«طفلة الرعد» رواية اللبنانية غادة الخوري: عندما تسمو وجهة نظر المبدع فوق الأحداث

صابر رشدي
حجم الخط
0

هذه رواية لبنانية بعمق، مكتوبة بحبر القلب، لكاتبة معجونة بتفاصيل الحياة داخل هذا البلد الجميل، القريب إلى كل عربي. فالقارئ، سيكتشف بعد صفحات قليلة، أنه هناك، مغروساً مع الشخصيات، ماضياً مع السرد، الذي يتخذ واقعاً محلياً خالصاً، لينسج منه حكايته. تتذكر معه ريف يوسف إدريس، وقرى نيكولاى غوغول، ودروب كريت عند نيكوس كزانتزاكيس.. إلخ. كتابات تعد وثائق تاريخية واجتماعية للمكان تضيء لقارئ المستقبل شكل هذه العوالم والمدن، وكيف كانت حياة البشر الذين تحولوا على الورق إلى كائنات من لحم ودم. يعيشون واقعهم النصي مطابقاً لواقعهم العياني، على نحو مدهش. بالفعل، إذا استطعت أن تتغلغل تحت جلد شخصيات هذا العمل، فقد صرت على مقربة من لبنان الحديث، قابضاً على كثير من الأشياء التي كانت مجهولة لديك. ستعرف بعضاً مما جرى، بعيداً عن مقالات الساسة والصحافيين، المثقلة بشوفينيات طائفية، عرقية، طبقية، وأيديولوجيات لا حصر لها. أضف إلى ذلك، الانحيازات مدفوعة الأجر، الممولة خارجياً، من قِبَل أصحاب الأجندات المتصارعة، الذين يهمهم احتلال مواقع متقدمة فوق هذه الساحة الساخنة على الدوام، التي لا تغيب عن أنظار الجميع، سواء القوى الكبرى، أو القوى الإقليمية، ما يجعل الحقيقة تتوارى وراء دخان تحريف الوقائع، وتزييف التاريخ. وإشاعة جو من الضباب، حول أحداث الثلث الأخير من القرن العشرين حتى كتابة هذه السطور.
عندما تبدأ في قراءة هذا العمل، قد تتذكر دعوة موسى عليه السلام: «وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى يَفْقَهُوا قَوْلِى» (طه: 28). فبطلة الرواية «هيلانة» المسيحية تعاني عيبًا خلقياً في النطق وهو «التأتأة»، حتى كان يطلق عليها أحياناً لقب «التأتوءة»، على نحو جعلها تتجنب العالم، وتصادق الرعد فهو الأعلى صوتاً في الوجود. والأكثر وضوحاً والمنذر بمطر الخير، أو بالسيول العارمة المدمرة.
قد يكون لدى المرء حلول جيدة لكثير من المشكلات، ولكنه قد لا يستطيع التعبير عنها بلسان فصيح، ونطق واضح مبين، أو أن يكون محاطاً بأسوار عالية، تمنعه من الوصول إلى عقول وآذان من بيدهم الحل والربط من المتصارعين. إن «التأتأة» في هذا العمل لعبة رمزية، تكشف عن عدم الوصول إلى نوع من التفاهم مع الآخر، واستمرار العناد، رفض الاستجابة، حتى تبقى الاشتباكات بين الهويات المختلفة، والكيانات العديدة، قائمة، مشتعلة، بلا مبررات حقيقية، حتى لو كان الجميع يرفعون شعار الوطن والوطنية.
من خلال هذه التركيبة المعقدة، تزيل الكاتبة، الحواجز بين الخيال الأدبي، ووقائع الحياة، تحاول بناء تاريخ جديد، مُستخلَصاً من بين أنقاض الماضي، مواجهة الحاضر بسردية أقرب إلى الشهادة. استطاعت غادة الخوري أن تنسج رواية على النمط الواقعي، معتمدة على عناصر عديدة. مكان مغرق في محليته: قرية «دير زوفا»، زمن مشتعل: «سبعينيات القرن العشرين»، شخصية مركبة: «هيلانة». تحمل وجهات نظر صائبة في كثير من الأمور، وآراء ثاقبة. إنها لعبة فنية لصنع المفارقة. فكل الأشياء المراد كشف الحُجب عنها تتصاعد عبر مونولوجات من داخلها، حواراتها مع نفسها، أو من خلال دفترها الذي تدون فيه ما يدور في ذهنها، حيث تبوح بكل شيء، بلا تحفظ.

كاتم أسرارها

دفترها هو صديقها المخلص، كاتم أسرارها، الكشاف الذي يلقي الضوء على المناطق المعتمة داخل الرواية. منذ البداية، قامت الكاتبة ببناء المكان، وحركت في داخله الشخصيات، معطية الصدارة لبطلتها، لكنها لم تشأ أن تلقي بمفتاح شخصيتها الرئيسة في بئر عميقة، بل وضعته أسفل الباب، قريباً من عتبة الرواية، ربما في الصفحات الأولى، حتى نعرف من هي هيلانة. وذلك بعد أن مضت بنا خطوات داخل الحكاية، فقد اخترعت مشهداً روائياً، ظهر فيه بوضوح تعثر هيلانة في النطق عندما ذهبت لتقديم واجب المباركة إلى مدرسها وعروسه، رغم كراهيتها لقاءات البشر، وتواريها عنهم، فقد كانت تلميذته، يومًا ما، في المدرسة.
وكان نبيل ذلك المعلم الذي جاء مستأجِراً الطابق الأرضي، فور زواجه، هو الذي كان يؤازرها وهي صبية صغيرة، ويقوم بتشجيعها أمام كل التلاميذ، مثنياً على خطها، وترتيبها الصفحات، وهو الوحيد من بين المعلمين الذي كان يعفيها من القراءة بصوت عالٍ حتى يحميها من تنمر الطلبة. دار حوار الذكريات في تلك الجلسة، وظهر تعثر لسان هيلانة المزمن. فأراد أن يجاملها قائلاً:
«أتعلمين أن أعظم الكتاب عانوا مثلك… من المشكلة نفسها؟»
فانصرفت من فورها بحجة سماع صوت بكاء طفلتها. إن لديها من الحيل والدفاعات ما يبدد الحزن والألم. أنهكت نفسها في الغسيل والطبخ، رفعت صوت الراديو كي يغطي على صوت الأستاذ في رأسها. ثم سحبت دفترها الصغير لتكتب، أو، بالأحرى، لتكشف لنا غادة الخوري، مبكراً، جانبًا مهمًّا من أغوار تلك الشخصية:
«ما يعرفه الآخرون عنا يلتصق بوجهنا وجلدنا وأنفاسنا… يصير دبقاً… من يعرفنا يسجننا في قالب نهائي لا فكاك منه… يحجب عنا شمس ولادة ثانية. لكل منا موته الخاص تماماً كالولادة… لكننا نموت كثيراً ونحن أحياء! لماذا لا نولد أكثر من مرة؟ لو أن الناس لا يعرفوني… لو أختفي إلى مكان لا يعرف أحد فيه ماضيَّ، لاخترعت لنفسي شخصية بلا شوائب… لادعيت أنني لا أتقن العربية وأحاول تعلمها، حتى إذا تأتأت ظنوا أني أتلعثم بكلمات غريبة عليَّ. لكن لا مفر. أنا عالقة هنا في هذه القرية البائسة، ولا مخرج لي سوى الهرب بخفة أرنب».
لماذا اللجوء إلى هذا المقطع؟
لأنه يمثل مدخلاً مهماً لقراءة الرواية. فهيلانة قارئة كتب جيدة، صاحبة تعليقات على ما تقرأ، ولها آراء نقدية مثيرة للانتباه، من هنا ستكون هي حاملة أفكار الرواية، بعدما تم منحها هذا الاستحقاق ببراعة فنية. سنكتشف معها أننا نطالع عملاً سياسياً بامتياز. من خلال وعي هيلانة وإدراكها التحولات التي تحدث على الساحة اللبنانية. بدا ذلك واضحاً عند زيارة أخيها، وملاحظتها وجود عَلَم الحزب القومي. سألته: «فكرتك بتحب الفلسطيني». تتحدث عن الفلسطينيين بحب، وألم. حزينة على أوضاعهم، بلا بيت، بلا وطن، بلا أهل، منبوذين خارج أوطانهم. ثم راحت تتحدث عن ذكرى استشهاد غسان كنفاني الذي قهرها موتُه على هذا النحو الحاقد. تتذكر جملته الشهيرة: «الكلمة مثل الرصاصة». غسان كنفاني تحديداً، كأيقونة القضية الفلسطينية، التجسيد المثالي للأدب المقاوِم، الذي أزعج الكيان الصهيوني، فخطورة كتاباته تعادل عدة فرق مسلحة… كنفاني يرمز إلى الكفاح بالقلم والرصاص. مقاتل لا يلين.
يطول الحوار أحياناً، يكشف عن أعماق الشخصيات، يغني عن الوصف التقريري، فالكلمات لها قوتها التعبيرية التي تضيء الجوانب المظلمة، وتكشف عن الأفكار والتحيزات دون تدخل من الكاتبة التي تفضل أن تبقى بعيداً عن التعليقات، تاركة المتلقي يقوم بتحليل هذه الشخصيات. لا مانع أيضاً، من اختراع أسطورة، تلقي بظلالها على أجواء الرواية، اعتماد تاريخ شفاهي لـ«دير زوفا»، عن سر التسمية بزهر الزوفا وإطلاقه على الدير، تلك القرية التي اختصر فيها تاريخ الحرب الأهلية، حيث بدت كمرآة لامعة تنعكس عليها تلك الأحداث الشهيرة.

الصدمات المتتالية

تتسع الرؤية وتضيق أحياناً، لكنها تظل ماكثة داخل هذا المحيط المكاني. يبدأ المجاز بنشوب حريق كبير في حرش الصنوبر، على نحو مثير للشكوك داخل هذه القرية المسيحية. يتم إطفاؤه، لكن تظل هناك جذوة، مدفونة تحت الرماد، تتفاعل مع رياح الريبة، والتحفز، والتربص، تشتعل تارة ثم تخبو. لكن خطرها ماثل على الدوام، في انتظار نفخة قوية، تتطاير معها نيران التعصب. حريق، يتلوه جريمة قتل شاب بيد صديق عمره الذي شاركه سنوات الدراسة الأولى، وقطاف المواسم، والتنافس على قلوب بنات القرية، حتى انتقلا إلى بيروت للالتحاق بالجامعة، وهناك انضم كل منهما إلى حزب معادٍ للآخر، واختلفا على موقف سياسي، كان نتيجته تصفية أحدهما الآخر، وانقسام أهل القرية في تعاطفهم بين عائلتيهما، بكل ما يشكّله ذلك ويعنيه، من إرهاصات فتنة، وبروز تعدد انتماءات، وولاءات، حتى صار الأفق ملبداً، ثم تأتي وفاة أم صالح، حماة هيلانة، في الوقت نفسه، وهي التي تمثل مصدر الأمان والطمأنينة، وحماية البيت بوجودها المعنوي.
رمزية فقدان فضيلة احتواء كل الأبناء أثمرت هذه الصدمات، المتتالية، عن تعرض هيلانة للإجهاض في الشهر الثاني من الحمل. وهي رمزية أخرى تحمل دلالتها داخل الرواية، موت المستقبل، وتفتح الأبواب لما هو قادم. مناوشات، وتخوفات ما بين المسلمين والمسيحيين، توترات، كانت تتصاعد عبر الحوارات المطولة التي احتشدت بها الرواية على حساب السرد، أحياناً، في بعض الفصول، حتى كادت تطيح بعنصر الإحكام، وتعطي فرصة كبيرة للترهل، نتيجة الثرثرات الزائدة، وعدم تفعيل تقنية الحذف…
على الجانب الآخر، نرى هنا حذلقة المدرس اللغوية، ثم اكتشافنا المفاجئ أنه ثقيل الظل، لا يخلو من رقاعة، وتطفل. ثم تحرّي هيلانة عن موت أمها، وأبيها، وأيضاً عن الموت الغامض لـ وردية شقيقة زوجها صالح. من وراء موتها محترقة؟
هذا التحري الذي يتنقل عبر الرواية من فصل إلى آخر، تصحبه لمسة تشويقية، تجعل القارئ يترقب النتائج، ويتعجل معرفة ما الذي جرى. الانتقال من الخيالي إلى التاريخي، بقفزة جريئة، في قلب الصراعات اللبنانية. التحول من المجازي والرمزي إلى الحقيقي الذي تم تشويهه، عبر تدوينه بوجهات نظر متعددة، محكومة بأيديولوجيات الفرقاء، والمتصارعين. استبدال بالخلفية التاريخية لحبكة الرواية التاريخ نفسه، والذي يبدأ مع ذكر محاولة اغتيال بيار الجميل واتهام الفلسطينيين بأنهم وراء هذه الجريمة. وحوار الكراهية/ حوار التعاطف، على ألسنة شخصيات الرواية. تصاعد الصراع بين أتباع حزب الكتائب وبين الفلسطينيين. نبل هيلانة، واتخاذها موقفاً مشرفاً تجاه الفلسطينيين، وقضيتهم، تحت ظل ثقافة خاصة بها تعزز الانتماء، قابضة على هويتها اللبنانية العربية. انطلاق لسانها وهي تحاول إيقاف هذا الانزلاق السريع نحو الكارثة. لقد تأكد لديها، مع اختفاء زوجها. وتكاثر الاشتباكات في القرية، القتل على الهوية، وجريان الدم عند أتفه الأسباب، بأنها إزاء حرب أهلية، دافعها سوء النية، والتعصب الطائفي البغيض، وحرب ستكتسح ذلك البلد الوسيم.
أخيراً. تلك رواية لا تنكأ جراحاً بقدر ما تُعلي من قيم التفاهم والتسامح بين أبناء الوطن الواحد. إنها قصيدة حب، مفعمة بالإنسانية الحقة، مهداة إلى لبنان وفلسطين والعرب جميعاً في كل مكان.
غادة الخوري: «طفلة الرعد»
دار الآداب، بيروت 2023
326 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية