صور الظلم في مجموعة «مرايا آخر المشهد» للسوري أحمد حسين حميدان

اقترن الظلم بالإنسان منذ بدء الخليقة، فقد ظلم آدم عليه السلام نفسه، وعصى ربه، فأُبعد إلى الأرض. وفي الأرض، ظلم قابيل أخاه هابيل فقتله، واستمرت مسيرة الظلم بشتى السبل والأدوات، وستستمر إلى ما شاء الله، ولا أظن أن عصرًا أو مكانًا خلا من الظلم. ومن المفارقات، أن كل ظالم هو في الحقيقة ظالم لنفسه، يشعر بمرارة ظلمه، وإن ادعى أو تظاهر بغير ذلك.
في المجموعة القصصية «مرايا آخر المشهد» للكاتب السوري أحمد حسين حميدان، برزت صورة الظلم واضحة جلية في معظم قصص المجموعة، التي تصور جانبًا من الظلم، الذي يعاني منه المواطن السوري، وكل مواطن عربي بالضرورة، سواء كان هذا الظلم ظلم ذوي القربى، أو ظلم السلطة، أو ظلم العدو، أو ظلم الإقطاعيين والمتنفذين، أو حتى ظلم النفس، ومع أن الظلم ظلم، إلا أن وقعه في النفس مختلف، فقد أتفهم كمواطن ظلم العدو الغاصب، وأقاتله لأحرر الوطن أو استشهد، وهذا شرف في الحالتين، ولكن ظلم النفس شنيع، وظلم ذوي القربى مؤلم وجارح.

ظلم السلطة

في قصة «ليلة فرح»، تتخرج «فرح» طبيبة، يأتي الأقارب والجيران للتهنئة والاحتفال بها، لكن الفرح يبقى ناقصًا مجروحًا في غياب والدها، الذي خرج ولم يعد، وهي لم تزل في الصف الرابع، وترك مكانه في الحفل فارغًا مؤثرًا. وبعد مغادرة المهنئين، تواسي الأم ابنتها، وتعود إلى غرفتها، تشكو الظلم الذي لحقها وابنتها وابنها، وحرمانهم من الأب، الذي لا يعرفون مصيره من سنوات طوال، وأي ظلم أبشع من ظلم فتاة تُحرم من أبيها في ليلة فرحها بالتخرج، ويكبر الظلم ويتعملق عندما لا تدري مصيره. وما أكثر الأفراح في بلادنا العربية التي تتبدد بفعل ظلم هنا وهناك، يسرق الفرحة والبسمة، ويترك طعنة حادة في الفؤاد.
أما في قصة «رأس معلق على المرآة»، فالوطن يصبح جحيمًا عندما يترصدنا الموت في كل لحظة، ويأكل الأخضر واليابس، وما أبأس الحياة عندما نختار الغربة ملاذًا للهروب بأي ثمن، إننا في الحقيقة لا نعيش في غربتنا، بل نتمرغ في كوابيس تلو كوابيس، تتشتت أرواحنا، وتتمزق قلوبنا، تقتلنا الوحدة والاغتراب، نحادث المرايا، نهلوس، نكتب جراحاتنا على الورق، لنتخفف لكنها تزداد وتتراكم، لأن الجرح في الروح، وجرح الروح قتل في كل لحظة. فأي ظلم يمارسه من يجورون على الوطن، ويشردون أبناءه، ويقتلون أحلامهم، ويتركونهم للعراء والخواء والنهاية البائسة؟
تراوده الأحلام الباذخة في قصة «سفر آخر الليل»؛ لتوديع حياة الفقر والحرمان له ولزوجته وأطفاله ووالديه، والعمل براتب مجز في وظيفة محترمه بتخصصه، تأخذه الأحلام بعيدًا، ويرى الفرحة على وجوه الجميع، وحتى الجيران، ولكنه يستيقظ على صوت زملائه في الغرفة «ليتناول معهم طعام الفطور، ويشاركهم قراءة إعلانات الوظائف في صحف الصباح، علهم يحظون بعمل فيزيد هو في إغماضه؛ كي لا تهرب من تحت جفونه آخر الصور». هو الظلم، عندما لا يجد الشاب وظيفه يعتاش منها، بل يضطر لأن يضرب بتخصصه وشهادته عرض الحائط؛ ليعمل في أي شيء؛ ليحصل على لقمة العيش، وتبقى أحلامه معلقة في الهواء.

ظلم أزلام السلطة

في قصة «دماء على صدرها»، يتربع الظلم على كل سطورها، فوكيل الوالي ظالم، يطرد العمال، ويستبيح الأعراض، ولا أحد يجرؤ على أن يكلمه إلا أن يعطيه ويرشوه، وعندما تصرخ «زينة» مستنجدة، يتدخل «رحمو»، يقتل الوكيل، ويفر هاربًا، ولكن راعي القرية العجوز الحكيم الذي يراقب المشهد من بعيد، يعلنها: «فرحكم قليل، وحزنكم كثير يا أهالي فافين… الوكيل رحل، ولكن رجال الوالي كثيرون، إنكم تنسون باستمرار وترقصون على دق الطبل فوق جراحكم.. مسكينة يا زينة.. مسكينة»، وقد صدق توقع الراعي، فما أن أصبح الصباح، إلا وانتشر العسكر في طرقات القرية. الظلم فكرة، والفكرة لا تموت بموت أحد أدواتها، و«زينة» رمز الوطن المستباح، ستبقى تعاني من الاغتصاب والذل، حتى ينتفض جميع أهلها دفاعًا عن شرفهم وكرامتهم ووجودهم.
يمارس البيك الظلم ألوانًا وأشكالًا في قصة «السياط»؛ يغتصب أخت حمود الأرملة أمام ناظريه، والسياط تنهال عليه بلا رحمة، ويرفض أي تدخل للكف، ومن حوله لا يملكون حيلة ولا سبيلًا، فكلهم عامل وأجير عنده، يتألمون لمصير حمود وأخته، ولكنهم يخافون الطرد والبطش إن اعترضوا، ويكتفون بالتأوه عن بعد. الظلم ظلام دامس، والخوف من الظلم يُظلم الروح، وهو ظلم في النهاية؛ لأنه يُعذب الروح ويستل منها أمنها وطمأنينتها. وكم من بيك بيننا يمارس ساديته، وينشب مخالبه، بدون أن يجد من يقول له كفّ، بل يجد من يصفق له ويثني على بطولاته وربما كراماته!

ظلم العدو

في قصة «السنديانة»، نمت السنديانة الكبيرة وسط مقبرة الشهداء، فارتوت من دمائهم، «فامتزج الأحمر بأخضر أوراقها، حتى بدت خضراء محمرة وحمراء مخضرة»، هؤلاء الشهداء سقطوا دفاعًا عن الوطن وترابه ضد عدو مغتصب، فهم ضحية ظلم وعدوان، ولكنهم ينامون في قبورهم يملؤهم الفخر والاعتزاز أنهم استشهدوا فداء للوطن وترابه. وتتعالق معها قصة «القيامة الصغرى»، عندما تظلم الحرب التي تدق طبولها، الجميع بدون استثناء، الجنود المتأهبين، وأسرهم وأحبابهم، فالجنود يتركون كل شيء من أجل المعركة، فعندما ينادي الوطن، فلا صوت يعلو فوق صوته، ولا أحد أولى منه بالفداء والتضحية، ويتقدم الجنود، ويستشهد من يستشهد، ويعود من يعود. الجندي الذي يستشهد تاركًا خطيبته تنتظر عودته، تعيش حياتها شاعرة بالظلم ممزوجًا بالفخر، والزوجة التي استشهد زوجها تكمل مسيرتها مظلومة، فقد أصبحت مسؤولة عن أطفال ورعايتهم وتأمين معيشتهم في خضم حياة صعبة، والوالدان اللذان فقدا ابنهما، يشعران بالفخر، ولكن الجرح في القلب لن يلتئم. ظلم الحرب يعم الجميع، وكل حرب ظلم.

ظلم الزوج

في قصة «ما قاله الشاهد بعد اختفاء شهر زاد»، تختفي شهرزاد بعد أن انتهت مهمتها في تسلية شهريار، ويؤكد الشاهد أن جنود شهريار اقتادوها بأمر منه، ولم يحدثنا بما حدث لها، ولكنه ألمح إلى أنها تعرضت للتعذيب وربما القتل. ومن المؤكد أن شهرزاد كانت ضحية منذ ليلتها الأولى مع شهريار، وتعرضت للظلم عندما صبرت على نزواته ونزقه وعصبيته وشعورها بالتهديد والموت في كل لحظة، وهي كانت تعرف ذلك مسبقًا عندما أقدمت على خطوة الزواج من شهريار، مضحية بنفسها في مغامرة مخيفة مجهولة؛ فداء لبنات جنسها، ولا أظن أن حيلة شهرزاد وحكاياتها أنست شهريار طبيعته وحقده على النساء، ورغبته الدائمة في الانتقام والخلاص منهن.
يكتشف الصحافي في قصة «مرايا آخر المشهد»، أن «الشاعرة البهية» ذائعة الصيت، التي طالما اعتبرها أمه الثانية، قد تزوجت في حياتها زواجًا قصيرًا طي الكتمان، ولم يعرف بذلك إلا من مذكراتها بعد موتها، ويبدو أنها تعرضت للظلم والخديعة منه فكتبت: «كنت أظنك ستندم على فعلتك فانتظرتك لتعود طافحًا بالندم والاعتذار!». الشاعرة ظلمها زوج الكتمان، والصحافي ظلم بصدمته من الحقيقة، وظنه أنه يعرف الشاعرة جيدًا، وكان الأقرب إليها والأكثرة زيارة لها.

ظلم الأبناء

في قصة «شوق آخر»، يشكو «أبوفهد» لزوجته المتوفاه عند قبرها، ظلم أولاده، وتركه وترك الأرض إلى المدينة، ليس لعمل يستحق؛ بل فهد ليبيع على الأرصفه أدوات التنظيف وعلب الكبريت وشفرات الحلاقة، وصالح ليبيع السجائر الأجنبية. وما أبشع من ترك الأب وحيدًا يعاني شظف الحياة وقسوة العمل في الأرض، من أجل حياة لا تستحق وعمل تافه لا يدر دخلًا ولا يستر حالًا، لقد ظلموا أنفسهم وظلموا أباهم، وظلموا أمهم في قبرها. وكم من أب أو أم يعاني مثل هذا الظلم وأشد منه على يد أبناء لم يراعوا حق الأبوة والأمومة عقوقًا وجحودًا.
وبعد، فقد تناولت جانبًا من مجموعة «مرايا آخر المشهد»، وفيها جوانب أخرى تستحق النظر، مثل: اللغة الجميلة، والشاعرية المتدفقة، وتقنيات السرد، والبناء الفني.

٭ كاتب أردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية