طواف حول مدينة كاد ينساها التاريخ

حجم الخط
0

رومانيا تكاد تصير شبه غائبة، عن نشرات الأخبار في العالم العربي، على الرغم من القرب النسبي مع هذا البلد الشرق أوروبي، فإننا بالكاد نعرف ما يحصل فيه. لقد عرف تقلبات جسيمة، في نصف القرن الماضي، وفي خضم الركض خلف الأنباء الطازجة، والانطواء على أنفسنا، أهملنا الانتباه إليه. تاريخ مديد من الشيوعية عرفته رومانيا، تحت رعاية من كان يُطلق عليه «الأخ» أو «الرفيق» أو «القائد» نيكولاي تشاوتشيسكو. في تلك الحقبة كان الأدب تابعاً للسياسة، كان الكاتب جزءا من خيارات الحاكم، لا يُعارض ولا ينتقد، بل يُهادن ويتقبل ما يحصل. ومن تجرأ من الكتاب على الخروج من الجوقة الرسمية تصيبه لعنة الرقابة، في أفضل الحالات، والسجن إن أصر على ما يفعل. فقد كانت دور النشر والجرائد كلها تحت رعاية حزب واحد، لكن الثورة جاءت عقب تهاوي جدار برلين. ففي شتاء 1989، عرف هذا البلد أن الديكتاتورية ليست قدراً، بل زلة تاريخ، وأن الخروج منها ممكن، لكنه ليس هيناً، بل أسال دماء في الأزقة والشوارع، دام الصخب والرصاص أياما، قبل أن يشهد تشاوتشيسكو نهاية تراجيدية، وفتح الرومانيون الباب صوب تاريخ جديد، يتأبطون رغبة في عيش مُغاير.
بمجرد طي صفحة الشيوعية، دخلت البلاد مرحلة منفتحة على الاحتمالات، لم تكن مهيأة لها، انفجرت الآراء المتصادمة في ما بينها، تحررت الألسنة، واندفع الناس إلى ممارسة السياسة، فتذوقوا للمرة الأولى طعم المعارضة. كانت فترة حالمة ـ تلك التي عقبت نهاية الأخ أو الرفيق ـ راود فيها الناس حلم أن رومانيا سائرة في خيار التقدم وأن بوخارست سوف تصير عاصمة الشرق الكبير. في هذا الجو من التدفق نحو الحرية سوف يظهر جيل جديد من الكتاب، يدشنون مغامرة جديدة، من بينهم ميرسيا كارتاريسكو (من مواليد 1956) الذي بات اليوم من أشهر كتاب البلد، هو الذي ولد في بوخارست ولم يغادرها قط، يتصدر اليوم المشهد الروائي، ليس محلياً فقط، بل في القارة العجوز إجمالاً، إنه حكاء كما لو أنه خرج من عباءة «ألف ليلة وليلة» دون أن تخونه هشاشة تراجيكوميديا، مستوحاة من تأثره بمسرح الإغريق.

أدب المدينة

ميرسيا كارتاريسكو جعل من بوخارست موطناً للقصص، راكم تجربة مهمة، في انتظار أن تصل إلى العربية. كان وما يزال شاهداً على التحولات الكبرى، لم يُمارس السياسة لكنه حاكاها في نصوصه، جعل من السخرية في نصوصه نهجاً يخفف من ضنك عيش مواطنيه، وعاصر هذا الانتقال الصعب إلى الديمقراطية في رومانيا. لم يعتبر نفسه يوماً كاتباً ملتزماً بقضية ما أو خادماً في الدفاع عن مسألة أيديولوجيا، بل ظل مسايراً لمزاجه، «أنا لا أكتب من أجل أن أنشر أو أن يقول الناس عني كاتباً، بل أكتب كي لا أنسى ما عشته» كما قال. لا يبالي بالتابوهات التاريخية، مستمسكاً بوظيفته كحالم يسرد ما يشاهده أو ما يتخيل أنه شاهده، يحكي قصصاً لم يعشها (كما صرح) لكنه تمنى حدوثها، فالواقع ليس ـ بالضرورة ـ ما يحصل أمام أعيننا، بل هو أيضاً تلك الأشياء التي تحصل في غيابنا. لم يساير موضة الكتابات القومية ولم يمل إلى تصوير بوخارست في صورها المشعة، كما يفعل البعض، بل كتب عنها من منظور محايد، بتناقضاتها، لكن بزخم ألوانها وفرحها أيضاً.

ميرسيا كارتاريسكو جعل من بوخارست موطناً للقصص، راكم تجربة مهمة، في انتظار أن تصل إلى العربية. كان وما يزال شاهداً على التحولات الكبرى، لم يُمارس السياسة لكنه حاكاها في نصوصه، جعل من السخرية في نصوصه نهجاً يخفف من ضنك عيش مواطنيه، وعاصر هذا الانتقال الصعب إلى الديمقراطية في رومانيا.

بدأ ميرسيا كارتاريسكو شاعراً، لكنه سرعان ما أدرك أن مدينته يروقها الحكي لا التغني بوجهها، فانتقل إلى الرواية، مقتفياً أثر كتاب شغلوا باله طويلاً، أمثال ديستويفسكي، كافكا أو إرنستو ساباتو، وظفر بمرتبته الأساسية في وطنه. اشتهر، في البدء، بثلاثية «أوربيتور» (أو المدار) التي لم تغب عنها نغمة الشاعر، وقد قضى أربع عشرة سنة قبل أن يتمها، مستحضراً بين ثناياها ذكريات الطفولة، ومسجلاً أحلامه، لم يغب عنه شيء في اليقظة أو المنام، كمن يكتب يومياته كل لحظة، بين الحلم والذكريات تدور أحداث هذه الثلاثية، التي تتحول فيها بوخارست إلى شخصية متكاملة، إلى جسد يسير على قدمين، لم يكتف بصورتها من مجرد كونها مدينة من إسمنت وحطب وحديد، بل انغمس في أحشائها كي يستعيد علاقته المضطربة بها، حباً تارة وجفاءً تارة أخرى.

كاتب يتساءل عن جدوى الكتابة

بعدما نشر عشر روايات، أصدر ميرسيا، أخيراً، رواية «اللولب» التي على الرغم من حجمها الكبير (أكثر من 600 صفحة) يمكن أن تقرأ بسلاسة، استمر في سرد بوخارست، بين فورانها وخمولها، وجعل هذه المرة من حياته الشخصية مادة روائية، بدل أن يسرد مذكراته عن عالمه القديم، فضّل أن يفضحها من منظور آخر، يترك شخصية متخيلة تحكي عن لسانه، بطل الرواية مدرس للغة الرومانية ـ تماماً مثل المؤلف ـ يحيا في ضاحية بوخارست، يشرع من البداية في تساؤلات عن جدوى الأدب وفائدة الكتابة، ينتقد الكتاب، ويسخر من مسوداته، ولا يرى في الأدب من منفعة ما لم يستطع تغيير وجه العالم، بدءاً من هذا السؤال الكبير: كيف نغير وجه العالم بالأدب؟ يشرع ميرسيا كارتاريسكو باب مغامرة شائكة، يجعل من عزلته التي يعيش فيها عماداً يقيم عليه الكون الذي يرجو الوصول إليه، يفكر في أشكال حل بعض ألغاز الحياة من أجل بلوغ البعد الرابع في المغامرة البشرية، يسحبنا إلى روايته، التي يتعسر فعلاً تصنيفها، فهي ليست رواية من النوع الذي تعودنا عليه، بل مزيج من أنماط مختلفة، من المذكرات، السردية التاريخية، من تجميع قصص قصيرة، من المونولوغ المطول، من المقال الصحافي، ومن البحث الأدبي، لكن العنصر المشترك بين كل ذلك أنها تغوص في أزقة وطرقات بوخارست، يدرج صاحبها مقاطع مطولة في توصيف حالات المدينة وساكنتها، إنها رواية عاصمة رومانيا بامتياز. يعود فيها إلى سنوات الشيوعية، حيث كانت الحياة تبدو بلونين لا ثالث لهما ويقترح ما ظنه وصفات في الخروج منها، وبين الفينة والأخرى، لا ينسى تذكير القارئ كونه مشروعا روائيا فاشلا، نعم، رغم كل ما فعله لا ينظر لنفسه سوى أنه كاتب فاشل، من منطلق أنه لم يحط بكل جوانب مدينته، نظراً إلى أنها في تحول سريع، ليس فيها يوم يشبه اليوم التالي.

روائي جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية