يبدو أن الكاتب أحمد حسين حميدان، لم يكن في تجربته السردية يهجس بكتابة قصة قصيرة وحسب، طالما أنه ليس ثمة صيغة نهاية جامعة مانعة لهذه القصة، أو لسواها من فنون السرد على اختلافها، التي اندفع من خلالها الكاتب بدأب لينجز في هذا السياق نصاً متميزاً عما عداه؛ ورغم أن حديثي عن مجموعته «مرايا آخر المشهد» سيقتصر على صورة المرأة وملامحها الماثلة في مراياها، فإن القول عن القاص أحمد حسين حميدان بأنه يخطو خطوات حثيثة باتجاه حفر مجرى متميز في فن القص، له ما يبرره باعتباره ينطلق من ثقة إبداعية مشروعة، بأهمية هذا الجنس الأدبي على المتلقي، وتأتي مجموعته القصصية «مرايا آخر المشهد» وما يليها لتؤكد مصداقية ذلك مستندة في مسعاها إلى اللعبة الفنية في الشكل والمضمون، الذي يبرز من خلاله البعد الإنساني واضحاً.. ففي قصة «القيامة الصغرى» أحد الجنود يتألم لأنه ترك زوجته طريحة الفراش وأولاده يعانون ما يعانون، وآخر يشتاق إلى خطيبته والآخر حاول أن يتزوج قبل المجيء إلى الخدمة.. والجميل في هذه القصة ربط البعد الإنساني بثنائيات ضدية، تجلت في الإضاءة على الحياة والموت، والقبول والرفض، والسلم والحرب، الجبن والشجاعة، النصر والانكسار، إلخ.
« لم يستوعب ما رأى في بادئ الأمر.. نظر ملياً في وجه الرقيب.. تذكر كلماته وهو يقول: الحرب لا تترك على أرضها إلا الأقوياء والشهداء.. ويمضي، وقبل أن يكمل ابتلعت أنفاسه الراحلة في فضاء مشتعل كل ما بقي من كلماته». أما السنديانة التي حمّلها المؤلف أحمد حسين حميدان مرموزات ودلالات كثيرة، عبر فنيات قصصية فائقة الدقة، بحكاية مشوقة ترمز إلى الأم والوطن، وترمز إلى الحلم والمستقبل والقناعة.. وعلى الرغم من كثرة الرموز والدلالات، فإنها لم تكن ثقيلة على المعنى، ولم تدفع القصة نحو الترهل، بل جعلتها أكثر قوة بسبب قدرة المؤلف على ربطها بحدث يتوقع الحصول: «لا أدري كم فكرت بها، ولكنني لم أتصورها هكذا.. حتى قلبي عندما خفق طائراً إلى أحبته، ظل عقلي معلقاً على أغصانها، يفكر بها ماذا يمكن أن تكون غير تلك الشجرة الصلبة». ولعل السنديانة في بعدها الرمزي فلسطين أو كل القضايا العربية مجتمعة، بعدما أكد الراوي حين رآها أنها كانت مرقداً لشهداء الحروب العربية في تواريخها المختلفة، حتى اختلط بلون أوراقها دم الشهداء فباتت خضراء محمرة وحمراء مخضرة!
ويبدو الأمر مختلفاً في قصة «ما قاله الشاهد بعد اختفاء شهرزاد» الذي تلعب فيه المرأة دور شهرزاد مع شهريار، المتسلط الذي أراد أن يفرض ساديته ومزاجيته عليها، ففشل في تحقيق مراده، لأن شهرزاد التي ظنها دمية استخدمت عقلها وذكاءها وارتحلت في فضاءات الوعي، لتقطف منه ما يفي بحقها لدرء الظلم عنها ومقاومة الذكورية المنحرفة، والأهواء التي تبعده عن قضاياه وقضايا وطنه وأمته، كان يقول لشهرزاد: «ألم أقل لك أريحينا من هؤلاء المجانين؟ فتقول له هي: لا تلمهم على ما يفعلونه يا مولاي، أنت تعرف أعداءهم، فعلوا بهم الكثير، وأخذوا منهم الكثير.. وها هم الآن يهزون الشجرة بهم ليسقط من بقي منهم في هاوية الرحيل والغياب.. فماذا سيفعلون يا مولاي؟ إن موقف شهرزاد لا يستند إلى قاعدة رخوة طالما آمنت بأن موقفها يصب في موقف الطهارة والنقاوة، ذلك الموقف الذي يقوم على مبدأ القضايا المصيرية المفتوحة إلى أن تبلغ ساعة الحسم النهائي..
وتأتي قصة «دماء على صدرها» مؤكدة على علو كعب الحفاظ على المبادئ وقيم الشرف والخلاص من قيد الأفكار والممارسات التي تؤطرها في إطار سلعة الدونية والهوى لا أكثر. «زينة التي أخذت عقله وقلبه انتزعت جسدها من يدي الوكيل وفرت عندما حاول شدها إلى فراشه.. خرجت بثوبها الممزق والدماء على صدرها.. كانت تصرخ».
المرأة لم تترك مجالاً من مجالات الحياة إلا وانخرطت فيه، وأثبتت قدرتها ووجودها، ولئن كانت قصة «مرايا آخر المشهد» تبين إبداع المرأة ووصولها إلى مراتب عالية في هذا المجال، فإن الأهم من ذلك هو هذا التماهي بين الإبداع وإثبات الوجود في الحياة.
ولم تبتعد قصة «ليلة فرح» عن الاتجاه نفسه، لأن هاجس المؤلف في تقديم توازن عقلاني بين طموح المرأة وطموح الرجل، باعتبارهما صنوان ضروريان وفاعلان ومهمان في خضم حياة معقدة مطعمة بالألم والأمل.. إن (فرح) التي تعلمت وتخرجت من الجامعة، تريد أن تعم البهجة قلبها وقلب أسرتها، لكن ذلك هيهات أن يتم بسبب غياب والدها. وهنا يبرز دور الأم في تقوية ابنتها فرح من الداخل، بعد أن أظهرت قوة إرادتها في التفوق والثبات من الداخل، وبعد أن أظهرت قوة إرادتها في التفوق علمياً ومعرفياً، رغم الأسى الذي طرز شغاف قلب الأم بقيت تحاول أن تقدم لفرح ما يجب أن تقدمه الأم لابنتها من عاطفة وصدق توجه، وكانت تتمنى أن يأخذ ابنتها لهو الحديث مع زميلاتها إلى دنيا أخرى، علها تنجو في أنحائها بفرحتها وتترك لها حدود مرارة الفقد.
ويقدم أحمد حسين حميدان في قصة «شوق آخر» لفتة خاصة اعتمدها من خلال القص ومفادها: إن أثر المرأة ـ حاضرة غائبة ـ لا يبلى باعتبار أن فعلها ليس سطحياً، وإنما يصب في جذور الحياة مجسداً ذلك في قول الراوي: «يمرّ على قبور الأحبة.. يقرأ الفاتحة لأمه.. لأبيه.. ولعدد من أصدقائه، وعند قبر أم فهد يجلس ويتحدث معها، ولا أدري إن كان يسمعها ترد عليه بشيء». ولم ينس المؤلف أن يربط حياة المرأة والرجل بالظرف الأيديولوجي، وأن يبرز رؤيته المنحازة التي تقف ضد التسلط والظلم، وأن ما حدث في يوم من الأيام من اعتداء على إنسانية الإنسان، لن يتكرر بفضل وعي الأجيال ورفضها لاغتيال إنسانية الإنسان، شكلاً ومضموناً، جاء ذلك في قصة «السياط».. ففي كل سوط ألم وعذاب وقهر للإنسان، وفي كل سوط رؤية لكن المشكلة أن هذا الظلم مازال نافراً في أركان الدنيا وزواياها.. «كان أهل القرية يتحدثون عن العار وأخت حمود الأرملة الحسناء.. ثم تناقلوا نبأ قتل حسن بيك إلا أن خادمه أكد بعد الحادثة، بأنه لم يمت واستولت الدهشة على كل من رآه وهو يتجول ببزة جديدة مصحوباً ببعض حراسه.. بينما كان رجال الدرك يجولون أطراف القرية بحثاً عن مكان اختفاء حمود».
إن المرأة لم تترك مجالاً من مجالات الحياة إلا وانخرطت فيه، وأثبتت قدرتها ووجودها، ولئن كانت قصة «مرايا آخر المشهد» تبين إبداع المرأة ووصولها إلى مراتب عالية في هذا المجال، فإن الأهم من ذلك هو هذا التماهي بين الإبداع وإثبات الوجود في الحياة، على صعيد الأسرة والزوج والحبيب والأولاد والصديقات، وغير ذلك يأتي باعتراف مذكر بلسان الرجل وهو يقول: «جئت أطوي بيديك دفتر الألغاز والأسرار، وأضع بيدي أوراق البنفسج على رأسك، وأقرأ قصيدتك المكتوبة بلا كلمات». لقد استثمر الكاتب لغته القصصية وهو يعكس في سياقها حكايات تنبع من صميم الواقع، لها أهدافها وغاياتها، وإذا كان السرد قد أخذ مستويات مختلفة في القص، فإن الميل إلى التبسيط في بعض القصص، أضاع على القارئ الاستمتاع بالسرد الشاعري، والصور والأخيلة التي تسهم في تعميق الأثر الفكري والنفسي لدى المتلقي، ولئن كانت الغاية لدى القاص حميدان الوصول إلى أكبر شريحة من القراء، فإن هذه الغاية مشروعة، بدون أن نلغي السؤال، ماذا لو سعينا إلى شد القارئ إلى مستويات تمتعه ويستفيد منها، خاصة أن الفن القصصي فن مؤثر، وله دوره الواضح في تجسيد مشكلات الحياة وعكسها بأسلوب فني؟ وفي سياق ذلك لنا أن نؤكد على المدى الذي بلغه القاص أحمد حسين حميدان من الناحية الفنية، الذي أثبت من خلاله قدرته على القص عبر موضوعات حساسة، وأفكار نقية مهمة، فمن يقرأ مجموعة «مرايا آخر المشهد» يتأكد من الشغل الفني للقاص حميدان، الذي اعتمده في تمرير الأهداف والأفكار الكامنة في دواخل النفس الإنسانية.
واللافت في هذه المجموعة، أن الشخصيات كلها فاعلة ومنفعلة في آن معاً ضمن زمن متداخل ماضيه في حاضره، ومستقبله وقاعدته الرئيسة، مكان الحدث والمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.. هذا التلوين منح قصص الكاتب أحمد حسين حميدان ألواناً شكّلت قوس قزح الحياة الموّارة بالنبض على امتداد سياقات السرد…
٭ كاتب سوري