في يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من شهر مايو/أيار الماضي، أعلن المجلس الأعلى للثقافة في مصر جوائز الدولة التشجيعية والتفوق، والتقديرية، وجائزة النيل في الفروع المختلفة، من الآداب إلى العلوم الاجتماعية والفنون. في كل عام يثور الجدل الذي قليلا ما يشير صراحة إلى عدم أحقية بعض الأشخاص للجائزة، لكن دائما يشير إلى أن الجوائز بشكل عام ليست موضوعية، وتحكمها اعتبارات شللية، دون أن يوضح أحد ما هي الطريقة الأفضل لاختيار الفائزين التي تنهي هذا الجدل، أو على الأقل تقلل منه.
مقترح واحد قرأته هذا العام في صورة انتقاد للجوائز من أيمن تعيلب أستاذ النقد الأدبي والعميد الأسبق لكلية الآداب جامعة قناة السويس، وصاحب المؤلفات والأبحاث المهمة في النقد الأدبي والأدب المقارن وهو، لماذا يتم الإعلان فقط عن القوائم القصيرة للفائزين، ولا يتم الإعلان عن القوائم الطويلة، حتى يمكن المقارنة بينهما. قد يبدو هذا مقترحا معقولا يريد منه إدراك لجان اختيار القوائم القصيرة، أن المقارنة واردة بين اختياراتهم والقوائم الطويلة، فتحسن الاختيار ويقل الانتقاد.
هنا من المهم أن نعرف أن جوائز الدولة تمر بثلاث مراحل، الأولى هي الترشح أو الترشيح. الترشح يكون من الكتّاب أنفسهم في جائزة الدولة التشجيعية. أما الترشيح فيكون من جهات ثقافية وفنية في جائزة الدولة التقديرية وجائزة النيل. جائزة التفوق يمكن فيها الترشح والترشيح معا، فهي جائزة وسطى بين التشجيعية والتقديرية. جائزة النيل هي أرفع الجوائز. جائزة الدولة التشجيعية تكون عن كتاب واحد أدبي أو فكري. بقية الجوائز تكون عن مُجمل أعمال الكاتب.
هذه المرحلة الأولى تشكل فيها الأسماء القوائم الطويلة التي قد تصل أحيانا إلى عشرة في كل فرع، فالترشيح مفتوح من الجامعات والمراكز الفنية والثقافية بطول وعرض البلاد. تأتي المرحلة الثانية من لجنة يكونها المجلس الأعلى للثقافة، لاختيار القائمة القصيرة، بحيث لا يربك الأمر اللجنة العليا التي تختار الفائز، فإذا كان من تم ترشيحهم لجائزة الدولة التقديرية مثلا عشرة، فالجائزة تعطي لثلاثة فقط في كل فرع، فيتم اختيار القائمة القصيرة من خمسة أو ستة أشخاص على الأكثر، ليتم الاختيار بينها بسهولة. جائزة النيل في كل فرع جائزة واحدة، فيكون اختيار القائمة القصيرة من إسمين فقط، فيسهل اختيار أحدهما. هذه طريقة صحيحة في عمل كل الجوائز تقريبا في أي مكان، فما هي المشكلة؟ المشكلة ليست في إدارة الجوائز، لكنها تأتي من أسباب بعضها يخص حصول اسم يراه المنتقدون ضعيفا، وبعضها يأتي من أمر شخصي، وهو أن بعض الكتاب يشعرون بأنهم أولى بالجائزة، وإن لم يفصحوا عن ذلك. بالنسبة لي أنا الذي فزت بكل جوائز الدولة عبر السنين، ليس لي أي غرض شخصي، ولا يمكن أن يكون، لأنه في هذه الحالة سيثير السخرية. جائزة واحدة لم أحصل عليها، وهي جائزة الدولة التشجيعية، ولها حكاية قد تكون مفيدة.
في عام 1995 قرأت خبرا، أن وزير الثقافة وقتها الفنان فاروق حسني، رفع قيمة جائزة الدولة التشجيعية من ألفي جنيه إلى عشرة آلاف، فتشجعت وتقدمت إليها لأني كنت أمر بضائقة مالية مثل كثير من الكتاب. عرفت من كاتبين كبيرين كانا عضوين في الجائزة، أن بقية اللجنة لم توافق حيث اخطأتُ وقدمت لهم رواية «المسافات» وهي رواية منشورة عام 1980 والشرط أن لا يكون قد مرّ عامان على صدورها. العضوان اقترحا على اللجنة أن تعطيها لي على روايتي «البلدة الأخرى» أحدث إصداراتي وقتها، لكن الأغلبية رفضت. تم إعلان الجائزة وفاز بها صديق من الإسكندرية هو سعيد بكر، رحمه الله، وكان يستحقها. لكن بعد إعلان الجائزة حدث أمران.
اكتشفت أن قرار الوزير الفنان فاروق حسني بزيادة قيمة الجائزة لن يطبق ذلك العام، لكن في العام التالي. والأهم أني فزت في العام التالي بجائزة نجيب محفوظ من الجامعة الأمريكية في دورتها الأولى عام 1996 عن رواية «البلدة الأخرى». حمدت الله أن أعضاء لجنة الجائزة التشجيعية لم يوافقوا على اقتراح الكاتبين العضوين باعتماد الرواية للجائزة، لأن الجامعة الأمريكية لم تكن ستعطي الجائزة لرواية فازت بجائزة سابقة. فتحت جائزة الجامعة الأمريكة أبواب الترجمة وغيره مما هو مغلق بسبب صراع بعض الأدباء. تأكد لي من يومها أن الجوائز أرزاق، أو مثل الزواج (قسمة ونصيب).
المهم نعود إلى ضجة هذا العام التي لا تختلف عن ضجة كل عام ولا فائدة مرجوة منها. فقط اقتراح أيمن تعيلب بأهمية نشر القوائم الطويلة، حتى يمكن المقارنة بينها وبين القوائم القصيرة، إذا استدعى الأمر ذلك أراه مهما. في النهاية فالذين ينتقدون الجوائز لا أعرف كيف لا يرون أسماء مهمة فازت بها في العلوم الاجتماعية مثل صابر عرب الفائز بجائزة النيل، وله ما له من مؤلفات عظيمة وأعمال رائعة في المناصب التي تولاها، رئيسا لدار الكتب، أو وزيرا للثقافة لوقت قليل بعد ثورة يناير/كانون الثاني 2011. أو فوز كل من المصور سعيد شيمي ومهندس الديكور أنسي أبو سيف بجائزة الدولة التقديرية ويستحقان أكثر، أو فوز حسين حمودة بجائزة الدولة التقديرية في الآداب وله ما له من أعمال عظيمة في الفكر والحياة الثقافية. كما ذهبت جائزة النيل للمبدعين العرب، للشيخ سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة، وهو الكاتب والأديب والمترجم والمؤرخ، تقديرا لدوره وجهوده الرائعة في دعم الآداب والفنون.
الأسماء كثيرة يضيق بها المقال تستحق كل جميل، فإذا كان هناك من يرى حصول كاتب ما على الجائزة وهو أقل منها، فالأغلبية تستحقها عن جدارة، ويمكن اعتبار هذا الاختيار أمرا يعود إلى ذائقة المحكمين، وليس إلى فساد الجوائز، كما قال الكثيرون. لكن يظل لي سؤال مهم جدا وهو كيف لم يفز أحد هذا العام بجائزة في الفن التشكيلي ومصر مليئة بالأسماء العظيمة. هل لم ترشحهم جهة ما؟ كيف ومن أهم جهات الترشيح الأتيليه في القاهرة والإسكندرية وغيرهما فضلا عن كليات الفنون. إذا كانت هناك أسماء تم ترشيحها فلماذا غابت، وإذا كان هناك غيرها في الفنون الأخرى، فكيف لم تظهر أسماء مبدعين في الفن التشكيلي، وهناك فنانون لهم أثرهم في مصر والعالم. هذا هو أهم سؤال رأيته على السوشيال ميديا هذا العام، وقد وافق رأيي ولن أمشي وراء أي فكرة سلبية أخرى.
شيء آخر مهم وهو أننا عرفنا أن كاتبا مثل مصطفى نصر كان في القائمة القصيرة لجائزة الدولة التقديرية لكنه لم يفز بها. من فازوا بها يستحقون حقا، لكن في جوائز الدولة يمكن أن يتم النظر حين يتساوى الإنتاج إلى العمر أيضا، فإنتاج جيد مع عمر متقدم يكون أولى بمن هم أصغر ولهم فرصة مقبلة. أقول حين يتساوى الإنتاج من فضلك، وليس العمر وحده حافزا على الجائزة. عموما الإسكندرية بشكل عام غائبة كثيرا عن جوائز الدولة، فإلى جانب مصطفى نصر هناك من الأدباء الكبار الذين هرموا ويستحقون، ومن أجيال تالية أسماء كثيرة مهمة في الأدب والدراسات الاجتماعية، أيضا. هذا مما أحب أن أشير إليه. غياب أسماء يتكرر غيابها مثل عصمت داوستاشي الفنان التشكيلي، والكاتب الذي حتى حين يتم ترشيحه لا يفوز، وكذلك أسماء مثل ثروت البحر صاحب الإبداع الفني الذي عرفته معارض العالم والجهد الأدبي والفكري العظيم، وكذلك فنان مثل ماهر جرجس أجمل تجسيد للسريالية في فضاء المدينة أو غيرهم. أيها الأخوة الذين تقومون بالترشيح، أو المختارون لتصفية الأسماء، الإسكندرية تم تدميرها حقا كمدينة عالمية، أو حتى مصرية. صارت مسخا حقا، لكن لا يزال فضاؤها أوركسترا رائعة من أعظم الكتابات والفنون.
كاتب مصري