون من منطقة حزوة وقدمنا على الفور الاحتياجات الرئيسية له من مأكل ومشرب وغيره. ونشرت هذا العمل الخيري على صفحة فيسبوك لكي يكون مثالا يحتذى به ويشجع على فعل الخير ومد يد المساعدة لكل محتاج خاصة أن هؤلاء المهاجرين تقطعت بهم السبل في الصحراء التونسية».
وثيقة من 10 نقاط
وفي السياق نفسه أصدرت منظمة «أرض اللجوء تونس» و«المعهد العربي لحقوق الإنسان» و«الرابطة التونسية للدّفاع عن حقوق الإنسان» وثيقة من 10 نقاط حول الأزمة المتعلّقة بالهجرة في مدينة صفاقس وتداعياتها. وتقول هاجر الحبشي المديرة التنفيذية للمعهد العربي لحقوق الإنسان في تصريح لـ«القدس العربي» إن هذه الوثيقة تطالب بتقديم المساعدات العاجلة والحفاظ على حياة الذوات البشرية والسماح للمنظمات المختصة بالتدخل في المناطق التي يصعب الوصول إليها لإنقاذ المهاجرين المرحّلين قسرا واحترام القوانين الداخلية للبلد المضيف ووقف عمليات الإيقاف التعسفي والترحيل القسري والوقف الفوري للعنف الموجّه ضدّ المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء». وأضافت انه «يجب تقسيم الأدوار والمسؤوليات بشكل واضح بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والمنظمات الوطنية والدولية لان المسؤولية مشتركة».
وركزت محدثتنا على البعد التنموي للهجرة وتسوية أوضاع فئات العمال المهاجرين العاملين حاليا في تونس والعمل على إطار قانوني وإجرائي شامل وخصوصي لمسألتي الهجرة واللجوء ومراجعة النظام القانوني لاستخدام اليد العاملة الأجنبية والتصدّي لشبكات الإتجار بالبشر.
وطالب الموقعون على الوثيقة كأولوية قصوى، في إطار مُنسّق وتكاملي، بتقديم المساعدات الإنسانية العاجلة من قبل سلطات الدولة المضيفة بدعم من المجتمع المدني والمنظمات الدولية المتخصصة لوضع حدّ للخطر المحدق بحياة المهاجرين والتجاوب الفوري مع نداءات الاستغاثة المتعدّدة التي تلقتها المنظمات مباشرة من قبل مهاجرين تمّ طردهم فاضطروا إلى الوصول إلى مناطق نائية وخطرة في ظروف مناخية قاسية ومن بينها مناطق قرب الحدود التونسية الليبية والحدود التونسية الجزائرية. ومطالبة البعثات القنصلية والدبلوماسية بالمساهمة في هذا المجهود عبر تحديد حاجيات مواطنيها من الدول التي تمثّلها من بين المهاجرين في وضع هشاشة، وتقديم الخدمات المتعارف عليها لهم في إطار من التعاون مع السلطات التونسية المختصة.
وطالبوا بضمان توفير الحماية والتدابير الضرورية للأطفال والنساء الحوامل، مع إيلاء الاعتبار الأول لمصالح الطفل في جميع الإجراءات المتعلقة باللجوء والهجرة ومنع جميع أشكال احتجاز الأطفال ملتمسي اللجوء واللاجئين والمهاجرين وترحيلهم القسري.
وشدد الموقعون على الوثيقة على أهمية وضع خطّة تحرّك مشتركة عاجلة مع المنظمات المعنية لا سيما الهلال الأحمر التونسي لضمان الحاجيات الحياتية الأساسية من مسكن وقتي وطعام وشراب ورعاية صحّية والوقاية من المخاطر البيئية التي تتهدّد أماكن تجمّع المهاجرين والاستعانة بخبرة المنظمات الإنسانية للتدخّل العاجل في هذا المجال.
ودعوا إلى التخلّي عن الحلول الوقتية التي ستأتي حتما بنتائج عكسية من حيث تصدير الأزمة إلى مواقع أخرى أو الرجوع إلى نفس النقطة التي أدّت أصلا إلى هذه الأزمة.
التهدئة الفورية للأوضاع
ودعت المنظمات الموقعة على الوثيقة إلى تهدئة الأوضاع من خلال تغليب الحس المدني في التعامل مع الأزمات والتصدّي لحملات التمييز وخطابات الكراهية التي تسبّبت في تعبئة جانب من المجتمع المُضيف اعتمد الطرد التعسفي للمهاجرين من مقرات سكناهم وملاحقتهم في الشوارع في وضعيات تمّت معاينتها مباشرة ولا تتناسب مع ممارسات الشعب التونسي المعروف عنه قبول الآخر والتسامح والاعتناء بالمستضعفين ومن هنّ وهم في حاجة إلى المساعدة.
وطالبت بوقف عمليات الترحيل القسري والجماعي والايقاف التعسفي وإنشاء اللجنة الوطنية لمناهضة التمييز العنصري وتزويدها بالموارد البشرية والتقنية والمالية اللازمة من أجل حسن أدائها. والعمل على مزيد تفعيل القانون الأساسي عدد 61 لسنة 2016 المؤرخ في 3 اب/أغسطس 2016 المتعلق بمنع الإتجار بالأشخاص وتخصيص موارد بشرية ومالية وتقنية كافية للهيئة الوطنية لمكافحة الإتجار بالأشخاص، وتشكيل لجنة وطنية لإدارة الأزمة وتنفيذ خطة الطوارئ لمواجهة الأزمة.
مقاربة شاملة
مصطفى عبد الكبير رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان قدم في حواره لـ«القدس العربي» تشخيصا شاملا لجذور ومسببات هذه الأزمة قائلا: «إن المشكلة المتعلقة بوضعية المهاجرين غير النظاميين في تونس والوافدين بدأت بشكل دقيق في عام 2011 وكان مخيم شوشة الذي شكل حلا لهؤلاء الوافدين واستطعنا السيطرة على المعضلة. وفي 31 أيار/مايو 2013 تم بقرار حكومي حل مخيم الشوشة، صحيح ان سلوك تونس أخذ بعدا إنسانيا كبيرا وتم تقديم العديد من الخدمات لهؤلاء المهاجرين والوافدين لكن في المقابل بقيت ملفات عديدة لمهاجرين ووافدين تحتاج إلى تدخلات ودراسة. وهذا يتطلب البحث عن وضعية قانونية لهم وهذا لم يتحقق».
وأضاف: «وكل الحكومات المتعاقبة تلاعبت بملف المهاجرين وتغاضت عن أهم المشاكل. وفي مرحلة لاحقة ومع تطور الخلاف في ليبيا خلال أعوام 2014 و2015 و2016 شهدنا خلالها حركات موجات بحرية نحو أوروبا وتضاعفت عمليات الانقاذ البحري. وكنا في تونس نستقبل في حدود 2500 مهاجر في السنة وبدأنا نستقبل من 7 آلاف إلى 10 آلاف و12 ألف في السنة قدم جلهم من ليبيا ووجدوا أنفسهم عالقين ويتم تسليمهم للمنظمات الوطنية والإقليمية». ويستطرد محدثنا: «ولكن العمل على دراسة ملفاتهم لم يتم وتراكمت الملفات وجاءت كورونا وانقطع التواصل، وجاءت بعدها الحرب الروسية الأوكرانية، وأخيرا ما حدث في السودان، وكل ذلك جعل الأرقام تتضاعف عشرات المرات، بالمقابل الطرف التونسي لم يدرس هذه الملفات في ظل غياب لسياسة التصرف في الهجرة وغياب لهيئة وطنية تعنى بالمسألة».
وأضاف عبد الكبير: «المواطن التونسي كان ينتظر حلولا لهذه الأزمة المتفاقمة بسبب الهجرة غير النظامية، وأيضا اللاجئ وطالب اللجوء ينتظر الحلول. وعندما تغيب الدولة يقوم المواطن بتأدية دور الدولة وهذا ما جرى في صفاقس إذ حاول مواطنون وبعض أبناء المدينة إيجاد حلول لهؤلاء المهاجرين غير النظاميين، وعادة ما تكون حلول المواطن شعبوية وليس فيها تطبيق للقانون. والدولة مع ذلك قامت بأخطاء وعالجت المسألة بمقاربة أمنية. ونحن كحقوقيين نعتبر ان المعالجة الأمنية لا تأتي بنتيجة وأصدرنا عديد البيانات قلنا خلالها بانه لا يمكن بأي حال من الأحوال معالجة هذه الملفات معالجة أمنية».
وأما عن تعامل الحكومة مع الملف يجيب محدثنا: «اليوم في ظل الحوار مع الاتحاد الأوروبي وجدت السلطات التونسية نفسها في أزمة وخير دليل على ذلك من العالقين على الحدود. لقد نبهنا من حدوث كل ذلك وتمكنا من إيواء العالقين وهم الآن متواجدون في معهدي بن قردان وتطاوين ومبيت مدنين. على الأقل أنقدناهم من الموت، وهذا على مستوى الحدود الليبية، ولكن ولا تزال لدينا مجموعات على مستوى الحدود الجزائرية». وقال: «اليوم في الحوار مع الاتحاد الأوروبي ومع المتغيرات الدولية واجتماع بروكسل الأخير والذي عدل اتفاقية دبلين – والتي تعتبر دول المرور الآمن هي دول لجوء، تم التغاضي عن ان تونس ليست آمنة، ولا نقصد هنا الأمن بالمعنى الأمني ووجود بوليس أو شرطة، بل المسألة الأمنية نقصد بها الحماية بمفهومها الشامل. وأولها الحماية القانونية، فليس هناك قانون وطني للهجرة واللجوء. وأيضا ليست لدينا حماية صحية واجتماعية وادماج وحماية عملية. وكل ذلك يجعل تونس – مع الوضع الاقتصادي والسياسي الصعب الذي تمر به-، بلدا غير آمن ولا تتوفر فيه كل ضمانات الحماية».
