الكاتب والصحافي أسامة الرحيمي قريب جدا من الأدباء لغة وأسلوبا. أصدر من قبل كتاباً يحوي حواراته بعنوان «بوح المبدعين» وكتاب «صباح الخير يا منى» وهو رسائل بينه وبين زوجته الأديبة منى الشيمي. كتابه الجديد «طباطيب العِبَر» يجذبك بعنوانه. الطباطيب جمع طبطبة، وأن تطبطب على شخص يعني أن تشاركه الهم، أو تشجعه على الاحتمال، أما العِبَر، فهي الدروس التي ستستخلصها من أيّ شيء. الكتاب كبير صادر عن دار «دريم بن» ويقع في خمسمئة صفحة.. ينقسم إلى ثلاثة أقسام، الأول وهو الأكبر، تحت عنوان «فيما جرى لبلدنا وقرانا» والثاني بعنوان «من طرائف أهالينا البسطاء» والثالث بعنوان «الشخصيات ـ وجوه أظهرها الغياب».
العنوان الفرعي للكتاب «حكايات أدبية من الدراكسة» وهو اسم القرية في محافظة الدقهلية، التي ولد ونشأ فيها أسامة الرحيمي، وشهدت حياته الأولى قبل أن يأتي إلى القاهرة. وما دامت هي حكايات أدبية، فيمكن أن تنتظر فيها خيالا أكثر من الحقائق، لكن الحقيقة أنها حقائق تفوق أحيانا الخيال. القسم الأول من الكتاب ينفرد بالحديث عما جرى في الريف والبلاد، إلى جوار ما جرى لمن يتحدث عنهم. وهنا يتغلب الصحافي والمفكر على الأديب أحيانا، فيصف لك أسباب الصعود أو الهبوط في المجتمع. ثلاثة عناصر جذبت انتباهه هي، «التملّية» وهم الذين يعملون في الريف، أو حتى المدن، أعمالا شاقة بائسة، ولا يصلون إلى ما يسد رمقهم. العنصر الثاني هو، العصاميون من الناس الذين كافحوا لتربية أولادهم، العنصر الثالث، هو نبلاء صادفهم في الطريق، ينثرون القيم أينما مروا دون إدراك. «التملّية» يشغلون المساحة الأكبر، وما جرى لهم ولغيرهم بعد ثورة يوليو/تموز 1952. لقد انفتحت طاقة القدر لهم في سبتمبر/أيلول 1952 بقانون الإصلاح الزراعي، لكن أكثرهم لم يعرفوا أن لهم نصيبا من توزيع الأراضي. كيف كانوا يعيشون.. الراديو وكيف ظهر في القرى، في الوقت الذي تباعد فيه الإقطاعيون عن الناس بعد ما جرى لهم. تغيّرت حياة الناس فالتفوا حول الراديو، وطرائف الاستماع إليه حتى ظهر التلفزيون في أوائل الستينيات أو «التلافزيون» كما ينطقها أهل الريف وقتها. بالمناسبة عشرات من الكلمات في الكتاب يأتي بها بنطقها الفلاحي، في محاولة منه لتصوير الحياة. السينما وسيارات الثقافة الجماهيرية، التي راحت تجوب القرى لعرض الأفلام. الهيام بفريد شوقي، حتى أن المقاهي كانت تكتب لافتة «فيلم اليوم لفريد شوقي ومحمود المليجي». فريد شوقي المنتصر دائما على الأشرار. حديث ضافٍ عن درجات التملّية كما كانوا في زمن الوسايا والإقطاع، وكلهم في قاع الحياة يسرقون طعامهم من الغيطان. والعاملون في الوسية من ناظر حرامي، وباشكاتب خرب الذمة، يختاره الناظر لذلك، والباشا لا يلتفت أو يهتم، فالمهم النتيجة في المحاصيل التي يحصل عليها. تملّية الوسايا هم الأسوأ حالا وأتعسهم. يقدم نموذجا للتعاسة، امرأة عاشت في شقاء في الوسية، وكيف وقعت ضحية لعامل شيطان في المغازلة حتى صدقته، وتذكرت أنها امرأة. حين دخلت معه أحد المخازن فوجئت بكل السكان يدخلون عليهما ويضحكون ويشمتون، فتجري إلى الحقول لتموت بعد ذلك. لم يكن لها أن تتذكر أنها امرأة. أيضا أمثلة للتغير حتى في وجهه البشع، فالطبيب الذي هو صاحبه الأكبر سنا، بعد أن تغيرت الأحوال ينسي أنه ابن تملّي، ولا يوافق على عمل أشعة مجانية لفقيرة لا تملك الثلاث جنيهات، لتجريها على قدم ابنها المكسور. الطبيب الذي كان الحظ في جانبه بقرارات الثورة ومجانية التعليم، لكنه يتنكر للبؤساء ويطرد السيدة المسكينة.
مواسم الحصاد وجمال الغناء، خاصة في مواسم جني القطن، وما جرى في مصر، وانتهاء زراعة القطن. كيف بعد الحصاد كان الملاك يتركون في الأرض آخر ما بقي من المحصول، يجمعه الفقراء الذين ابتدعوا لذلك اسم «الخَرْبَة».
مواسم الحصاد وجمال الغناء، خاصة في مواسم جني القطن، وما جرى في مصر، وانتهاء زراعة القطن. كيف بعد الحصاد كان الملاك يتركون في الأرض آخر ما بقي من المحصول، يجمعه الفقراء الذين ابتدعوا لذلك اسم «الخَرْبَة». وهي ظاهرة لم تكن موجودة قبل ثورة يوليو، فالإقطاعيون لا يتركون شيئا، لكن من فازوا بالخمس فدادين كانوا يفعلون ذلك كنوع من الكرم. خبرته هو في العمل مع عمه في النقاشة، ومصطلحات المهنة العجيبة في المحارة والدهان، ثم كيف كان النزوج إلى الخليج، فذهب الأسطوات، وبقي غير المتدربين.
هزيمة 1967 وما جرى من هجرة أهل بورسعيد إلى القرى، وكيف أدخلوا إليهم ما لا يعرفون مثل الآيس كريم أو الجيلاتي والجاتوه والتورتة وغيرها من الحلويات، وأشكال الملابس الجديدة للنساء. انتقلوا من عصر القباقيب الخشبية إلى الشباشب البلاستيك، وكيف كان يوم رحيلهم وعودتهم إلى بلادهم بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 فرحة للبورسعيدية حقا، لكنه بكاء لهم وعويل. من أجمل فصول الكتاب الفصل المعنون «سعد الشاعر مات» وسعد الشاعر هو شاعر السيرة الهلالية، الذي كان يجوب البلاد. طقوس الاحتفالات بالزواج وحضوره إليها، وكيف يهيئ الناس للدخول في السيرة الهلالية. يقدم الكاتب مقتطفات طويلة منها بعضها شعري وبعضها نثري حكائي عن التغريبة وبلادها، وكيف يتلون صوت سعد الشاعر مع أحوال أبو زيد، من السخرية إلى الحرب إلى الغَزَل، وكيف زادت حاجة الناس بعد هزيمة 1967 لمن يعادل أحوالهم النفسية، ولم يكن أنسب لهم من صولات وجولات أبو زيد الهلالي سلامة، ليساندهم ويمنعهم من الانهيار، وأيضا بعد موت عبد الناصر الذي ساهم بأبويته في تحسين أحوالهم، لكنها الأبوية التي لم تشركهم في الديمقراطية فحدثت الهزيمة، وكيف فتح السادات طريق الانهيار حتى بعد النصر، واستمر فيه مبارك فعاد الإقطاع، لكن بشكل آخر، وأسماء وولاءات أخرى، وخربت القرى والأرض الزراعية.
الطرائف التي في القسم الثاني حكايات عن شخصيات جانحة أو هامشية قابلها، كل منها يصلح قصة أو رواية. الرجل الذي يخاصم المساجد، فيقاطع الصلاة لأي سبب، كأن يبصق شخص جواره وهو يتوضأ، أو لا تعجبه قراءة الإمام، أو يعبر أمامه طفل غير متعمد، وكيف كان سعيدا رغم ذلك ببناء مسجد ثالث في القرية ثم خاصمه أيضا. نماذج بشرية غريبة مرتبطة بالبيئة والمكان والفقر، حتى نصل إلى الجزء الأخير لوجوه بعض النبلاء من العاديين او الطبقة المتوسطة. اختار أنا منها مهران فالحديث طويل، الذي انتقل للقاهرة وهو في السادسة عشرة. كيف اشتغل في مقهى لخواجة إيطالي، ولقاؤه صدفة بمصور يوناني وانبهاره بالاستوديو، فلقطه المصور اليوناني ليعمل مساعدا له، أتقن المهنة حتى جاء في أحد الأيام، ضابط كبير للتصوير. كان الضابط لواء في الجيش خمسيني العمر، فقام مهران بالتصوير لأن اليوناني غير موجود. أعجب به اللواء الذي ظنه يونانيا، فقال له إنه من غيطان المنصورة. قامت ثورة يوليو، وفرح مهران لأن صورة اللواء المعلقة على الحائط منذ شهور، هي نفسها صورة كبير الضباط الأحرار محمد نجيب. حدثت أزمة مارس/آذار واختفى نجيب. رحل اليوناني وأغلق المحل وعاد مهران إلى القرية، وبعد سنوات سافر إلى القاهرة ليزور محمد نجيب المحبوس في بيته لا يغادره، كان ابنه قد توفي فذهب مهران يعزيه فيه، كيف رآه هرما متعبا ودار هذا الحوار المؤلم:
– أزيك يا سيادة الرئيس.
– ياه.. سيادة الرئيس.. فيه حد لسة فاكر، أنت مين؟
– مهران يا افندم مصوراتي شارع سليمان..
– مهران.. يا نهار .. أنت لسة عايش.
وضحكا معا حتى قال محمد نجيب:
– والله فيك الخير يا مهران. أنت الوحيد من كام وتلاتين مليون اللي لسة عارف أنا مين . أنا نَفسي أحيانا أنسى أنا مين
– البقية في حياتك يافندم شد حيلك
– وفين الحيل يابني. ونشدّه ليه لسة يا مهران؟
وبكيا معا وتبللت ملابسهما بالدموع..
روائي مصري