طرائق مريحة من أجل دفن كاتب

حجم الخط
0

جرت العادة أن نهتم بكاتب ناجح، بمن يفلح في كسب القراء ونيل إجماع النقاد، من يصل بروايته إلى استمالة أكبر قدر من الناس، بمن يستطيع خطف جوائز أو تصدر المبيعات، نهتم بمن يضمّن نصه قضية جديدة، أو يُغامر صوب تجربة مخالفة في الكتابة، هكذا جرت الأمور في ما سبق، لكننا لم نفكر قط في حالة شاذة أخرى، حالة كاتب وصل ـ فعلاً ـ أعلى مراتب الاهتمام النقدي، كسب معادلة القراء، فضلاً على أنه نجح في افتكاك جائزة مرموقة، قبل أن يسقط سقوطاً حراً، ويدفن أدبياً وهو ما يزال حياً، كاتب ما كاد أن ينعم بحياة الاهتمام، حتى وجد نفسه متوارياً في قرية بعيدة، في الصحراء الكبرى، يعتزل الكتابة، رغم حداثة سنه، ينتحر أدبياً ويصير اسماً منبوذاً، بل إنه هو أيضاً سينبذ الكتابة إلى غاية وفاته، يتنكر لكل ما كتبه، يدير ظهره لماضيه، ويصير الأدب لعنة في حياته، بعدما كان مبشراً بمسيرة من النجاحات.
لم يكن صيف 1968 فقط صيفاً للثورة الطلابية في فرنسا، ولا موسماً للرفع من رقعة الحرية وإحالة المحافظين إلى المتحف، لم يكن مجرد صخب في الشوارع، ولا مجرد شعارات تملأ الحيطان وتطن في الآذان، كان أيضاً صيفاً أدبياً، ففي ختام ذلك الفصل ظهرت رواية بعنوان «فريضة العنف» لكاتب شاب في الثامنة والعشرين من العمر، يسمى يامبو ولوغام، وُلد وكبر في مدينة صغيرة، جنوب شرق دولة مالي، على الحدود مع بوركينا فاسو (أو فولتا العليا حينذاك) لم يكن أحد في الحي اللاتيني قد سمع باسمه، كانت «فريضة العنف» باكورته، التي بمجرد نزولها إلى المكتبات، حققت ما عجز عنه جيل الأدب الزنجي، أوصلت صاحبها إلى ذروة الاهتمام النقدي وأكسبته قراء من مدن فرنسا المختلفة، تحول في أسابيع قليلة إلى ظاهرة أدبية، ذلك الكاتب المجهول قبل 1968 بات اسمه يتردد على الألسنة كلها، في الجرائد وفي محطات الراديو، وروايته تتداولها الأيادي دون كلل، شرع في مغامرة حالمة لم يكن يحلم بها، دخلت الرواية في قوائم ترشيحات أهم جوائز الموسم، بل نالت أيضاً جائزة رينودو في خريف العام ذاته، التي سبقه إليها جان ماري غوستاف لوكليزو (الذي سوف ينال نوبل لاحقاً) وميشال بيتور (أحد أقطاب تيار الرواية الجديدة) صار يامبو ولوغام أول افريقي يحوز واحداً من تشريفات الموسم الأهم في فرنسا، متفوقاً على كتاب شمال افريقيا، وعلى نظرائه من دول الساحل، الذين سبقوه في التجربة، وسرعان ما طافت تلك الرواية لغات أخرى، ترجمت في وقت وجيز إلى عشر لغات، لكن حدثاً سوف يقع ويجعل من كاتبها شخصاً غير مرغوب فيه، بل يعيده من حيث جاء في أعماق دولة مالي، في مدينة لا نعرف اسمها سوى على خرائط الرحالة أو قادة الحملات الكولونيالية.
تعود «فريضة العنف» إلى حدود القرن الثالث عشر ميلادي، يحكي فيها الكاتب عن إمبراطورية سكنت الساحل الافريقي، وامتد نفوذها إلى غاية ليبيا، تدعى «إمبراطورية ناكم» ويسرد كيف أن العبودية اخترعها زنوج ضد زنوج آخرين، قبل وصول الاحتلال الأوروبي، في هذه الرواية يكتب يامبو ولوغام ما يشبه أسطورة، حكاية متخيلة، لكنها ـ كما قال وقتها ـ مبنية على مصادر موثقة، عن العبودية وعنف الافريقي ضد نظيره الافريقي، ويضعنا بين فصولها في مواجهة شعب كامل ولد من رحم العبيد، وشهد وصول الكولونيالية من الشمال في القرنين التاسع عشر والعشرين.