أهمية وضع هيئة وطنية للهجرة
أما عن الحلول يضيف بالقول: «الدولة تأخرت كثيرا لسنوات ونحن كمرصد تونسي قدمنا مقترحاتنا طيلة السنوات الماضية وطالبنا بضع خطة استراتيجية واضحة للتعامل مع هذا الملف وخلق هيئة وطنية فيها كل مكونات الوزارات وأطراف الدولة المعنية، إضافة إلى خبرائنا في مجال حقوق الإنسان والمنظمات الدولية المعنية بالملف وكذلك خبراتنا العسكرية ومنظماتنا الوطنية الناشطة. علاوة على الباحثين الذين راكموا تجارب كبيرة في وضع الدراسات والتحليل والتوثيق». وأضاف انه يجب على الهيئة أن تنكب على هذا الموضوع وتدرس هذه المواضيع وهذا الأمر- حسب محدثنا- يتطلب خمس سنوات للعودة لوضعية عام 2011 مع عمل متواصل وتنسيق محكم مع الدول الجوار وخاصة الجزائر وليبيا والشريك المتقدم أي أوروبا.
فالمسألة حسب عبد الكبير يجب ان تعالج بعمل كبير والمسؤولية مشتركة وشاملة فهل ليست مسؤولية الدولة فقط والحكومة بل مسؤولية المجتمع التونسي. وتابع: «علينا ان نتكافل جميعنا، فهناك وافدون متواجدون لدينا يحتاجون إلى مساعدة إنسانية، ويجب ان نتحمل مسؤوليتنا لأننا أيضا لدينا مهاجرون في الخارج ولا نستطيع ان نتعامل بالملف بشكل شعبوي أو بتفكير قطاعي، بل بتفكير إنساني بحت. ومحمول علينا وعلى كل الأطراف ان تتكاتف معا. وهنا مضاعفة الدعم لتونس مهم جدا لأن بلدنا يمر بصعوبات كبيرة واليوم نجد انه تمت مضاعفة الدعم للمنظمات الدولية المعنية مثل المنظمة الدولية للهجرة ومفوضية الأمم المتحدة لللاجئين والصليب الأحمر الدولي ويجب أيضا ان يتضاعف الدعم لتونس لتجابه هذا الملف عبر خطة شاملة ومقاربة ناجعة».
مسؤولية مشتركة
من جهته يرى وليد المرابط الباحث في المركز المغاربي للبحوث والدراسات والتوثيق في حديثه لـ«القدس العربي» أن تونس تحولت في السنوات الأخيرة إلى بلد استقطاب للمهاجرين من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء إما للعبور منها باتجاه إيطاليا، بوابة القارة العجوز، وذلك بالنظر إلى تداخل الأراضي والمياه والجزر بين البلدين، أو للاستقرار والعمل في مهن أصبح التونسيون يترفعون عنها في السنوات الأخيرة بسبب أجرها الزهيد وجهدها الشاق. ويتسلل عدد هام من هؤلاء المهاجرين، حسب محدثنا، إما عبر الأراضي الجزائرية، أو عبر الأراضي الليبية والأخيرة تسيطر عليها دول الناتو وبعض القوى الأخرى، وذلك في غياب حدود مباشرة لتونس مع بلدان أفريقيا جنوب الصحراء.
ويضيف الباحث في الشؤون المغاربية قائلا: «إن تونس تجد نفسها اليوم أمام أزمة لا ناقة ولا جمل لها فيها، فلا هي شنت حروبا في بلدان أفريقيا جنوب الصحراء على غرار فرنسا والناتو وروسيا وغيرهم وتسببت في نزوح الأفارقة من بلدانهم، ولا هي عجزت عن ضبط حدودها مع بلدان أفريقيا جنوب الصحراء على غرار الجزائر وليبيا. فكل ذنب هذا البلد الذي يمر بأزمات عديدة أنه في تماس مع القارة العجوز عبر إيطاليا وهو ما جعله وجهة لأبناء قارته للعبور إلى أوروبا التي يعتقد أفارقة جنوب الصحراء أنها جنتهم الموعودة.
وبالتالي يرى طيف واسع في تونس أنه لا سبيل لتوطين المهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء في تونس، مثلما ترغب في ذلك بعض الأطراف الأوروبية، لأن الأوضاع الاقتصادية لا تسمح. كما يرى هؤلاء أن الخضراء غير مسؤولة وحدها عن هذا الملف وأن هناك أطرافا أخرى عليها تحمل مسؤولياتها وعلى رأسها البلدان التي تشن حروبا في القارة الأفريقية على غرار فرنسا وروسيا وحلف الناتو، والحكومات الأفريقية التي فقرت شعوبها واضطرتهم إلى النزوح والهجرة وأيضا بلدان جوار تونس، أي الجزائر وليبيا، والتي تسمح بعبور الأفارقة إلى أراضيها ومنها إلى تونس».