1
ظلت العلاقة بين الشعري والتشكيلي مداراً للدراسات النظرية من جهتَيْ العلاقة التي تطورت من تقصي الوجود التشكيلي في النصوص الشعرية، ووجود الشعر ضيفاً في الأعمال التشكيلية، إلى التعالق النصي الذي يستنبط كيفيات الوجود الشعري المكتوب في التشكيل كتفاعل علائقي وليس تناصاً تقليدياً، وحضور عناصر التشكيل البصري في القصيدة جزءاً من وجودها كمبنى نصي معروض للقراءة. وبذا تجاوزت الدراسات مفهوم الصورة وتداعياتها المجازية. ومما جعل المسافة تلغى بين الفنين هي الثقافة الشعرية التي عكف عليها التشكيليون المنطلقون من حاضنات ثقافية وقراءات معضدة لتجاربهم ومتابعتهم للحداثة الشعرية وتحولات القصيدة.
ولكن يساور الرسامين خلال قراءتهم البصرية للقصائد خوف من وصف أعمالهم بالرسوم التوضيحية التي ازدهرت عند ظهور الطباعة، وحاجة الصحافة لما يزين المنشور على صفحاتها من نصوص، ويكسر التناظر السطري في المواد الإنشائية والمقالية المنشورة. ويؤدي الرسام التوضيحي عمله ذاك انصياعاً للمساحة المتاحة، بما يقدمه مسرعاً من تخطيطات أو مائيات تشبه وجبة خفيفة.
2
يعد الفنان العراقي ضياء العزاوي من أكثر الفنانين التشكيليين مواكبة للمنجز الشعري. لذا اجترح مبكراً تقنية الدفاتر الفنية المخصصة متمثلاً النصوص الشعرية التي يختارها بعناية وحساسية عالية، ويجعلها حاضرة في عمل بصري مركّب لا منصهر. فيظل للنص الشعري حضوره بجانب النص البصري الذي يجعله مرئياً، ولكن بأسلوب فني حداثي لا يهتم بالتعبيرية أو مطابقة المضمون، قدر اهتمامه بالأثر المتحصل من الشعر، والتعبير عنه لا عن العمل ذاته.
مؤخراً أصدر العزاوي كتاباً مصوراً ضخما (329 صفحة من القطع الكبير) عنونه بـ«صورة الشعر- دفاتر فنية»، ضمّ أعماله الدفترية التي قاربَ فيها النصوص الشعرية التي اختارها من أكثر من أربعين شاعراً، وهي متنوعة الأزمنة والدلالات والأساليب، برؤية بصرية تتمثل المكتوب وتهبه وجوداً مجاوراً متعدد الهيئات: تخطيطاتٍ ورسوماً منفذة بعدة طرق ومواد، مع دراسات عن دفاتر العزاوي لنقاد عالميين، وشهادة له عن عمله في تلك الدفاتر التي يعود أقدمها إلى عام 1968. وقدم للقارئ تلك النصوص بأصلها العربي ومترجمة للإنكليزية في ملاحق مهمة، ووثق تاريخ تنفيذها ووصفها الفني.
فكان هذا السِّفر إضافة مهمة وحيوية للتمثل البصري للأشعار بوعي يتجاوز المعاني إلى الدلالات، وما تثير في نفس الفنان، فتنتقل بالضرورة إلى وعي القارئ.
يقدم الفنان العزاوي في دفاتره الفنية (صورة) للشعر. والعنوان يأخذنا إلى وظيفة التصوير بما فيها من مجاز، فالجاحظ يعرّف الشعر بأنه جنس من التصوير. وهو تعريف سيعمّقه عبد القاهر الجرجاني حين يقارن (ما يصنعه الشعر من الصور التي يُتوهم بها الجماد الصامت في صورة الحي الناطق)، بالتصاوير (التي يصنعها المصورون فتعجب وتخلب وتدخل النفسَ من حالةٍ غريبةٍ لم تكن قبل رؤيتها). لقد كانت الصورة إذ كانت هي الكلمة المرادفة للمرسوم والتصوير مرادفاً التشكيل عامة في مطلع نضوج التجارب التشكيلية العربية. وامتد ذلك للوعي الشعبي، حيث يسمي العراقيون في الأرياف الصورةَ الفوتوغرافية رسماً، والعمل الفني صورةً.
