يسود اعتقاد أن المقاومة الفلسطينية في غزة تقيم في أنفاق تحت الأرض، وهو أمر يبدو لوهلة حقيقة راسخة، لكن المعركة الدائرة في قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر، تحمل في طياتها وتفاصيلها، وخلف شدة ضجيجها، ما يضفي على هذه الحقيقة يقينا أوسع يشمل جميع من يقيم فيها، في جوفها وعلى سطحها ومن سبقوهم بأرواحهم، هم أشبه ما يكونوا بعائلة ممتدة تحمل لقب أهل المقاومة.
وهي عائلة تمتد جذورها بعيدا في تاريخ قطاع غزة وتاريخ فلسطين، وقد ترعرت على يقين ومبادئ صقلتها وأثرت فيها مواجهات مفتوحة مع الاحتلال الإسرائيلي على مدار عقود. وليس ما يجري في قطاع غزة حاليا سوى صورة مكبرة لحقيقة هذه العائلة التي راحت تكبر وتنمو يوما بعد يوم.
في مشاف يغشاها قصف إسرائيلي متواصل، ولاذ بها عشرات آلاف من النازحين فضلا عن استقبالها آلاف الحالات المصابة التي يرتجل علاجها بأبسط الأدوات والأدوية بعد نفاد اللوازم، يقاوم أطباء وممرضون ومساعدون لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وفي الأثناء يقاوم أكثر من مليوني إنسان في مختلف أنحاء قطاع غزة، قذائف دبابات وبوارج، وصواريخ مقاتلات، ورصاص وقنابل مسيرات وأسلحة أتوماتيكة يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي استخدامها على مدار الساعة لدفعهم للاسستلام ومغادرة أرضهم.
أكثر من 11 ألف شهيد ونحو 30 ألف جريح، عدا عن تدمير مئات آلاف الشقق السكنية والمنازل والمدارس والمساجد والكنائس إضافة الى مرافق عامة أخرى وطرقات. هذه آخر حصيلة تلقيها البيانات بين أيدي العالم، ولا أحد يستطيع وقف هذه المقتلة المتواصلة، ليس ثمة سوى مقاومة وحيدة تخرج في وجهها، المقاومة الفريدة التي يمارسها أهل غزة، جبنا إلى جنب مع أبنائهم المسلحين من كتائب القسام وسرايا الجهاد الإسلامي وباقي الفصائل الفلسطينية.
وفي المشهد ما هو أكثر وأكبر فظاعة، حيث أضطر السكان إلى دفن قتلاهم في مقابر جماعية بعد ان أصبح الوصول إلى المقابر العامة مستحيلا بسبب التدمير المتواصل والقصف المستمر. والآن وبعد حصار المستشفيات وقصفها بات على ساكنيها الأحياء دفن موتاهم في مقابر جماعية داخل ساحاتها، ذلك إن استطاعوا مغافلة قناصة الاحتلال الإسرائيلي والقيام بذلك. ولا ينسى كذلك الجثث الملقاة في الشوارع وتحت الأنقاض والركام، ولا يمكن انتشالها لدفنها.
رحلة العبور إلى جنوب القطاع
وفي حين تتركز التغطية الصحافية على المستشفيات المهددة والتي خرج العديد منها عن الخدمة بسبب نفاد الوقود وانقطاع الكهرباء والإمدادات، يقاوم عشرات الآلاف في رحلتهم الخطيرة للعبور إلى جنوب القطاع. وحسب أرقام الأمم المتحدة نزح أكثر من مليون فلسطيني داخل قطاع غزة منذ بدء الهجوم الإسرائيلي في السابع من تشرين الأول/أكتوبر. كل ذلك لا يشمل ما يعانيه مئات الآلاف في محنتهم اليومية في الحصول على رغيف خبر وكوب ماء.
وحتى أولئك الذين يقيمون تحت سقف لا يحمي رؤوسهم، تكدسوا عائلات فوق عائلات في شقق أو منازل إضافة إلى من يقيمون في العراء وفي خيام وحتى ما تبقى من مراكز الإيواء. كل ذلك ولم يذعن هؤلاء للضغوط الإسرائيلية المرعبة والمتواصلة لإخراجهم من ديارهم.
مقدرة أهل غزة على هكذا صمود ومقاومة غير مسبوقة في التاريخ الحديث، ولكن في تاريخها وسيرتها، بل وفي الحمض النووي الخاص بها، أكثر من دليل وعلامة الكيفية التي تمت وترعرت خلالها هذه العائلة وأسست للمصاهرة بينها وبين المقاومة. وهو تاريخ لا يعود فقط الى عام 1948 مع قيام اسرائيل، بل يغوص غائرا في تكوين هذا الشريط الحدودي الضيق على شاطئ البحر المتوسط.
أرقام
واستنادا إلى أرقام وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأنروا» فإن نسبة 80 في المئة من سكان قطاع غزة هم ممن هجروا، أو من أبناء وأحفاد وأبناء أحفاد، من طردتهم إسرائيل من قراهم وبلداتهم عام 1948. وهي بلدات وقرى يقع معظمها على مرمى حجر من حدود قطاع غزة الحالية. وقد خبر جميعهم، جيلا بعد جيل، معاناة اللجوء والعيش في مخيمات لاجئين، ولم تغب يوما عن جلساتهم وموائدهم، قصص اللجوء والنكبة، وراحت تشكل أساس ثقافتهم ووعيهم الذي ترجم في سلوكهم وسلوك أبنائهم وأحفادهم من بعدهم.
هذه الثقافة والسلوك، صقلهما مع مر السنوات بطش إسرائيل واحتلالها الذي لم يغادر غزة حتى بعد وهم الانسحاب الذي تواصل إسرائيل بأنها نفذته قبل نحو 18 عاما، ولكنها عمليا استبدلته بحصار متواصل للقطاع ترافق مع أكثر من ست حملات عدوانية عسكرية كان أكبرها قبل العدوان الحالي عام 2014 حيث قضى أكثر من ألفي فلسطيني ولحق بالقطاع دمار شامل.
وعمليا لم تتوقف المواجهات مع الجيش الإسرائيلي، وفي غضون ذلك راحت المقاومة الفلسطينية تطور من قدراتها وامكانياتها حتى وصلت إلى ما هي عليه في معركة طوفان الأقصى الحالية. وخلال هذه السنوات لم يكن من الصعب أبدا إقناع سكان قطاع غزة بفكرة المقاومة التي تسكن عقولهم وثقافتهم، وعليه باتت مقاربة أهل غزة للمقاومة، بغض النظر عن قادتها حماس أو الجهاد أو غيرهم، مقاربة طبيعية لا تحتاج إلى مجرد إعادة التفكير فيها.
وتقدر أعداد المقاومين الفلسطينيين المنخرطين بشكل رسمي مع قوات حماس والجهاد وباقي الفصائل الفلسطينية الآخرى بنحو 60 ألفا حسب تقديرات محلية، وهؤلاء جميعا هم أبناء وأشقاء وآباء من مختلف العائلات في قطاع غزة لا يسلمون ولا يخذلون بعضهم البعض.
وليس غريبا ان تخرج من قطاع غزة الفكرة الأولى لمقاومة الاحتلال مباشرة بعد نكبة عام 1948 عندما التقت مجموعة من اللاجئين مع شبان متحمسين وتواقين لمواحهة الاحتلال، كان أبرزهم الراحل ياسر عرفات والراحل خليل الوزير ابو جهاد وصلاح خليل ابو إياد، وثلة من رفاق آخرين، شكلوا في ما بعد نواة حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» التي صقلت على مدار عقود لاحقة ملامح الكفاح الوطني الفلسطيني.
ولا يغفل كذلك سنوات السبعينيات الأولى التي ارتبطت بلقب جيفارا غزة، وهو محمد محمود مصلح الأسود الذي خرج مع عائلته لاجئا من حيفا إلى غزة، وما لبث بعد نكسة 1967 وشكل طلائع المقاومة الشعبية، ثم انضم لاحقا إلى صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وشكل نواة العمل المسلح ضد الاحتلال، لدرجة انه اشيع في حينه ان الأسود ورفاقه كانوا يحكمون غزة ليلا، بينما يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي نهارا، وذلك لشدة بأسهم في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.
رحل عرفات وخليل الوزير، وجيفارا غزة، ومعهم وقبلهم وبعدهم رحل مقاومون فلسطينيون لا تتسع قوائم لذكرهم، ربما لا تتردد أسماؤهم كثيرا، ربما لا يسعف الوقت ولا القصف الإسرائيلي المتواصل على غزة، والموت الذي تكرسه المقتلة الحالية للتوقف عند دورهم الكفاحي، لكن كل أولئك وغيرهم، يعيشون ويتكاثرون ضمن العائلة الكبرى للمقاومة الفلسطينية، أهل المقاومة.