طقوس مصرية للاحتفال السينمائي بالمناسبات الدينية والقومية

هناك من الأفلام المصرية القديمة والحديثة التي لا يشاهدها الجمهور، إلا في المناسبات فقط، حيث تم ربطها بالأحداث التي تُشير إليها دون النظر إلى قيمتها الفنية وحجمها الإنتاجي، وبراعة من شاركوا فيها من كُتاب ومخرجين ومُمثلين وفنيين.
لقد رسخت سياسة العرض التلفزيوني لأفلام بعينها في أزمنة الرقابة المُختلفة وحسابات الرقباء النمطية للفكرة التقليدية التي سارت عليها خُطة عرض الأفلام والبرامج لسنوات طويلة، فأفقدت بعض الأفلام قيمتها الحقيقية فباتت مجرد شهادات تسجيلية تُقدم في المناسبات التي تحظى باهتمام جماهيري خاص، علماً بأنها لم تُنتج خصيصاً بغرض الاحتفال، وإنما جاءت رد فعل للأحداث وترجمة صادقة وموضوعية للوعي بأهمية توثيق التاريخ، وربطه بالحاضر والمُستقبل، والاستفادة من دروسه وعظاته وما يحويه من تفاصيل.
لقد ارتبط عرض الأفلام الدينية والتاريخية على سبيل المثال بمناسبتين رئيسيتين وهما، المولد النبوي ورأس السنة الهجرية، فهما فقط اللائقتان بعرض ما أنتجته السينما المصرية والعربية من أفلام لها الخصوصية ذاتها، فمع حلول الذكرى السنوية لأي من المناسبتين يتم على الفور تجهيز مجموعة من الأفلام الخاصة بهذا الشأن مع توصية بعرضها على جميع قنوات التلفزيون الرسمي، والقنوات الخاصة إلزاماً وبشكل تقريري لتأكيد الاهتمام الشعبي بالمناسبتين العزيزتين. وبناء عليه ووفق التعليمات يتم انتقاء الأفلام المُختارة حسب المزاج والذوق الخاص لمن يمتلك صلاحية الاختيار، ويأتي الترتيب المُعتاد كالتالي، عرض فيلم «الرسالة» للمخرج مصطفى العقاد باعتباره الأقوى فنياً والأحدث نسبياً من حيث تاريخ الإنتاج والعرض، ثم تتوالى بعد ذلك عروض الأفلام الأخرى كـ»فجر الإسلام» و»ظهور الإسلام» و»الشيماء» إلى آخر قائمة العناوين المعروفة والمحفوظة عن ظهر قلب. وبالتبعية يتم عرض فيلم «الناصر صلاح الدين» وفيلم «وإسلاماه» من باب التكثيف واستعراض القُدرات التاريخية للسينما المصرية وأسبقيتها في الاهتمام بهذا اللون الإبداعي النوعي الفريد.
وعلى هذا النحو تمضي المناسبة الدينية الإسلامية بطقوسها الاحتفالية الخاصة، وتُسجل محطات الإعلام المختلفة أنها كانت سباقه في إبراز الحدث الديني أو التاريخي، والتعامل معه بما يليق به من تقدير واهتمام، وكالعادة تُدخر الأفلام للعام التالي، ولا تخرج من العلب إلا بقرار إداري في الموعد نفسه.

وتتكرر الظاهرة كما هي مع الأفلام السياسية والقومية، فما يخص ثورة يوليو على سبيل المثال يظل محفوظاً في الأرشيف إلى أن تأتي التعليمات فيُفرج عنها في عيد الثورة، وبناءً على توجه كل محطة فضائية، يتم اختيار الأفلام المُعبرة عن وجهة النظر، فإذا كان هناك تأييد لثورة يوليو واتفاق على إنجازاتها، كان الاحتفال إيجابياً وظهرت الأصداء في أفلام كـ«رد قلبي» و«غروب وشروق» و«ناصر 56» و«أيام السادات» باعتبارها أفلاماً تُقدم رؤى تحليلية مؤيده لحركة يوليو ورجالها ورموزها، وتكشف الوجه المضيء للثورة الأم وتُسلط الضوء على أهم ما حققته من أعمال لصالح الشعب، خاصة الطبقات الفقيرة. وعلى العكس من كل الجوانب الإيجابية تبدأ عمليات الاحتفال بثورة يوليو بشكل نقدي حاد، إذا كان المُحتفلون في المنبر الإعلامي من المُعارضين لها، إذ تبدأ التلميحات الأولى بعرض صور وتسجيلات للرئيس محمد نجيب، ووضعها في صدارة المشهد لنفي قيادة الحدث التاريخي عن الرئيس جمال عبد الناصر واعتباره الرجل الثاني في تنظيم الضباط الأحرار، ومن ثم سلب امتياز الزعامة منه كشخصية أساسية ومحورية في أحداث الثورة والتكوين التنظيمي للضُباط الأحرار. وبالطبع تُستغل في ذلك التسجيلات القديمة والصور الأرشيفية الأولى السابقة على تولي عبد الناصر رئاسة مجلس الوزراء ثم رئاسة الدولة. وبهذه الحيلة يتم توجيه الأفلام التسجيلية توجيهاً خاصاً لتُعطي معنى آخر مضادا يُشير إلى انقلاب جمال عبد الناصر على محمد نجيب وتنحيته بالقوة لتولي القيادة بدلاً منه.

ولكي تكتمل الحكاية وتنطلي فصولها على بعض العامة من الناس، تأخذ المحطات الفضائية المناوئة للثورة في عرض الأفلام التي تُعطي انطباعاً سلبياً عن فترة حُكم عبد الناصر، وتبدأ كما هو مُعتاد بعرض فيلم «الكرنك» الذي يصور محنة الاعتقال وأزمة الحصول على الاعترافات القسرية من السياسيين والمُثقفين تحت التعذيب، كإشارة للظلم الذي وقع على المُعارضين للنظام الناصري في حينه. ومن «الكرنك» إلى بقية الأفلام الأخرى المُشابهة يتم تداول الرؤى على الشاشات الفضائية الخاصة، حيث ينصب التركيز على ما تم تسميته بدولة المُخابرات، أو الدولة البوليسية التي كانت مُتحكمة آنذاك في كل تفاصيل الحياة المدنية تبعاً لوجهات النظر المعادية. وللإيهام بذلك يتم عرض فيلم «شيء من الخوف» للمخرج حسين كمال برمزيته ودلالته وفيلم «ميرامار» لشادية ويوسف شعبان وفيلم «طائر الليل الحزين» لمحمود مرسي وفيلم «ثرثرة فوق النيل» لعماد حمدي وأحمد رمزي وعادل أدهم وفيلم «حافية على جسر الذهب» لميرفت أمين وفيلم «إحنا بتوع الأتوبيس» لعادل إمام وعبد المنعم مدبولي وفيلم «اتنين على الطريق» لشمس البارودي، إلى آخره حتى تتأكد نظرية الحُكم الشمولي وديكتاتورية عبد الناصر، ويُعاد النظر في ثورة يوليو وهو المُنحنى الأخطر في فكرة توظيف السينما لتحقيق عنصر التعبئة المعنوية المُضادة مع ضبط موعد عروض الأفلام في توقيت خاص للغاية، بحيث تشوه الصورة الذهنية الراسخة عن ثورة يوليو ورجالها ومُكتسباتها، فتُستبدل تلقائياً بصورة أخرى جديدة ليس فيها ما يُبهر الجماهير أو يحفزهم على الاحتفال بها والتمسك بمبادئها.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية