يعتبر القاص محمد بسام سرميني ـ الحائز جائزة سعاد الصباح ـ أحد المساهمين في رسم الملامح الجديدة للقصة السورية القصيرة، مع أدباء آخرين. وفدت كتاباتهم من مغتربهم الطوعي، وخرجت إلى الضوء في فترة متقاربة وطموحة في تطلعها لصياغة كتابة مغايرة، مما جعلها عرضة للبحث والتجريب، في سياقٍ ما كان ليستقر في أسلوب أو يرسو في اتجاه.
لذلك تباينت النظرة النقدية إلى المنجز الإبداعي، كما تنوعت التصنيفات المدرسية له، فكان ما سمي بالقصة التعبيرية، أو القصة الانطباعية أو الواقعية، وهذه الأخيرة تعددت لتصبح الواقعية الجديدة والواقعية النقدية والواقعية السحرية.. ومع ذلك ظلت الواقعية نفسها غائمة بين الموقف والمنهج، كدليل على عدم استجابة السياق الإبداعي للترويض الاستيعابي، الذي تمارسه التنظيرات المدرسية عليه، وعدم امتثاله بشكل نهائي لخلاصاتها الآخذة بالتراكم يوماً إثر آخر، مقابل تراكم آخر للمنجز الإبداعي نفسه، الذي مازال آخذاً في التكاثر بلا انتهاء.
في ظل هذه المعطيات قدّم القاص محمد بسام سرميني مجموعته القصصية «أحلام سين التسويف» واللافت في مسيرة القاص سرميني، أنه يعود في سيرته الروائية «بداية كل الأشياء» إلى السيرة القصصية ذاتها، الماثلة في مجموعته «أحلام سين التسويف» التي فازت بجائزة سعاد الصباح، خصوصاً ما جاء في سيرة القصة الحائزة عنوان هذه المجموعة ، الأمر الذي دفعنا إلى التوقف عندها ـ قبل مقاربة قصص مجموعته ـ بعدما أولاها القاص نفسه مكانة متميزة عن غيرها من القصص الأخرى، فهل مرد ذلك يعود إلى ما خبأه من أحلام في سينها التسويفية؟ وهل هذه الأحلام هي من أمنياته العزيزة عليه؟ أم أنها تنحصر بأحلام شخوصه القصصية؟ أم أنها تشملهما معاً؟ لاسيما أن القاص يتوسل بالسارد النيابة عنه في عرض مقتضيات السرد، ورواية الحدث، كما تقول سيزا قاسم.
مجموعة «أحلام سين التسويف» تؤكد منذ مطلعها، غرق القاص محمد بسام سرميني في لجة هذه الأحلام، فهو يفتتح السطور الأولى من مجموعته بإهداء يقول فيه: «أمي حاولي ألا تموتي أرجوكِ» وهذا الإهداء يُعَدُّ خلاصة أمنية مؤرقة له، افتتح بها بعبارة مكثفة مبتدئا أحلامه، متوسلاً من خلالها مسعى جلجامش وأسطورته الشهيرة، محيلاً أمه إلى حياة مفتوحة على المطلق الموسوم قرآنياً بشجرة الخلد، التي ينطلق منها إلى أول القصص: «أحلام سين التسويف» متقمصاً السارد في سياقها الحكائي، ما يجعله مهيمناً على سيرورة الحدث القصصي، وتفاعل الشخصيات مع مجرياته، التي أراد الكاتب لها أن تبدأ من الزمن الماضي، بأسلوب الخطف خلفاً وبتقنية التذكر، فيروي بطل القصة ما آلت إليه الأمور مذ كان على مقعد المدرسة الابتدائية، وبذلك يبدأ السرد من الطفولة التي أكد غاستون باشلار على مصاحبتها للشخصية الإنسانية، وبقائها في دواخلها في المراحل العمرية اللاحقة الأخرى، وهو ما استفاد منه الكاتب، جاعلاً شخصيته المحورية الراوية تحكي ذاتها ومكنون واقعها المريض منذ شروعه بالتشكل.. فنقرأ عبر ذلك تفوق فايز الدراسي رغم انتمائه لأسرة فقيرة، يقابله تقهقر وتراجع عزو القناديلي ورسوبه في الصف الرابع، الذي كان من مؤداه تركه للمدرسة، وعمله مع أبيه في بيع اللحم. وتدور الأيام وتتوالى الأحداث في حياة الاثنين، فينهي فايز دراسته بنجاح، ويصبح مدرساً في الجامعة، بينما تارك الدراسة ـ عزو ـ تتحول ملحمته إلى مطعم عصري، ويفتتح مكتباً فارهاً للتصدير والاستيراد، في أحد شوارع حلب الراقية، ويصول ويجول كيفما يشاء في واقع مريض لا يأبه لنجاحات فايز الأكاديمية، قدر انحيازه لعزو القناديلي وأمواله المتزايدة، بعدما أصبح في عداد الطبقة الطفيلية في المجتمع، لذلك لم يعد فايز مطمئناً إلى قوة إنجازاته ونجاحاته التي حققها في مسيرته الدراسية، رغم أنه هتف لنفسه: «يوم دخلت لألقي أول محاضرة على طلابي، وددت لو أدعو عزو القناديلي فيكون شاهداً بأم عينيه على نجاحي الباهر» لكن شيئاً من هذا لم يحصل، وكل شيء فقد بريقه، وهو يرى ممتلكات القناديلي ومكتبه العصري، وبيته الحديث في حلب الجديدة، بينما هو يلاقي الأمرين في حياته، وما كان يمنّي النفس بأكثر من بيت بسيط في حلب القديمة، والاقتران بشريكة العمر، وحين سعى إلى تحقيق ذلك بشراء البيت القديم، الذي هجره القناديلي تأتي المفاجأة من القناديلي نفسه، وهو يعتذر عن بيع البيت قائلاً بأنه سيجعله مخزناً للأعلاف، فيتراجع فائز ويخبئ أحلامه بسين التسويف، بعد امتلائه بالصدمة التي ترك الكاتب فداحتها ومرارتها على الأسطر الأخيرة من سياقه السردي، الذي أقامه على نهاية مفتوحة تشي باستمرار ما تتعرض له الشخصية الثقافية من غبن وظلم، معتمداً في تجسيد مرامي القص على تقنية المفارقة، التي أظهر عبرها حدة التباين القائم بين «الأنا» الثقافية مالكة الفكر و«الأنا» الاستهلاكية مالكة المال، وفق أسلوب السرد الذاتي الذي يرى توماتشفسكي تتبع الحكي فيه يكون من خلال الراوي أو السارد، الذي يسميه جيرار جينيت «الراوي المماثل»، ورغم هيمنة القاص محمد بسام سرميني عليه في بنيته السردية، إلا أنه ظل محافظاً على سجايا شخصياته القصصية، وعلى مستوى منطوقهم اللغوي المبسط الذي أجراه على ألسنتهم بمفردات محكية مفصحة، استثمر من خلالها المفارقة القائمة بين المعنى الماثل في هذه المفردات، والحال الواقعي لشخصياته، وقام بتوظيف ذلك لصالح الحدث الذي يقوم عليه سياق السرد، كما هو الحال في قصة «مبروك ألف مبروك» حيث تكون «هيفاء» قصيرة وبدينة، على نقيض اسمها الذي يشع منه ضمور البطن وطول القامة.. وكذلك الحال الذي يصيب «منتصر» في قصة «ابتسمت لي القلعة» فهو يخرج من المحكمة خاسراً الحكم العدلي، وليس فائزاً كما يعبر اسمه رغم عدالة قضيته في واقع مريض ومشاكس للكادحين بلا انتهاء، جسد قسوته محمد بسام سرميني بقصص مال فيها إلى تجزئة الحدث، وفق لوحات ومقاطع سردية، مثلت إلى السياق بعناوين فرعية وهو ما يمكن اعتباره شكلاً للتجريب، الذي يطمح فيه بلوغ أطر أخرى للقص على الصعيد الفني، بينما محتوى السرد عنده جاء بسياق تسجيلي، أفضى به إلى واقعية نقدية لواقع مُر، تتوالد فيه الأزمات وتتكاثر، وحين تتعاظم جراح الشخصيات وانكساراتها في مجابهة غير متكافئة لما يدور في هذا الواقع، يقدم لأبطاله وهم يحصون فداحة خسائرهم، قلعة حلب وهي تهز رأسها لهم، وتبتسم في لوحة تعبيرية تطفح بالمأساة، ويأتي حضورها كشاهد حيّ لا يغفو ولا ينام عن معاركهم التي تشتد وتمتد رقعتها، لتشمل سائر مكابداتهم الحياتية التي استولت على سائر مساحات السرد..
٭ كاتب من سوريا