3
يؤدي العزاوي ما يجسد صلته بالشعر بكيفيات مختلفة، فيخصص دفاتره للمعتمَد من الموروث الرافديني والتراث العربي: ملحمة جلجامش، وهي أوديسة العراق – كما وصفها مترجمها طه باقر ـ وأشعار مجنون ليلى في العشق، والمعلقات السبع للزوزني ووصفها بالذهبية، وكان حديثه عن دفتر المعلقات السبع 1978والعمل ذاته مناسبة لينفي عنه الوصف بالحروفية الذي عدَّه وهماً من النقاد الأدبيين، والمهتمين بالتراث الذين رصدوا فقط وجود أبيات المعلقات مع الرسوم. لأنه لا يرى في عمله صلة بالحروفية التي تتوقف عند جماليات الحرف واندراجه في المرسوم.
فالصلة المرجعية المفترضة في دفاتر العزاوي تراثياً هي المخطوطات العربية القديمة المزوقة، ولا سيما رسوم يحيى الواسطي لمقامات الحريري، حيث يضع العمل مرافقاً المقامة، ولكنْ مفترقاً عنها بمسافة كافية لإبراز رؤيته للسرد في النص الأدبي. وكافية أيضاً لاحتواء تهاويله اللونية وشخوصه والتفاصيل التي تعج بها رسومه، وكأن عدوى نص المقامة ينتقل إلى لوحاته، فتتفوق على النص بانفصالها عنه، وتترك القارئ في حالين من حالات التلقي البصري: للمكتوب السردي، وللعمل البصري. ويقرأهما بما يحفظ وجودهما الجمالي في الصفحة. وهو ما أبرزه التلقي لأعمال الواسطي في المقامات، حيث صار لها وجود خاص بحيث تتم معاينتها مستقلة ومنفصلة عن متن المقامات كأثر كتابي. أما الإحالة المرجعية الأكثر وضوحاً فهي صلة العزاوي بالتراث الفني الرافديني، بكونه درس الآثار وعمل في المتحف العراقي قريباً من الحفريات واللقى والأعمال القديمة، والتي تبرز في أعماله كالخطوط والمساحات الشبيهة بالرقم الطينية والأشكال الخليقية والأشياء المكملة لتأثيث العمل وتفاصيله ووحداته.
يمكن لنا عند هذه النقطة أن نتأمل صنيع العزاوي في الدفاتر، وخلقه لصلة جديدة من طرق التعالق بين البصري والمكتوب. فهو يُشعر القارئ دوماً باستقلال النصين عن بعضهما. فالأشعار أو ما يَقتطع منها بحسب المساحة على السطح التصويري تكون محددة بخطوط أو مساحات لونية، ولها وجود خارجي يمكن ملاحظته. وفي عنف التفاعل مع الأشعار المختارة للرسم، قد يندمج نص الشعر داخل العمل. ولكن حتى في هذه الحالة يكون للشعري حدوده كمتن.
يؤكد العزاوي الفرق بين الرسم والدفاتر بتشبيهه العمل الفني الدفتري بغرفة مغلقة بنوافذ، ما إن تُفتح حتى تمنح ضوءها لتعيد غنى عالم من العناصر المتنوعة: الخط والشكل والألوان والنص.
ولتجسيد هذه القناعة يضع العزاوي نصوص الشعراء منعزلة على يمين العمل أو يساره. في الأسفل أو الأعلى. لكنه لا يذيب النص في العمل البصري أو يرضى بتشظية النص حروفا، تكسب العمل الحروفي التقليدي جمالية وتدخل كعنصر من عناصره.
إن الحروفيين لا يريدون أن تتم قراءة الكلمات أو الجمل. ولا إحالة الحروف إلى وظيفة أداء المعاني أو الإحالة إلى معانيها. بل إلى هيئتها البصرية فحسب. وأحياناً كشعارات ولافتات مساعدة، يتم انتقاؤها غالباَ من المأثور أو من تراكمات المحيط والبيئة.
ولهذا كان العزاوي محقاً في نفي الحروفية عن أعماله التي يطمح فيها أن يصنع (صورة) للشعر. صورة متعددة الملامح والعناصر. تعاضد المقروء وتتمثله، لكنها لا تنتمي إليه تماماً كمرجع. ولعل عنوان دراسة ين تشين أويانغ التي يتضمنها الكتاب، وهي (دفاتر الفنان: أكثر من رسم للكلمات) تلخص الهدف الذي يبتغيه الفنان ويلاحظه نقاد الفن المتخصصون. فالرسم الدفتري ليس ترجمة للكلمات في صور. قد يكون ذلك ما يبدو سطحياً، لكن ثمة روابط افتراضية منصهرة في العمل، يتعين على القارئ أن يكتشفها، وهي ما تحقق في دفاتر العزاوي.
4
يرتبط الفنان العزاوي بالمدونة الشعرية التي يقاربها قارئاً من نوع خاص. اختياراته تدل على عمق ثقافته الأدبية التي تحدث عنها في عدد مجلة «ألف»، والتي تُرجمت في كتابه «صورة الشعر». ويمكن للقارئ أن يتفحص أنواعاً من النصوص بالقياس إلى زمنتيها. فثمة النص التراثي – ملحمة جلجامش- المعلقات السبع – مجنون ليلى – مقتل أو دم الحسين، المتنبي، المتصوفة كابن عربي وفريد الدين العطار. وسيجد القارئ نفسه بمواجهة صور لقصائد من مرحلة تجديد العمود الشعري العربي كالشابي والجواهري، ومن مرحلة التجديد الحر: السياب – البياتي، والمراحل اللاحقة: خليل حاوي – سعدي يوسف – محمود درويش – نزار قباني- صلاح عبد الصبور- أمل دنقل – فدوى طوقان – حجازي – الفيتوري- حسب الشيخ جعفر – بلند الحيدري – لميعة عمارة – فوزي كريم- فاضل العزاوي -حليم بركات -علي العلاق – سامي مهدي – نبيل ياسين – شيركو بيكَه س، ويوسف الصائغ.
ومن نصوص شعراء قصيدة النثر: أدونيس، وأنسي الحاج، وسركون بولص، ويوسف الخال، وأمجد ناصر، ومحمد بنيس، وقاسم حداد، وشربل داغر، وصلاح ستيتية، وناديا تويني. وهناك الشعر الشعبي: مظفر النواب وطلال حيدر. ومن الشباب: عبدالزهرة زكي ودنيا ميخائيل وجواد الحطاب، وسواهم. فضلاً عن دفاتر مهمة عن مجزرة صبرا وشاتيلا، ودفتر السواد عن يوميات الحرب، ودفتر العار- تدمير المتحف العراقي، وتحيات للفنانين جواد سليم واسماعيل فتاح.
محفل بصري كبير وضخم، ولقارئ شعر متخصص ستكون اختيارات العزاوي هادفة ومتسقة مع رؤيته. والنصوص موثقة ومتاحة بمتنها في ملاحق الكتاب التي ضمت ببلوغرافيا للشعراء أيضاً.
ولا شك أن فنانين كثراً تابعوا تقنية الدفاتر معترفين بتأثرهم بالعزاوي.
وقد يغري التجريد بعض فناني الدفاتر بأن يذيبوا النص ذاته لصالح تفاعلاتهم معه. ولكن يغيب أحياناً وجود النص بكونه ملهماً. وربما يتضاءل الرسم أو التخطيط بالمقابل لقاء إيصال ما هو واضح من معاني النص. هنا يكون التعالق ناقصاً في التوازن واستحقاقات البصري أو الشعري.
للعزاوي طرقه في التعامل مع النصوص الشعرية، فهو يعاود قراءتها. وربما أتته بمنظور مختلف، تماما كما تتأول القراءات ما في النصوص حين تكرّ عليها بعد حين.
ملامح أسلوبية كثيرة جديرة بالدراسة في الكتاب: حرية الألوان والخطوط والمواد، والهيئة الدفترية مستعيناً بخط يده المميز لإبراز هوية النص غالباً. تلك الهوية التي يعد التراث جزءاً من أدواته في تأكيدها.
صورة الشعر للعزاوي إضافة نصية مهمة وفعالة، تجدد الخطاب المنفتح على تنوع الفنون وتداخلها وتعالق نصوصها وكيفيات هذا التعالق.