في عام 1971 تحولت المقالات النقدية التي احتفت بالرواية إلى مقالات في النيل من الكاتب نفسه، بعدما سارع أحد النقاد إلى تشبيه رواية «فريضة العنف» برواية «آخر العادلين» لآندري شوارتز بارت، وتوالت حملات الإساءة ليامبو ولوغام، الذي كتب مقالاً يُدافع فيه عن نفسه، لكن لا أحد أصغى إليه.

في هذا الجو من هيمنة الزنجي على الآخر، يحيلنا إلى سيطرة أصحاب رؤوس المال على غيرهم من الشعب، كيف أن الأغنياء يراكمون عبيداً دون عدد، هي رواية في إدانة العنف، لم تخلُ أيضاً من إدانة الاستعمار الذي استلهم ممارساته في الساحل الافريقي من ممارسات اجتماعية كانت موجودة من قبل. من خلال بطل الرواية المسمى سيف بن إسحاق الحيث، الذي سوف يصير وسيطاً للمحتلين الأوروبيين في تنظيم سوق الرق، يدين الكاتب ممارسات استعبادية من الجانبين، كما لا يتوانى عن الخوض مع خصومه من حركة الزنوجة، التي تزعمها ليوبولد سيدار سنغور (الشاعر الذي صار رئيساً لدولة السنغال) الذين صوروا الافريقي بوصفه مظلوما، بينما رأى يامبو ولوغام العكس، ولم يستثن أحداً من نقده في هذه الرواية ـ المانيفستو، التي حال صدورها وصفتها جريدة لوموند بأنها أول رواية تستحق صفة رواية افريقية، وهي رواية نفى فيها فرضية أن تكون افريقيا أرضاً للبرابرة، كما روجت لذلك الفرضية الكولونيالية في تبرير احتلالها لتلك القارة. استطاعت «فريضة العنف» أن تصنع الحدث، وتتحول إلى رواية الموسم، قبل أن تتوارى بعد ثلاثة أعوام من صدورها وتجرف كاتبها إلى النسيان.
في عام 1971 تحولت المقالات النقدية التي احتفت بالرواية إلى مقالات في النيل من الكاتب نفسه، بعدما سارع أحد النقاد إلى تشبيه رواية «فريضة العنف» برواية «آخر العادلين» لآندري شوارتز بارت، وتوالت حملات الإساءة ليامبو ولوغام، الذي كتب مقالاً يُدافع فيه عن نفسه، لكن لا أحد أصغى إليه، وجد نفسه مجرداً من مجده، وأول من تخلى عنه، كان ناشره، الذي أوقف إعادة طبع الرواية، قبل أن تختفي كلية من الرفوف، لم يطق الكاتب تلك الصدمة، ولم يجار منتقديه ومن اتهموه بالسرقة الأدبية، مفضلاً اعتزال الكتابة والانعزال في بلدته في جنوب شرق مالي، إلى غاية وفاته عام 2017، لكن قبل أن يلفظ أنفاسه بسنوات قليلة، راجعت دار النشر حساباتها، وردت له الاعتبار، بإعادة نشر الرواية، برأته من تهمة السرقة الأدبية، ونظمت جامعة لوزان مؤتمراً دولياً في مناقشة عمله، لكن الوقت كان قد فات، فقد سقط حينها اسم ولوغام في مستنقع النسيان، صاحب الرواية الافريقية الأهم في القرن العشرين، عاش آخر أيامه نكرة لا يعرفه أحد، ألصقت بظهره تهمة، أثبت الزمن هشاشتها، هكذا دفنا واحد من أهم الكتاب في حمى البحث عن السبق الصحافي وتأجيج الإثارة النقدية.

روائي جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية