القاهرة ـ «القدس العربي»: استعرضت، «الجبهة المصرية لحقوق الإنسان»، في تقرير، الجمعة، حالة حقوق الإنسان داخل مقار الاحتجاز، بعد مرور عام على إطلاق الحكومة الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في 11 سبتمبر/ أيلول الماضي، معتبرة أن الانتهاكات ذاتها التي ينتقدها المجتمع المدني المستقل المحلي والدولي، منذ عدة سنوات، لا تزال سائدة. كما بينت، أن «استمرار السلطات المصرية في ممارسة نفس أنماط الانتهاكات، يؤكد مرة أخرى أن إطلاق الاستراتيجية، جاء كجزء من حملات العلاقات العامة باهظة التكاليف التي تنفذها الحكومة المصرية لتحسين صورة النظام، بدلا من المواجهة الحقيقية للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ومحاسبة مرتكبيها وتعزيز آليات المساءلة للقضاء على حالة الإفلات من العقاب التي لا تضمن سوى تكرار تلك الانتهاكات».
علاقات عامة
ووفق التقرير، «صاحب الإعلان عن الاستراتيجية حملة علاقات عامة موسعة استهدفت الرأي العام الدولي لمحاولة تحسين صورة النظام المصري بسبب سجل حقوق الإنسان المؤسف».
وبعد الإعلان، اتخذت الحكومة المصرية «بعض الخطوات الشكلية التي لم تسفر عن أي تغيير حقيقي في الوضع المتردي لحقوق الإنسان، بشكل غير مسبوق، وكان من أبرز تلك التغييرات الشكلية رفع حالة الطوارئ في كافة أنحاء مصر في 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي؛ وتعديل قانون السجون، وكذلك دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي في إفطار الأسرة المصرية لحوار وطني يشمل المعارضة، وإعادة تفعيل لجنة العفو الرئاسي لتشرف على عملية رفع أسماء عدد من سجناء الرأي إلى رئيس الجمهورية لإصدار عفو بحقهم».
وفيات في مقار الاحتجاز
وتناول التقرير، أسماء اثنتين وأربعين حالة وفاة على الأقل في مقار احتجاز مختلفة بين سجون وأقسام شرطة ومقار احتجاز غير معلومة، بينهم ثلاثة على الأقل لقوا مصرعهم على إثر التعذيب، الذي لاحظ الأهل آثاره لاحقا عند توجههم لاستلام جثث ذويهم، أما غالبية الوفيات فكانت بالإهمال الطبي الجسيم أو بسبب سوء أوضاع الاحتجاز، التي أدت إلى إصابة المحتجزين بأمراض أو إلى تفاقم أمراض كانوا يعانون منها مسبقا. وكان من بين الحالات البارزة للوفيات، التي رصدها التقرير داخل مقار الاحتجاز، حالة المحتجز أنور موسى الجزار، من سكان محافظة شمال سيناء، والذي اعتُقل، ضمن حملة شنتها السلطات على النازحين من المنطقة.
منظمة رصدت في تقرير عددا كبيرا من الانتهاكات وسط تواطؤ مؤسسات الدولة
ووفق الجبهة، تكررت الأنباء المتداولة حول تعرض المحتجزين للضرب والتعذيب داخل مقار الاحتجاز، سواء على يد قطاع الأمن الوطني أو على يد ضباط المباحث داخل أقسام الشرطة، وكذلك بين الوفيات داخل مقار الاحتجاز يظهر نمطا واضحا، هو أن عددا كبيرا من الضحايا الذين لقوا مصرعهم داخل مقار الاحتجاز كانوا أيضا ضحايا انتهاكات أخرى، كالتدوير من قبل النيابة والمنع المطول من الزيارات والإخفاء القسري والتعذيب على يد جهاز الأمن الوطني.
«خلي البلاغات تنفعك»
كذلك «استمرت الاعتداءات اللفظية والبدنية والمعاملة التي تحط من الكرامة كقاعدة للتعامل مع المحتجزين داخل تلك المقرات، وهي، حسب التقرير، «فلسفة عقابية لم تستهدفها استراتيجية حقوق الإنسان من قريب أو بعيد، تقوم أساسا على الانتقام من المحتجزين والإفلات الكامل من العقاب والحط من كرامة المحتجزين وتصور استحقاقهم لتلك المعاملة غير الآدمية».
ووثقت الجبهة، عدة تصريحات على ألسنة الضباط المسؤولين عن إدارة مقار الاحتجاز تشير بالفعل لتفشي تلك السياسة في أكتوبر/ تشرين الأول 2021، منها تعنت رئيس مباحث سجن وادي النطرون 440 مع أحد المحتجزين، بعد التنكيل به وإدخاله عنبر التأديب وتدهور حالته النفسية لدرجة قيامه بمحاولة انتحار، ورغم ذلك لم تتدخل الإدارة لعرضه على طبيب، ونقل عن رئيس المباحث قوله للمحتجز «خلي البلاغات تنفعك».
تلك الانتهاكات، لا يمكن وصفها بأنها «حالات فردية»، وذلك، «لتكرارها في أكثر من مقر، ولتعرض الضحايا لحزمة متنوعة من الانتهاكات تكون مؤسسات مختلفة في الدولة مسؤولة عنها، وقد بدا ذلك واضحا على سبيل المثال في واقعة التعدي على الناشط السياسي أحمد دومة والباحث أحمد سمير سنطاوي في يوليو/ تموز 2022، حيث اشتملت تلك الواقعة على انتهاكات الإهمال الطبي، والاعتداء البدني، والتعذيب، ومنع دومة من الزيارة، ورفض الإدارة طلبات دومة وسنطاوي بتحرير محاضر رسمية بوقائع الإهمال الطبي والاعتداء وطلب استدعاء النيابة، بل إن إدارة السجن تعدت على سلطة النيابة في التحقيق بمبادرتها بنفي ادعاءات دومة على أنها محاولة لإثارة البلبلة».
علاء عبد الفتاح
وحسب التقرير، يتضح النمط ذاته من تعامل إدارات السجون المختلفة وكذلك النيابة العامة مع إضراب الناشط علاء عبد الفتاح، الذي دخل فيه يوم 2 أبريل/ نيسان الماضي احتجاجا على أوضاع احتجازه وعلى استهدافه من قبل إدارة سجن طرة شديد الحراسة 2 وعلى وقائع التعذيب التي تحدث داخل السجن، ورغم أن نقل عبد الفتاح إلى سجن وادي النطرون شكل تحسنا مبدئيا في أوضاع احتجازه، إلا أن سياسات التضييق عليه مستمرة، وكذلك سياسة التعامل مع الأزمات داخل السجن الجديد، وفقا لما رواه عن باقي المحتجزين معه وما تعرضوا له من منع من التريض وظروف احتجاز صعبة دفعت بعضهم للتفكير في انتحار جماعي».
ووقعت أيضا خلال العام وقائع تعذيب عديدة، كانت أبرزها فاجعة مقتل الباحث الاقتصادي أيمن هدهود، التي تشير بوضوح إلى أن «التعذيب منهجي ومنظم ويستعمل سياسة موازية للقانون تتواطأ فيها أجهزة الدولة المختلفة لتحول دون انكشاف حقيقة تلك الوقائع أمام الرأي العام، وقد شمل ذلك قوات الأمن الوطني ومستشفى العباسية والنيابة العامة ومصلحة الطب الشرعي، كما ظهر النمط ذاته في تعامل وزارة الداخلية والنيابة العامة في قضية محتجزي قسم السلام، الذين صوروا مقطع فيديو يوضح تعرضهم للتعذيب والعقاب الجماعي تحدثت عنه صحيفة «الغارديان»، فلم يكن من وزارة الداخلية والنيابة إلا أن وقعوا عقابا جماعيا آخر، بتعريض من اشتركوا في تصوير الفيديو أو نشره للإخفاء القسري والمحاكمة بتهم متعلقة بالإرهاب ونشر أخبار كاذبة».
الاختفاء القسري
وعن استمرار الحكومة في استخدام الاحتجاز غير القانوني، إما باحتجاز المواطنين في أماكن غير مخصصة لذلك وإخفائهم قسريا، أو حبسهم احتياطيا لفترات طويلة تتجاوز المدد المسموح بها قانونا، أو استخدام سياسة التدوير (وفي أحيان كثيرة في قضايا منسوخة من القضايا القديمة، رصدت الجبهة، عشرات حالات الإخفاء القسري في مقار احتجاز مختلفة في أنحاء الجمهورية، أغلبها احتجاز غير قانوني داخل مقرات الأمن الوطني في تهم متعلقة بحرية التعبير وممارسة النشاط الصحافي كاحتجاز وإخفاء الصحافيين محمد جمعة مبارك أحمد، وهاني عبد الرحيم إسماعيل، ومحمد فوزي أو ممارسة النشاط القانوني كحالة المحامي الحقوقي يوسف منصور، أو النشاط السياسي السلمي كحالة عضو حزب الدستور هيثم البنا، أو بسبب التعبير عن آرائهم على منصات التواصل الاجتماعي.
وكان من بين حالات الاختفاء 16 سيدة على الأقل، وكانت نسبة كبيرة منهن من محافظة شمال سيناء، وقامت النيابة بتدويرهن بعد عدة أشهر من الاختفاء القسري. وتعرض المحتجزون أثناء الإخفاء القسري لانتهاكات جسيمة أخرى، مثل التحقيق غير الرسمي بدون محامين، والتعذيب البدني والنفسي، كما أن بعضهم يحتجز بشكل جماعي مع أفراد آخرين من أسرهم أو للضغط على أفراد من أسرهم لتسليم أنفسهم، وفق الجبهة.
سياسة التدوير
ويرتبط الإخفاء القسري، حسب التقرير، بشكل قوي بسياسة التدوير، حيث تكرر إخفاء محتجزين قضوا عدة سنوات في الحبس وأنهوا أحكامهم أو حصلوا على البراءة لحين إظهارهم ثانية أمام النيابة على ذمة قضية جديدة، وكان من بينهم آسر زهر الدين الذي كان قد أنهى حكما بالسجن لخمس سنوات بدأ في تنفيذه وهو تحت السن القانوني؛ والمتهمون بالقضية 1935 لسنة 2021 أمن دولة، والتي تعرضت فيها المتهمات للإخفاء القسري لشهور عديدة ثم التدوير.
وقد رصدت الجبهة أيضا امتداد الإخفاء القسري في الكثير من الحالات لسنوات طويلة، ومن بين حالات الاختفاء المطول تلك حالات أطفال تم إخفاؤهم وهم تحت السن القانوني، مثل حالة عبد الله بومدين الذي كان قاصرا عند اختفائه لأول مرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام.
لم يسلم اللاجئون بدورهم من سوء أوضاع الاحتجاز، حيث وثق التقرير، الاحتجاز التعسفي والتهديد بالترحيل أو الترحيل الفعلي لعشرات اللاجئين، تعرضوا للإخفاء القسري والضرب والعمل بالسخرة أو الإجبار على العمل كمخبرين لأجهزة الأمن ضد جالياتهم، وسرقة متعلقاتهم الشخصية، والتهديد بتلفيق قضايا حيازة مخدرات أو معاودة اعتقالهم في حال تحدثوا علنا عما حدث لهم من انتهاكات.
الانتقام من الأسر
أما المعارضون في الخارج، فبالتوازي مع خطاب الدولة عن تحسن حالة حقوق الإنسان، كان الاعتقال التعسفي، حسب التقرير، «أداة أساسية لملاحقتهم والانتقام من أسرهم المقيمة في مصر إلى جانب خطاب التخوين المتزايد ومحاولة التخفيف من أثر معارضتهم على الرأي العام الخارجي».
وبدا ذلك واضحا «في حملات إعلامية منظمة، كردود الحكومة على تصريحات الناشط رامي شعث عن سوء أوضاع الاحتجاز بعد خروجه من مصر، والانتهاكات الجسيمة بحق أسرة الناشط الحقوقي محمد سلطان، التي لم تتوقف عند إخفاء والده قسريا ووضعه لشهور عديدة في الحبس الانفرادي ومنعه من الزيارة بشكل شبه كامل وحرمانه من الرعاية الصحية، بل أيضا ملاحقة أفراد آخرين في الأسرة للضغط على سلطان لوقف نشاطه الحقوقي في الولايات المتحدة.»
كما «تصاعدت وتيرة التنسيق مع السلطات الأمنية في دول أخرى لإعادة المعارضين المصريين لديها قسرا، ليكونوا عرضة للإخفاء القسري والتعذيب أو لمواجهة أحكام مغلظة في قضايا عسكرية شابتها انتهاكات لإجراءات المحاكمة العادلة، ما حدث مع الشاب حسام سلام، الذي دفعه سوء أوضاع احتجازه للدخول في إضراب عن الطعام في يونيو/ حزيران الماضي».
ولفت التقرير، إلى أن «التنسيق لترحيل المعارضين في الخارج امتد ليستهدف أسرا بأكملها يتعرض أفرادها للإخفاء القسري والاحتجاز غير القانوني ليس في مصر فقط بل في الدول التي تقوم بترحيلهم، كما حدث مع أسرة حبيبة أحمد صبحي في سبتمبر/ أيلول 2021.»
وثقت مصادر حقوقية ترحيل الحكومة السودانية في شهر يونيو/ حزيران الماضي أكثر من اثني عشر مواطنا مصريا.
وخلصت المنظمة الحقوقية في تقريرها، إلى أنه «بخلاف الخطاب الحكومي منذ سبتمبر/ أيلول 2021، الذي يسعى لتصدير صورة يبدو منها حدوث تغييرات واسعة النطاق في مجال حقوق الإنسان، إلا أن الواقع على الأرض يشير إلى أن النمط السائد هو في حقيقته امتداد واستمرار لسياسات النظام خلال الأعوام السابقة التي شهدت انتهاكات غير مسبوقة لحقوق الإنسان، والتي كان أهم ما يميزها ليس فقط اتساع نطاقها ليشمل مناطق جغرافية واسعة وفئات متنوعة من المحتجزين، بل أيضا تواطؤ مؤسسات الدولة المختلفة لتمرير تلك الانتهاكات أو التمكين منها أو تهيئة الظروف لاستمرارها دون محاسبة.