تونس ـ «القدس العربي»: تقدر مساحة الزياتين في تونس بقرابة مليوني هكتار وهو ما يجعل الخضراء تحتل المرتبة الثانية عالميا على مستوى المساحات المغروسة بالزياتين بعد إسبانيا. كما تجعل هذه المساحات الهامة تونس من أهم ثلاثة منتجين ومصدرين لزيت الزيتون في العالم، حيث احتل البلد المرتبة الأولى عالميا على مستوى التصدير في سنوات كثيرة والمرتبتين الثانية والثالثة أيضا عدة مرات خلف إسبانيا بالأساس.
وتشير الأرقام الرسمية إلى ارتفاع العائدات المتأتية من تصدير زيت الزيتون التونسي بنسبة قاربت 80 في المئة وذلك إلى نهاية شهر حزيران/يونيو 2024 لتبلغ قرابة 4.3 مليار دينار. فقد صدرت تونس قرابة 166 ألف طن من زيت الزيتون منها 21 ألف طن مُعلبة بقيمة 590 مليون دينار. وقد بلغ سعر الطن الواحد من زيت الزيتون الخام المصدر إلى الأسواق العالمية قرابة 27 ألف دينار في حين يقارب معدل سعر الطن المعلب في السوق الدولية 30 ألف دينار.
ويكتسي زيت الزيتون أهمية كبرى في تركيبة الصادرات الفلاحية والغذائية التونسية إذ يمثل نحو 50 في المئة من هذه الصادرات. ولذلك فقد ساهم تصديره هذا العام في تحسن الميزان التجاري وهو ما أعطى دفعا جديدا للاقتصاد التونسي الذي يشكو ضعف التمويل الأجنبي.
وتجدر الإشارة إلى أن تونس سجلت خلال الموسم الحالي زيادة في نسبة زيت الزيتون المعلب بلغت 32 في المئة، وهي تعمل على تطوير قدراتها في مجال التعليب وذلك منذ إحداث صندوق النهوض بزيت الزيتون المعلب سنة 2006. كما تسعى تونس إلى تطوير قدراتها الإنتاجية من زيت الزيتون وذلك بتكثيف غراسة الزياتين في مناطق عديدة من البلاد ومن ذلك ولاية تطاوين التي تمت فيها برمجة غراسة حوالي مليون شجرة زيتون خلال السنوات الأربع المقبلة.
وفي هذا الإطار تم الشروع في إنجاز بعض المشاريع المبرمجة، حيث تمت بمنطقة رمادة من ولاية تطاوين غراسة أكثر من 420 ألف شجرة زيتون على مساحة 100هكتار وباستثمارات تزيد عن 4 مليون دينار، ومن المبرمج أن يتم التوسع في هذا المشروع على مساحة 214 هكتارا أخرى. وسيزيد ذلك من حجم إنتاج البلاد من زيت الزيتون الصحراوي، كما سيساهم في تحقيق تونس لمعدل إنتاج يقارب المليون طن وتتجاوز منافسيها في قادم السنوات.
فالصحراء التونسية تتوفر على مياه جوفية هامة مخزنة منذ آلاف السنين قادرة على خلق مساحات هامة من الزياتين المروية التي يتم سقيها بالمياه الباطنية من خلال الآبار. ففي هذا العام بلغت نسبة إنتاج الزياتين المروية 60 في المئة من مجمل إنتاج زيت الزيتون وذلك رغم أن نسبة غابات الزياتين المروية لا تتجاوز 7 في المئة فقط من مجمل غابات الزيتون.
استهلاك ضعيف
لكن رغم هذا الإنتاج الوفير وبرامج تطوير الإنتاج والتصدير فإن معدل استهلاك التونسي لزيت الزيتون سنويا لا يتجاوز الثلاثة لترات، وبالتالي فالخضراء هي دولة منتجة لكنها غير مستهلكة للزيتون. وتفيد الإحصائيات بأن تونس تحتل المرتبة الرابعة عربيا على مستوى الاستهلاك وذلك بـ 30 ألف طن أي ما يقارب ثلاثة لترات لكل فرد وتأتي خلف سوريا ولبنان والمغرب. وبذلك فإن الاستهلاك التونسي لزيت الزيتون لا يمثل سوى 1 في المئة من إجمالي الاستهلاك العالمي.
ولعل السبب في عزوف التونسيين عن استهلاك زيت الزيتون هو غلاء أسعاره باعتبار أنه يباع في تونس بالسعر ذاته الذي يباع به في إسبانيا مع فرق كبير بين القدرة الشرائية للمواطن التونسي والمواطن الإسباني. ولعل ذلك هو الذي اضطر الدولة التونسية ممثلة في ديوان الزيت إلى توفير زيت زيتون بسعر أقل من سعر السوق العادي انتفع به البعض ولم يجد له أثرا البعض الآخر.
وللإشارة فقد شهد الاستهلاك التونسي لزيت الزيتون تراجعا كبيرا في السنوات الأخيرة نتيجة تدهور القدرة الشرائية للتونسيين وغلاء المعيشة وارتفاع نسبة التضخم. فعلى سبيل المثال كان الاستهلاك من زيت الزيتون في عقد ثمانينات القرن الماضي يقارب الستين ألف طن أي تقريبا ضعف الاستهلاك الحالي وبدأت هذه النسبة في التراجع تدريجيا إلى أن وصل الأمر إلى 30 ألف طن.
سداد الديون
ولا تستفيد تونس كثيرا من المداخيل المتأتية من تصدير زيت الزيتون ومن الفلاحة عموما إذ تذهب أغلب العائدات الفلاحية والسياحية والصناعية وتحويلات التونسيين بالخارج ومداخيل الجباية وغيرها إلى سداد أقساط ديون العشرية الماضية وإلى خلاص رواتب موظفي الدولة التي ارتفعت خلال العشرية الماضية إلى أرقام خيالية. وبالتالي فإن الأموال المرصودة للتنمية تكاد تكون منعدمة وقد كتب على تونس أن تقضي سنوات طويلة تسدد ديونا سابقة من دون أن تفتح فيها الورشات الكبرى للتطوير والبناء وإنجاز المشاريع الكبرى التي ستغير وجه البلد شكلا وتساهم في التخفيض من نسب الفقر والبطالة.
وفي هذا الإطار يرى الباحث في الاقتصاد السياسي عماد بالرابح في حديثه لـ«القدس العربي» أن مداخيل زيت الزيتون هذا العام حققت أرقاما هامة يمكن اعتبارها قياسية، ومن المتوقع مع نهاية الموسم الفلاحي أن تفوق هذه المداخيل قيمة القرض الذي طلبته تونس من صندوق النقد الدولي وتلكأ مجلس إدارة الصندوق في الموافقة عليه بعد أن وافق عليه خبراء البنك. ولعل المؤسف، حسب محدثنا، أن لا يتم توظيف هذه العائدات الهامة في التنمية والنهوض بالجهات الأقل حظا وتطوير البلد الذي تراجع كثيرا في كافة المجالات وخلق مواطن الشغل للحد من البطالة والفقر.
ويضيف محدثنا قائلا: «إن الأرقام المسجلة في إنتاج وتصدير زيت الزيتون وفي العائدات المتعلقة به، وكذلك الأرقام المسجلة في عدة ميادين أخرى تثبت أن التونسيين عادوا إلى الإنتاج والعمل كل في ميدانه. لكن المعضلة هي هذه الديون المتراكمة التي لم تعرف لها البلاد مثيلا سوى خلال الفترة التي سبقت الاستعمار الفرنسي لتونس والتي لا بد للدولة من أن تجد لها الحلول حتى توفر عائدات هامة تساهم في انطلاق قطار التنمية من جديد.
ومن الحلول المقترحة للخروج من هذا النفق المظلم والاستفادة من المداخيل الهامة المتأتية من زيت الزيتون وغيره، مطالبة المقرضين بإعادة جدولة الديون أو طلب تحويلها إلى استثمارات وهو حل سارت فيه دول عديدة في العالم وتمت الاستجابة لطلبها وساهم هذا الحل في إنقاذها والنهوض بها مجددا. ومن الحلول أيضا القيام بتغيير التشريعات باتجاه القضاء على البيروقراطية والتعقيدات الإدارية وذلك لتشجيع المستثمرين الأجانب الذين تنفرهم التشريعات التونسية وينفرهم تعقيد الإجراءات وكثرة الوثائق الإدارية من الاستثمار».