طوفان بشري في تشييع نصرالله وصفي الدين في المدينة الرياضية في بيروت

سعد الياس
حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: حلَّ الموعد المنتظر للحدث الذي ترقبته الأوساط الرسمية والشعبية، ونجح «حزب الله» في تحويل جنازة أمين عام «الحزب» السيد حسن نصر الله وخلفه السيد هاشم صفي الدين إلى مناسبة لإثبات حضوره الشعبي القوي رغم ما أصابه في الحرب مع الجيش الإسرائيلي. وقد تحدى مئات الألوف موجة الصقيع والتهويل الإسرائيلي وحضروا إلى مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت سواء من الجنوب أو البقاع أو الضاحية لوداع «السيّد» بعد 5 أشهر على استشهاده في غارة إسرائيلية مدمرة ووصلت وفود من أنحاء العالم العربي والإسلامي أهمها من العراق وإيران (حضور منهما بعشرات الآلاف) واليمن والكويت والبحرين وتونس.
وقد تقدم المشيعين رئيس مجلس النواب نبيه بري ممثلاً نفسه ورئيس الجمهورية العماد جوزف عون، وممثل رئيس الحكومة نواف سلام وزير العمل محمد حيدر، ورئيس مجلس الشورى الإيراني محمد علي قاليباف ووزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي اللذين حضرا على رأس وفد ايراني ضم 40 شخصية برلمانية، الرئيس السابق أميل لحود، رئيس «تيار المردة» سليمان فرنجية، نائبا «التيار الوطني الحر» سليم عون وسيزار ابي خليل ووفود روحية من مختلف الطوائف وسط تأهب رسمي واستنفار غير مسبوق على مستوى الأجهزة الأمنية التي اتخذت الإجراءات والتدابير اللازمة كافة في المدينة الرياضية ومحيطها تحسباً لأي مستجدات قد تخل بالأمن وسلامة المشاركين.
وقد زحفت الجماهير باكراً إلى المدينة الرياضية التي غصّت مع الطرقات المحيطة بها بالحضور، وقد خاطبهم المذيع «يا عشاق نصرالله رددوا معي: «إنا على العهد يا نصرالله» ستبقى بيننا وصوتك يلهمنا ويرون أثرك في كل تلة وواد ويرعبهم طيف غيابك» مضيفاً «اليوم ندفن قلوبنا، اليوم ندفن رموش عيوننا، فلنسمع العالم «إنا على العهد يا نصرالله».
بعد ذلك، إنطلقت مراسم التشييع عند الساعة الواحدة بعد الظهر غداة دخول نعشي نصرالله وصفي الدين على عربة ملفوفين بعلم «حزب الله» على وقع خطابات للسيد نصرالله حيث علت الهتافات ودمعت العيون وبينها عينا الرئيس بري الذي كسره رحيل «السيد».

خطاب قاسم

بعد ذلك، أطل الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم من على شاشة موجهاً تحيّة للحشود المشاركة وقال: «أخاطبكم باسم أخي وحبيبي السيد حسن نصر الله السلام عليكم يا أوفى وأكرم وأشرف الناس ويا من رفعتم رؤوسنا عالياً. نودّع اليوم قائدًا تاريخيًا استثنائيًا وطنيًا وعربيًا إسلاميًا يمثل قبلة الأحرار في العالم» لافتًا إلى «أن السيد حبيب المقاومين وجهته فلسطين والقدس وهو الذي ساهم في إحياء هذه القضية».
وعرض قاسم لسيرة نصر الله، قائلاً «قاد المقاومة إلى الأمة وقاد الأمة إلى المقاومة. ذاب في الإسلام والولاية، واستشهد في الموقع المتقدم» معتبراً «أن السيد باقٍ في خط سيره وجهاده وأنت حيّ فينا، وسنحفظ الأمانة وسنسير على هذا الخط، وأنت القائل هذا الطريق سنُكمله جميعًا حتى لو قُتلنا جميعًا وإنّا على العهد يا نصر الله».

الصمود والاستمرارية

وبعدما عبّر عن افتقاده للسيد صفي الدين وعن عزمه على عدم ترك الأسرى لدى العدو الإسرائيلي، أكد قاسم «أن الحشد اليوم هو تعبير عن الوفاء الذي قلّ نظيره في تاريخ لبنان» مذكّراً «أن معركة إسناد غزة هي جزء من إيماننا بتحرير فلسطين، وواجهنا الكيان الإسرائيلي والطاغوت الأكبر أمريكا التي حشدت كل إمكاناتها لمواجهة محور المقاومة الذي التفّ حول غزة وفلسطين».
لكنه رأى «أن حجم الصمود والاستمرارية كان غير مسبوق، ولم يستطع العدو الإسرائيلي التقدّم بسبب المقاومة وصمودها وعطاءاتها».

الشيخ قاسم: المقاومة باقية وعلى جهوزيتها ولن تأخذ إسرائيل بالسياسة ما لم تأخذه بالحرب

ولفت إلى «أن الموافقة على وقف إطلاق النار في لحظة مناسبة كانت نقطة قوة، وأصبحنا الآن في مرحلة جديدة تختلف أدواتها وكيفية التعامل معها» معتبراً «أن أبرز خطوة اتخذناها أن تتحمل الدولة اللبنانية مسؤولياتها» مشدداً على «أن إسرائيل لا تستطيع أن تستمر في احتلالها وعدوانها، والمقاومة موجودة وقوية عددًا وعدة».
وأضاف: «المقاومة إيمان أرسخ من الجحافل وعشق يتغلغل في المحافل ونصر يخلد كل مقاتل والمقاومة باقية ومستمرة، المقاومة لم تنتهِ بل مستمرة في جهوزيتها وهي إيمان وحق ولا يمكن لأحد أن يسلبنا هذا الحق، المقاومة تُكتب بالدماء ولا تحتاج إلى الحبر على الورق».

وتابع «سنُمارس عملنا في المقاومة نصبر أو نُطلق متى نرى مناسبًا، ولن تأخذوا بالسياسة ما لم تأخذوه بالحرب، ولن نقبل باستمرار قتلنا» مشيرًا إلى «أن المسؤولين في لبنان يعرفون توازن القوى» سائلاً «مدّعي السيادة: كيف تكون السيادة مع هذا الاحتلال المستمر؟».
وتوجّه إلى الامريكيين بالقول: «اعرفوا أنه إذا كنتم تحاولون الضغط على لبنان فلم تتمكنوا من تحقيق أهدافكم وأنصحكم بأن تكفّوا عن هذه المؤامرات».
وأوضح «أن «حزب الله» و«حركة أمل» كانا في متن تركيبة البلد، ولا يمكن لأحد أن يطلب منا أن ننكشف وأن نقدم ما لدينا من قوة.
نحن أبناء الإمام الخامنئي والإمام الخميني والإمام موسى الصدر والسيد عباس الموسوي والسيد حسن نصر الله والسيد هاشم صفي الدين، لو اجتمع طواغيت العالم لقتلنا فسوف نواجههم حتى النصر أو الشهادة».
وتوجّه للسيد نصر الله بالقول: «يا سيّدنا القيادات موجودة والمقاومون موجودون والشعب موجود، المقاومة أساس وهي خيارنا السياسي ما دام الاحتلال موجوداً.
وإن «حزب الله» سيتابع تحرك الدولة لطرد الاحتلال دبلوماسيًا، المقاومة أساس وهي خيارنا الإيماني والسياسي ما زال الاحتلال موجودًا ونمارس حقنا في المقاومة حسب تقديرنا للمصلحة والظروف ونناقش لاحقًا استفادة لبنان من قوته عندما نناقش الاستراتيجية الدفاعية».
وختم قاسم «أن (حزب الله) سيواجه مشروع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التهجيري، وسيشارك في بناء الدولة القوية ونهضتها، مع حرصه على مشاركة الجميع في بناء الدولة والوحدة الوطنية والسلم الأهلي» معيداً التأكيد «على تحالف حزب الله مع حركة أمل، ولا تفكّروا أن تلعبوا بيننا ونحن واحد في الخيارات وسنبقى معًا إن شاء الله».

قاليباف وعراقجي شاركا على رأس وفد إيراني كبير… وبري دمعت عيناه و«الحليف» باسيل غاب

بعد ذلك، أمّ عضو مجلس الشورى الشيخ محمد يزبك الصلاة على النعشين، لينطلق بعدها الموكب في مسيرة حاشدة من المدينة الرياضية إلى المرقد الذي سيحتضن جثمان نصرالله على طريق المطار فيما يُنقَل جثمان صفي الدين إلى بلدته في الجنوب.
في المواقف، فإن رئيس «التيار الوطني الحر «جبران باسيل الذي تغيّب عن التشييع وتمثل بنائبين، استذكر حواراته مع نصر الله وكتب على منصة «اكس»: «في يوم تشييعك يا سيد، تتدافع في ذاكرتي ساعات الحوار الطويل بيننا. قضية جمعتنا معًا، هي حماية لبنان بأرضه وشعبه وثرواته، وبرسالته والعلاقة بين ابنائه. في حياتك كما في استشهادك حملت هذه الحقيقة ودافعت عنها وهي، ولو افترقنا، كانت وستبقى قضيتنا في التيار. رحمك الله وحمى لبنان».
أما المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان فرثى مَن وصفه «سيد شهداء الأمة» وقال «إنه التاريخ بكل ما يعنيه التاريخ من لحظة يوم مكلل بغربتنا الطويلة ووجع الفراق، وإن اليوم لثقيل وحزين، وعلى الرغم من أن الشهادة مجد الله وجائزة أوليائه إلا أن الغربة تخنقنا، والغيبة توجعنا».
وأضاف: «يا عبق المجد القابع بين الأضلاع، لن أرثيك وأنت التاريخ، لكن أبوح لك بقلبي المغرّب بهواك، بصباحي الباكي فوق أثقال الجبال، وإني لأذكر وصيتك، ولأعمل بها، حباً فيك وبهذا البلد المظلوم، ورغبةً بحفظ هذه العائلة الوطنية التي كانت أكبر همّك».

مئات الآلاف شاركوا في التشييع بينهم حفيد نيلسون مانديلا ونجل تشي غيفارا

عملت اللجنة العليا المشرفة على مراسم التشييع على إعداد الموقع لتلبية احتياجات التشييع في ظل تقديرات بمشاركة مئات الآلاف وتم تركيب 6 شاشات كبيرة في مختلف أنحاء الملعب لنقل الحدث من جميع الزوايا.
وحسب تقديرات «حزب الله» هناك وفود من 65 دولة شاركت في التشييع، واكثر من 800 شخصية رسمية من خارج لبنان، اضافة إلى آلاف المواطنين الذين حضروا من مختلف بلدان العالم. ومن ضمن الوفود المشاركة، نائب الرئيس السابق لجنوب افريقيا حفيد نيلسون مانديلا، نجل تشي غيفارا، كذلك مجموعة من اليهود المعارضين لسياسة واشنطن في المنطقة وللاحتلال الإسرائيلي.

الجيش اللبناني رفع الجهوزية إلى 100 في المئة ومسيّراته حلّقت في الأجواء

وشهد مطار بيروت في اليومين الماضيين حركة كثيفة للرحلات الآتية من ايران والعراق واليمن اضافة إلى افريقيا، فنزويلا، كولومبيا، الارجنتين، والبرازيل.
وقد رفع الجيش اللبناني الجهوزية إلى 100 في المئة، وأطلق طائرات مسيّرة فوق بيروت ومدينتها الرياضية وجرى تشكيل غرفة عمليات للتنسيق مع كل الأجهزة الأمنيّة لمنع حصول أي حوادث، وتسلم أمن الطرقات المحيطة بمدينة كميل شمعون الرياضية إضافة إلى كل الطرقات المؤدية إليها.

غارات إسرائيلية على الجنوب والبقاع في ظل مراقبة جوية للجنازة

استبق الطيران الحربي الإسرائيلي مراسم تشييع أميني عام «حزب الله» فشنّ سلسلة غارات على الجنوب والبقاع، ونقلت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية عن مصادر في الأجهزة الأمنية «أن إسرائيل ستراقب جوًا سير تشييع جنازة السيد حسن نصرالله». وقد حلّقت 4 طائرات حربية فوق الجنازة على دفعتين بعد دخول نعشي السيد حسن نصرالله والسيد هاشم صفي الدين ما دفع بالمذيع إلى القول «لن ترهبنا طائراتكم» ثم بعد بدء أمين عام «الحزب» الشيخ نعيم قاسم كلمته.
اما وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس فقال «إن تحليق طائراتنا فوق موقع تشييع نصر الله ينقل رسالة واضحة بأن من يهدد بتدمير إسرائيل ويهاجمها هذا سيكون مصيره» وأضاف «أنتم تتقنون تنظيم الجنازات ونحن نتقن تحقيق الانتصارات».
تزامناً، استهدفت غارة جوية بلدة بريصا في جرود الهرمل وعلى وادي بوداي غرب بعلبك. وأغار الطيران على منطقة مريصع في اطراف بلدة أنصار وعلى جبل الريحان في جنوب لبنان وعلى المنطقة الواقعة بين القليلة والسماعية في قضاء صور، أدت إلى وقوع اضرار في عدد من المنازل.

كاتس: تحليق طائراتنا رسالة واضحة لمن يهدد بتدميرنا

ونقلت فرق الإسعاف في الدفاع المدني فتاة سورية أصيبت بجروح نتيجة الغارات الإسرائيلية قرب صور، إلى المستشفى اللبناني الإيطالي للمعالجة. كما استهدفت سلسلة غارات إسرائيلية وادي العزية في أطراف زبقين وأطراف جناتا والعاقبية والبيسارية، والوادي المجاور لبلدة معروب قضاء صور، ومنطقة النهر بين بلدتي الحلوسية والزرارية وعلى الأحمدية.
وفي سياق متصل، كتب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي عبر حسابه على «أكس»: «أغار جيش الدفاع بشكل دقيق على موقع عسكري احتوى على قذائف صاروخية ووسائل قتالية داخل لبنان تم رصد أنشطة لحزب الله في داخله. كما تمت مهاجمة عدة منصات صاروخية لحزب الله في منطقة جنوب لبنان شكلت تهديدًا على مواطني دولة إسرائيل. تعتبر هذه الأنشطة التي يقوم بها حزب الله خرقًا للتفاهمات بين إسرائيل ولبنان وتشكل تهديدًا لإسرائيل ومواطنيها حيث سيواصل جيش الدفاع العمل لإزالة أي تهديد على دولة إسرائيل».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية