عادل إمام الذي أقام متحفا للفن والفنانين

لقد بلغ الفنان القدير عادل إمام منذ أيام في السابع عشر من مايو/أيار من هذا العام 2023 الثالثة والثمانين من عمره، سبقها بأيام، ولا أدري كيف ولماذا! نشر صورة له وقد بلغت علامات العجز على وجهه درجة كبيرة جدا، حين دققت في الصورة أدركت كيف أنها، وهي لقطة قريبة، قد بالغت في خطوط العمر، فتساءلت ما معنى وهدف هذه الصورة؟ هل يحتاج عادل أمام كي نتعاطف معه إلى مثلها، أم يحتاج أن نبارك له يوم مولده، ونتمنى له عاما جديدا سعيدا، ونتذكر أيامنا الحلوة مع أفلامه ومسرحياته التي ملأت حياتنا بالبهجة والتأمل معا؟
رافق الصورة حديث أيضا غير مناسب أنه يعاني من الزهايمر، وأن أبناءه يمنعونه من الظهور، الحمد لله ظهر في برنامج تلفزيوني مع شريف عامر مختلفا عن الصورة، أو ليس في جهامتها، وليس مهما النقد والانتقاد لأسئلة شريف عامر، ثم هل هناك أصلا مشكلة مع علامات التقدم في العمر، المشكلة تكون مع صاحبها، ما قد يأخذه إلى استراحة وجودية بلا معنى الحياة أصلا، مثلي يعرف ما يفرضه التقدم في العمر من الابتعاد عن الجو العام، ليس بما جرى من تغير في الوجه، لكنها القدرات الجسمية تخذل صاحبها، فيفضل الابتعاد عن المشهد، خاصة أنه قد يحتاج عناية به قد تشغل من حوله أكثر من موضوع الظهور. فن مثل التمثيل ليس بالسهولة التي تراها أمامك، لكنه رهن بكاتب السيناريو وبالمشاهد وشكلها وتباينها من صعوبة، فما نراه في عشر دقائق أمامنا على الشاشة قد يشغل نصف يوم كامل في الاستوديو، أو يوما، فليس التمثيل كلام يلقيه الممثل، لكنه حركة وإضاءة وديكور وتصوير وإيقاع في الحديث يتناسب مع المشهد، والمتفرج الذي يرى الفيلم، أو المسلسل متتابعا في موضوعه، لا يعرف مثلا أن تصوير المشاهد لا يتم بالتتابع نفسه، ففي المكان والديكور الواحد يتم أداء مشاهد متفرقة من العمل، لكنها تدور فيه، وقد يكون بينها المشهد الأخير مع الأول أو قبله، ومن ثم قد تتغير ملابس الممثل، أو شكله وفقا للمشهد، ويأتي المونتاج بعد ذلك لتستقيم الأمور كما نراها على الشاشة، ومن ثم ليس التمثيل نفسه بالسهولة التي تراها أمامك وأقل متاعبه هو انقضاء الوقت والانتظار.
مع فنان غزير الأعمال مثل عادل إمام طبيعي جدا أن لا تتذكر كل أفلامه، وما تتذكره أنت قد لا يتذكره غيرك، وقد يضيف إليه أو ينسى بعضه، فرؤية الفيلم لا تبقى في الروح من الفيلم فقط، لكن من ظروف رؤيته الخاصة والعامة، والقدرة على التلقي بين التسلية وفهم الأبعاد التي قد تغيب، وقد تكون أبعادا سياسة أو فكرية أو فلسفية غامضة. وهذا لا يعني أني أبحث في الفن عن رسالة، فالرسالة الأولى للفن هي المتعة، لكن هذه المعاني يصل إليها المتفرج بعد أن ينتهي من تأثير المَشاهد، وقد يقفز سؤال، هذا يحدث في بلادنا أو في الحياة، وهكذا تحملك المتعة بما في الفيلم من أداء وتصوير وإخراج إلى المعاني التي يعتبرها البعض رسالة.
لم أقف كثيرا عند الصورة العجيبة لوجه عادل أمام، لكن تداعت إليّ الرحلة الطويلة العظيمة له، لأكتشف بدوري أني بحكم العمر، وما مررت به من آلام صحية، نسيت أن لعادل أمام أكثر من مئة وعشرين فيلما منذ ستينيات القرن الماضي، رأيتها كلها تقريبا على مدار السنين، وتكررت رؤيتي لبعضها مع القنوات التلفزيونية، وما زال بعضها حين تعرضه قناة أجلس أمامه كأني سأراه لأول مرة. والأمثلة كثيرة ليس اولها «المنسي» ولا آخرها «الغول» و«الإرهاب والكباب» وليست حتى أفلاما لها أصول أجنبية مثل «المشبوه» أو «سلام يا صاحبي» أو «عصابة حمادة وتوتو».
شهد النصف الثاني من الستينيات أفلاما كثيرة له، ولم يكن يقوم بالبطولة المطلقة، بل كانت أدواره ثانوية في أفلام مثل «أنا وهو وهي» لفؤاد المهندس وشويكار و«سيد درويش» لكرم مطاوع وهند رستم و«مراتي مدير عام» لشادية وصلاح ذو الفقار، ويتقدم أكثر في البطولة في أفلام مثل «لصوص لكن ظرفاء» مع أحمد مظهر عام 1969 أكثر من عشرين فيلما لتأتي السبعينيات بحوالي ثلاثين فيلما، وتتوسع المساحة أكثر في أفلام مثل «البحث عن فضيحة « و«البعض يذهب للمأذون مرتين» و«احنا بتوع الأوتوبيس» مع عبد المنعم مدبولي عام 1979 و«رجب فوق سطح صفيح ساخن» وغيرها. عرف الطريق إلى البطولة المطلقة في الثمانينيات، ووصل أيضا إلى حوالي ثلاثين فيلما منها «شعبان تحت الصفر» و«الإنسان يعيش مرة واحدة» و«المشبوه» و«المتسول» و«الحريف» و«حب في الزنزانة» و«الغول» و«حتى لا يطير الدخان» و«لأفوكاتو» و«الهلفوت» و«سلام يا صاحبي» و«النمر والأنثي» و«المولد» عام 1989.

تنوعت أفلام عادل أمام بين المتعة السريعة، والمتعة الباقية مع أفلام تدخل مناطق محظورة في السينما مثل «الإرهاب والكباب» و«طيور الظلام» و«اللعب مع الكبار» و«النوم في العسل» و«الغول» و«الأفوكاتو» و«احنا بتوع الأوتوبيس».

تأتي التسعينيات وما بعدها ليظل بين الكوميديا، والدراما الاجتماعية التي صارت ملمحا مهما، ويقدم حوالي عشرين فيلما منها «شمس الزناتي» و«اللعب مع الكبار» و«مسجل خطر» و«الإرهاب والكباب» و«المنسي» و«بخيت وعديلة» و«طيور الظلام» و«النوم في العسل» و«الواد محروس بتاع الوزير» و«عريس من جهة أمنية» و«عمارة يعقوبيان» و«مرجان أحمد مرجان» و«زهايمر» عام 2010.
في المسرح له إحدى عشرة مسرحية فقط، والسبب أنه بعد مشاركة ثانوية في مسرحيات مثل «أنا فين وانتي فين» لفؤاد المهندس وشويكار، كانت الانطلاقة الكبرى عام 1973 مع مسرحية «مدرسة المشاغبين» هل أفسدت المسرحية الطلاب والتعليم؟ دائما يقال ذلك وينسى الجميع ما جرى بالتعليم من فساد وإفساد، لكن أسهل شيء هو اتهام الفن والفنانين واعتبار الخيال حقيقة، والحقيقة حولهم لا يريدون مواجهتها. تأتي البطولة المطلقة في مسرحيات «شاهد ماشافش حاجة» عام 1976 مع هالة فاخر وناهد جبر وعمر الحريري، ثم «الواد سيد الشغال» عام 1984 مع عمر الحريري ومشيرة إسماعيل ومصطفى متولي وسوسن بدر، ثم «الزعيم» عام 1993 مع رجاء الجداوي ومنال سلامة ومصطفى متولي وأحمد راتب ويوسف داود واستمرت كل منها لسنوات. قدّم مسلسلات تصل إلى ستة عشر مسلسلا أشهرها كبطولة مطلقة «أحلام الفتي الطائر» سيناريو وحيد حامد سنة 1978، وإخراج محمد فاضل و«دموع في عيون وقحة» سيناريو صالح مرسي وإخراج يحيى العلمي عام 1980.
مع تقدم عادل أمام في البطولة، طبيعي جدا أن تشاركه بطلات رائعات من ممثلاتنا مثل يسرا وإلهام شاهين وسعاد حسني ولبلبة وميرفت أمين وإسعاد يونس وسهير رمزي وآثار الحكيم وشيرين وسوسن بدر وغيرهن، وممثلون كبار مثل عبد المنعم مدبولي وحسين فهمي وفريد شوقي وأحمد مظهر وسعيد صالح وصلاح قابيل ومحمود حميدة وغيرهم. هكذا صارت أفلامه مثل متحف لكبار الفنانين.
تنوعت أفلام عادل أمام بين المتعة السريعة، والمتعة الباقية مع أفلام تدخل مناطق محظورة في السينما مثل «الإرهاب والكباب» و«طيور الظلام» و«اللعب مع الكبار» و«النوم في العسل» و«الغول» و«الأفوكاتو» و«احنا بتوع الأوتوبيس». لقد وضعه كتاب ومخرجون مثل وحيد حامد ولينين الرملي وشريف عرفة ورأفت الميهي في قلب قضايانا المصرية والمصيرية، وواجه صعوبات كثيرة وصلت إلى المحاكم وليس هنا مجالها، كما وضعه محمد عبد العزيز ونادر جلال ومحمد خان في قلب الكوميديا الجديدة. لقد أدركت مبكرا أنه يحمل وجهي الكوميديا والدراما معا في روحه، فهو ممثل لا يضع نفسه في علبة واحدة، هو في كل الأحوال ينتمي بدرجات إلى مدرسة ستانسلافسكي التي بدأت في المسرح ووصلت إلى السينما العالمية، لا تشعر أبدا أنه يقوم بدور أمامك، بل هو والدور واحد، ولا يمنع هذا أن يضع بصمته الكوميدية وسط الدراما، بنظرة ساخرة من عينيه وسط الجد، أو تنويع في لفظ الكلمات وغير ذلك. الاحتفال بعادل إمام هو احتفال بالسينما المصرية والفن المصري، إقامة متحف من الجمال والآمال من جديد. كل سنة وفناننا الكبير بخير.

روائي مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية