طارق فريد زيدان في “الجورنالجي وكاتم الأسرار”: محمد حسنين هيكل ومصطفى ناصر تحفظا حول صلابة الاتفاق النووي مع إيران وهوية قتلة رفيق الحريري

سمير ناصيف
حجم الخط
0

صحافيان راحلان مخضرمان من كبار المحللين المطلعين على خلفيات الأحداث في الشرق الأوسط، كانا من المستشارين المقربين جداً من إثنين من أبرز قادة العالم العربي في أواخر القرن الماضي ومطلَع القرن الـ21 اجتمعا في كتاب واحد وتناولا قضية الاتفاق النووي بين إيران والدول الخمس زائد واحد وتوقعا حدوث اهتزازات فيه من منطلق قلّما تصل إلى عمقه التحليلات والتوقعات الأخرى.

هذان الصحافيان اللذان خسرهما العالم العربي في السنوات القريبة الماضية هما محمد حسنين هيكل (المصري الجنسية) ومصطفى ناصر (اللبناني الهوية). هيكل كان المستشار المقرب جداً من الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، الذي ترأس مصر من مطلع خمسينيات القرن الماضي وحتى وفاته عام 1970 والثاني كان كاتم أسرار رفيق الحريري، الذي قاد حكومة لبنان من مطلع تسعينيات القرن الماضي وحتى اغتياله في 14 شباط (فبراير) 2005.

عنوان الكتاب هو “الجورنالجي وكاتم الأسرار: محمد حسنين هيكل ومصطفى ناصر، أسرار وذكريات”. وكتبه طارق فريد زيدان وهو كاتب ورجل أعمال سعودي حضر شخصياً ووثّق معظم اللقاءات التشاورية بين الرجلين نظراً لحيازته على ثقتهما، فهو صهر الأستاذ مصطفى ناصر، وكان مصدر ثقة لهيكل أيضاً.

أهم فصلين في هذا الكتاب الذي شمل فصولاً هامة أخرى، هما الثاني والرابع، اللذين سنركز عليهما في هذه المراجعة.

عنوان الفصل الثاني: “اللقاء النووي” وعنوان الفصل الرابع: “مَنْ قتل رفيق الحريري؟”.

اللقاء حول الاتفاق النووي تم بين الرجلين في الإسكندرية (مصر) في الليلة التالية لتوقيع ذلك الاتفاق بين إيران والدول الكبرى الست في نيسان (ابريل) 2015 والذي أكد خلاله هيكل لمصطفى ناصر أنه “من شبه المستحيل (أو الصعب جداً) ان يستطيع أي رئيس جمهورية أمريكي أن يوقع على اتفاق بهذه الأهمية (كالاتفاق النووي مع إيران) أو أن يلغيه من دون موافقه الكونغرس الأمريكي، وأن كل رئيس جديد يصل إلى البيت الأبيض يجد حقائق مختلفة عن سابقه وقد يُسقط الخيارات القديمة ويتخذ خيارات جديدة تناسب الأوضاع” (ص 49 ـ 50). ولعل هذا ينطبق على وضع الرئيس جو بايدن حالياً. ذكاء وبُعد نظر هيكل دفعاه أن يتوقع (عام 2015) أن يفعل ترامب (أو غيره) ما فعله ذلك الرئيس عام 2018. وقد توفي هيكل في شباط (فبراير) 2016 أي قبل وصول ترامب إلى الرئاسة. ورحل ناصر منذ عامين.

قال هيكل لمصطفى ناصر في ذلك اللقاء إن: “أمريكا اشتغلت وتشتغل اليوم للضغط على إيران من أجل السيطرة على سوريا والأردن ولبنان، وأن التناقض الأمريكي ـ الإيراني في عام 2015 باقٍ، ما دام نظام الجمهورية الإسلامية قائماً في إيران، إذ أن إيران ملاصقة جغرافياً وسياسياً لروسيا والصين وهما خصما أمريكا الرئيسيين وذلك الواقع الجيوسياسي تواجدَ في العهود الإيرانية السابقة والحالية” (ص 52). وأضاف هيكل في اللقاء: “عندما درس الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قضية إمكانية التقارب مع إيران، أوضحت إليه قيادة ترامب في أمريكا وحلفاؤها في العالم الغربي أنها هي الوحيدة المخولة القيام بهذا التقارب بمبادرات منها وحدها ولا أن يقوم بها بمفرده، والقضية ليست (بنظرهم) فقط الاتفاق النووي المهم بالفعل ولكن لا تجوز المبالغة في أهميته”. (ص 52 ـ 53)

ولعل هذا التحليل التنبؤي لهيكل (آنذاك) فسّر ويفسر لماذا تغتال أمريكا وإسرائيل شخصيات سياسية وعسكرية بارزة وفاعلة في الشرق الأوسط والعالم العربي تحاول أن تتخطى هذه المعادلة، كرئيس الحكومة اللبنانية رفيق الحريري أو غيره ممن يقومون بمبادرات فردية إزاء إيران وحلفائها كحزب الله. مشكلة أمريكا وإسرائيل ليست فقط أمنية بل سياسية (حسب قول هيكل) فهي تتمثل في أن يستطيع نظام طهران الانتشار والتأثير السياسي والعسكري والنفوذ خارج فلكه، وان يستمر في التمرد على مشيئة أمريكا وإسرائيل وحلفائهما في الغرب، ولن تقبل أمريكا (تحت أي قيادة) بقاء نظام قوي في إيران يحاول القيام بهذا الدور الأقليمي والعالمي”. (ص 53)

وقد يتذكر القارئ أن شاه إيران السابق خضع لتقليم لأجنحته عندما انفتح على العراق والدول المجاورة والاتحاد السوفييتي السابق. إذن القضية (في رأي هيكل) ليست نووية أمنية صاروخية فقط بل قضية جغرافية سياسية. وهنا كان دهاء هذا العملاق الفكري الذي وثقَ به العملاق السياسي العربي الراحل جمال عبدالناصر. فأمريكا تخشى أنظمة على حدود روسيا والصين تكون مناوئة لها، وروسيا والصين تمثلان خطراً سياسياً واقتصادياً لواشنطن مهما كان النظام فيهما. وأمريكا ستظل تحاول “ترويض” إيران، مهما كان نظامها السياسي. والقضية ليست قضية “حزب الله” في لبنان والمنطقة فقط. فهذا الأمر يندرج في قصقصة أجنحة إيران في الشرق الأوسط وهناك علاقة شك وحذر بين أمريكا وروسيا والصين منذ منتصف القرن الماضي وحتى الساعة (في رأي هيكل) وهناك تناقض بين أدوارهم (ص54 ـ 55). أما بالنسبة إلى سوريا، فأمريكا (حسب هيكل): “لا تريد تقسيم سوريا بل استبدال النظام الحالي فيها بنظام يناسب مصالحها” (ص 57). وأسِفَ هيكل على وضع فلسطين في ذلك اللقاء، قائلا: “فلسطين مجسد تردي الوضع العربي” (ص 63).

في الفصل الرابع، بعنوان “من قتلَ رفيق الحريري؟” يؤكد الكاتب انه حاول مراراً استدراج هيكل ومصطفى ناصر إلى البوح بما يملكانه من أسرار حول هذا الموضوع في لقاءاتهما، ولكنهما كانا يغيران الموضوع، ويؤكدان محبتهما واحترامهما الكبيرين للرئيس رفيق الحريري. وأكد مصطفى ناصر مراراً لصهره (المؤلف) انه فقد شيئاً كبيراً في حياته بعد اغتيال رفيق عمره الحريري، وأن علاقتهما عادت إلى سبعينيات القرن الماضي عندما التقيا في الرياض (السعودية). ويشير إلى انه (أي ناصر) كان صلة الوصل بين رفيق الحريري والأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله وكان يُقل رفيق الحريري بسيارته الخاصة إلى الضاحية الجنوبية في بيروت للقاء نصر الله. ويشير إلى أن رفيق الحريري قال لنصر الله في أحد هذه اللقاءات: “أنت جبل” من المقاومة، وأنا جبل في الاقتصاد والأعمال، فدعنا نضع أيدينا معاً لنستنهض البلد” (ص 92). ويؤكد ناصر للكاتب أن هذا اللقاء تم بعد صدور قرار الأمم المتحدة رقم 1559. ويضيف الكاتب قائلاً أن رفيق الحريري كان يقول لنصر الله بأنه “يفخر بأنه نشأ وترعرع في جنوب لبنان في مدينة صيدا العروبية، وأنه حمل على كتفيه السلاح دعماً لحركة “القوميين العرب”. (ص 93)

أما بالنسبة لوراثة رفيق الحريري، فيقول ناصر للمؤلف: “إن رفيق لم يحضر أحداً لوراثته إذ لم يكن لديه الوقت لذلك، آنذاك، ولكنني أتعاطف مع سعد الحريري كثيراً من الناحية الإنسانية لفقدانه والده بهذه الطريقة البشعة، وبسبب الضغوط التي تعرض لها بعد ذلك”. ويضيف: “إلا ان مشكلة سعد و(تيار المستقبل) ومحبيه وداعمي رفيق أن لهم أكثر من والد واحد. فابو سعد البيولوجي هو رفيق، ولكن أبيه السياسي هو فؤاد السنيورة وآخرين في (تيار المستقبل) وبعض هؤلاء ساهموا في إنطلاق أحداث أضرت بتيار المستقبل كأحداث 7 أيار (مايو) 2008 وصدور قرار عن مجلس الوزراء اللبناني بإعفاء مدير أمن المطار وفيق شقير، وتفكيك شبكة اتصالات حزب الله مما ساهم في إشعال الأوضاع”. (ص 94 ـ 95)

يضيف ناصر قائلاً إلى صهره، كما وردَ في الكتاب: “بين حرب تموز (يوليو) 2006 ومواجهات 7 أيار (مايو) 2008 قاسم مشترك هو التدخل الخارجي في محاولة إشعال الحرب في لبنان… هذا هو لبنان”.

ويؤكد الكاتب أن زيارات رفيق الحريري الليلية إلى الضاحية الجنوبية في بيروت للقاء نصر الله (بمشاركة مصطفى ناصر) استمرت لاحقاً وقام بها نجله سعد بعد تسلمه القيادة، وأن رفيق الحريري وحسن نصر الله كانا يتبادلان الملاحظات الودية حول جذورهما في الجنوب اللبناني.

ويضيف مستشهداً بما قال له عمه قبل وفاته:

“ان رفيق عُرضَ على نصر الله زيارة السعودية على ان ينتقل إليها بواسطة طائرته الخاصة، كما دعاه لزيارة قصر الحريري في قريطم برأس بيروت والنوم في سريره” (ص 98). كما يشير الكاتب ان هيكل كان معجباً برفيق الحريري وكان يعتبره “داهية سياسية”.

ونجح الكاتب في استدراج عمه مصطفى ناصر في لقاء معه في مونتي كارلو (موناكو) في صيف 2017 إلى الادلاء ببعض الآراء حول من قتلَ رفيق الحريري حيث قال مصطفى في جلسة عائلية حميمة وخاصة: “أعتقد ان قتلة رفيق أكثر من جهة واحدة، فجميع الجهات الدولية والإقليمية كانت منزعجة من تعاظم دوره. في الأقليم، تواجدت إسرائيل الحاقدة وزعماء تقليديون وقادة شباب بلا خبرة، والملك السعودي فهد كان كهلاً ومريضاً، وفرعون مصر (مبارك) كان يستجيب لرفيق برنةِ هاتف، وكان للحريري حلفاء مقربون في النظام السوري (خدام والشهابي وغيرهما) والرئيس الفرنسي جاك شيراك والنظام البريطاني دعماه. في مثل هذه الأوضاع، كبرَ دور رفيق الحريري، ووصل إلى حجم متعاظم، وخشي أعداء لبنان والأمة العربية تقاربه مع المقاومة اللبنانية وقادتها.

فالكلام عن أن حزب الله قتل رفيق الحريري غير دقيق، وخصوصاً لان علاقة رفيق مع قيادة حزب الله بدأت قبل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وكانت مواقفهما شبه متطابقة بالنسبة للسلام في الشرق الأوسط مما يخالف مشاريع التيار الأمريكي ـ الإسرائيلي والغربي في المنطقة، الذي غزا العراق بقيادة جورج بوش الابن والمحافظين الجدد” (ص 105). فسأله الكاتب: “هل هذا يعني أن أمريكا وإسرائيل قتلتاه؟”

فأجاب: “أنا لستُ رجل أمن بل رجل سياسة، وسأكتب مذكراتي يوماً ما وأضمنها معلوماتي السرية”.

وقد توفي مصطفى ناصر قبل أن يفعل ذلك. وقد يتساءل البعض لماذا حدثت اغتيالات أخرى بعد اغتيال رفيق الحريري وتناولت سياسيين لبنانيين من حلفاء أمريكا؟ وقد تُطرح التساؤلات عن هوية مرتكبيها، فيما قد يرى البعض الآخر ذلك في محاولة الجناة التمويه وإلصاق التهمة بحزب الله والنظام السوري. لعل التاريخ وحده سيحسم هذا الموضوع، وقد يكون مصطفى ناصر مخطئاً في تحليلاته علماً انه توفي بسبب إصابته بمرض السرطان فيما توفي هيكل في مطلع عام 2016. وقد خسرهما العالم العربي.

طارق فريد زيدان: “الجورنالجي وكاتم الأسرار

شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت 2019

293 صفحة.

 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية