إحسان عبد القدوس
رغم الطبيعة الرومانسية لأدب إحسان عبد القدوس وتميز رواياته في الجانب العاطفي والإنساني، إلا أن السينما المصرية وظفته توظيفاً دقيقاً وحققت من خلاله المُعادلة الصعبة، بين الطرح الجماهيري السلس والعميق الذي يدفع إلى انشغال العقل بماهية ما يُترجم فنياً وإبداعياً على الشاشة، من غير ابتذال أو استخفاف، ودون تحريف يُضر بالشكل والصياغة الأدبية المُنضبطة، العاملة على ترسيخ القيمة باعتبارها العنصر الأساسي والأهم في المكون الروائي.
لقد تحول عدد كبير من روايات الأديب إحسان عبد القدوس إلى أفلام سينمائية، الأمر الذي أدى إلى مضاعفة المسؤولية على الكاتب وانتباهه إلى أهمية الجودة كمعيار حقيقي للاستمرار في مجال الكتابة الأدبية، ومن ثم استمرار عملية الاقتباس السينمائي، لإضافة ما يُمكن اعتباره إبداعاً موازياً تتحدد مكوناته بالصوت والصورة والضوء والديكور والموسيقى والمونتاج والإخراج، وغير ذلك من الأدوات السينمائية المؤثرة في الموضوع المكتوب بلغة السيناريو والحوار، كفن آخر له صله بالكتابة الروائية، الجسم الأصلي للمكون السينمائي في مراحله الأولى.
لقد تجاوز إحسان عبد القدوس فكرة الوعظ والنصح، في ما قدمه من أعمال روائية، فسهل على السينما مهمة النقل ببساطة بغير تكلف، حيث أجريت تعديلات محدودة على النصوص الأدبية لتصبح أفلاماً لها اعتبار مهم في لغة التشكيل الخاصة بالوعي الشعبي وتعاطي المجموع للصورة السينمائية بمضامينها المُختلفة، دون اغتراب، فاللغة الأدبية عند الكاتب لم تكن منبتة الصلة بالذوق العام، ولم تكن تحتاج لوعي إضافي لاستيعابها، وربما يكمن سر انتشار أدب عبد القدوس سينمائياً في هذه الميزة.
إن جُل ما تميزت به السينما المصرية، من حيث الجرأة في الأفكار والقُدرة التعبيرية عن أهم القضايا تمثل في أفلام أخذت عن أدب إحسان عبد القدوس كفيلم «أنا حُرة» للمخرج صلاح أبو سيف، الذي كان صرخة مدوية ومُبكرة للدفاع عن حرية المرأة الشرقية وخروجها من شرنقة التقاليد القديمة، واستقلالها بقراراتها بعيداً عن سُلطة الرجل وحصار المجتمع، بيد أن الفيلم لم ينتصر لفكرة الحرية المُطلقة تماماً، بدعوى التقدمية، وإنما وضع حدوداً مُقننه لها وربطها بالمسار الحضاري، بحيث لا تتعارض الحرية في ذاتها كمُكتسب إنساني مع الأصول الأخلاقية الثابتة والمُتفق عليها اجتماعياً وثقافياً.

مشهد من فيلم في «بيتنا رجل»
وقد انشغل إحسان بهذه القضية فألمح إليها أيضاً في روايته «النظارة السوداء» وجاءت المُعالجة السينمائية لها موازية للمقاييس والمعاني نفسها، وهي سياقات الحرية الخاصة بالمرأة وارتباطها بالنسق الاجتماعي العام والمقبول، فالبطلة التي قامت بدورها في الفيلم الذي يحمل الاسم نفسه نادية لطفي، استوعبت الدرس مؤخراً بعد انتهاء تجربتها في مضمار الحرية ومسلكها على طريقتها الخاصة، وعزفت عن حياة اللهو والفوضى بعد تيقنها من أخطائها واكتشافها بأنها فهمت الحياة فهماً خاطئاً، وقد اعتبر ذلك تصحيحاً واجباً للمسار، أملاه عليها ضميرها بعد يقظتها واستفاقتها من الغفلة. وفي عمل روائي فارق ومهم كتبه إحسان عبد القدوس تحت عنوان «في بيتنا رجل» كان الرهان في مقياس البطولة على التضحية الفردية للبطل المناضل إبراهيم حمدي، الذي انضم لكتائب الفدائيين واستشهد بعد أن غير الكثير من المفاهيم لدى أسرة صديقه وزميل دراسته الذي لم يكن له صله بالسياسة، قبل أن يقيم في بيتهم لفترة مؤقتة بعيداً عن أعين البوليس السياسي. لقد جعل الكاتب من العلاقة العاطفية التي ربطت البطل الثوري بالفتاة الجميلة شقيقة صديقة نواة لنضال آخر مستتر، يحل محل البندقية ويُحدث مفعولها نفسه، فالفتاة الحبيبة التي جسدت دورها في الفيلم زبيدة ثروت آلت على نفسها القيام بدور الوسيط بين إبراهيم حمدي ورفاقه من الفدائيين، ونجحت في توصيل الرسائل المهمة بينهم، إلى أن نجحوا في تنفيذ مخططاتهم الثورية وتنفيذ عملياتهم الفدائية.
وهنا تحولت الشخصية تحولاً جذرياً من كونها فتاة عادية إلى قوة نضالية فاعلة ومؤثرة، ووفق التوظيف السينمائي الذكي للمخرج هنري بركات احتلت زبيدة ثروت بهذا الدور موقع الصدارة في الفيلم، ونافست بقوة البطل الرئيسي للأحداث عمر الشريف وتفوقت على جميع العناصر النسائية الموجودة في العمل وعلى رأسهم زهرة العُلا، التي لعبت دور شقيقتها خطيبة رشدي أباظة الشاب الانتهازي العاطل عميل المباحث.
وفي رواية «لا أنام» التي تم تحويلها أيضاً إلى فيلم سينمائي يناقش الكاتب الروائي مشكلة إنسانية ونفسية على قدر من الخطورة وهي علاقة الابنة بأبيها ورد فعلها إذا ما اعتقدت أنها ستفقده بتأثير شخصية أخرى في حياته، هنا تتفجر كل نوازع الغيرة لديها وتنتفض بكل قوتها للدفاع عن حقها فيه، ولا يهم إزاء الرغبة القوية في الاحتفاظ به أن تكون الوسائل أخلاقية أو غير أخلاقية، فالغاية عندها تُبرر الوسيلة، خاصة إذا كانت الغاية هي أسمى ما يُمكن أن تدافع عنه، حقها في أبيها حبه وحنانه ووجوده إلى جوارها.
لذلك لم يُدن إحسان بطلته المراهقة، بل التمس لها العُذر وأشفق عليها من نفسها ومن طيشها وتصرفاتها الهوجاء، وهذه هي قمة الإنسانية في تقديم المُعالجة بمقياس نفسي، واعتبار روحي محض فرغم أخطاء الابنة الكارثية لم يقدمها في سياق الأحداث بوصفها مُجرمة، بل اعتبرها ضحية الفقد واليتم والحرمان الطبيعي من حنان الأم. لذلك تفوقت فاتن حمامة تفوقاً ملحوظاً في تجسيدها للشخصية، لتفهمها لكل هذه الأبعاد، وقد حرص مخرج الفيلم صلاح أبو سيف على بقاء مسحة النقاء والبراءة في ملامح البطلة، ليُحافظ على المعنى كما أرادة صاحب الرواية إحسان عبد القدوس، الأديب والإنسان والمُبدع.
كاتب مصري