لم أتعود الكتابة عن النقاد إلا نادرا، ذلك أنني مؤمن بمقولة رسول حمزاتوف، الناقد لا تمدحه فتبدو صاحب حاجة ولا تسبه فلا تسلم من لسانه. وإن كنت مدحت بعض النقاد يوما، فلما قدموه للثقافة العربية أكثر مما قدموه لي. على أي حال يغفر لي هنا أن من أتحدث عنه رحل عن دنيانا منذ سبع سنوات، وبدا أنه دخل للأسف طي النسيان، رغم أنه يوما ما كان حاضرا وبقوة، وأعني به الناقد عبد الرحمن أبوعوف.
أول معرفتي به كانت من خلال كتابه المهم جدا «البحث عن طريق جديد للقصة القصيرة» عام 1971 وهو الكتاب الذي تحدث فيه عن خصائص القصة القصيرة، كما يكتبها جيل جديد سمي بجيل الستينيات. كان هذا الكتاب طلة واسعة ودقيقة على آليات الكتابة الجديدة ـ التي بلا شك سبقهم إليها كتاب كبار مثل يحيى حقي ويوسف الشاروني ويوسف إدريس، لكن كانت ميزتهم أنهم جماعة متماسكة كانت لهم مجلة هي «جاليري 68» واستطاعوا أن يجعلوا لأنفسهم خندقا خاصا.
لخص لي عبد الرحمن أبوعوف في علاقته بجيل الستينيات علاقة النقد بالإبداع، فهو الذي دافع ورهن قلمه للكتابة عنهم، ووجد منهم في نهاية عمره كل إنكار ممكن وبدا أنهم ـ ليس كلهم طبعا ـ لا يأخذونه مأخذ الجد، رغم أن كتابه يظل حتى الآن من أهم ما كتب عنهم وعن قصصهم القصيرة. وإذا رجعنا إلى زمن صدوره نعرف كيف كان وقعه على الحياة الأدبية. جمعت بيني وبينه الظروف في ندوات قليلة حضرها في الإسكندرية، ثم في القاهرة حيث كان دائم الجلوس في مقهي الحميدية يدخن الشيشة، وكثيرا ما كنت أمرّ عليه فضلا عن لقاء كان يقيمه لنا رجاء النقاش في النصف الثاني من السبعينيات في دار الهلال كل أسبوع، كان هو دائم التردد عليه مثلي.
كان عبد الرحمن أبوعوف لا يقبل الحديث الوسط عن أي شيء، وبسرعة يبدي موافقته للعمل أو رفضه الذي كان يبدو فيه شيء من الازدراء من حركة شفتيه ويديه. باختصار كان عصبيا ولا أعرف هل مرد هذه العصبية كان لنحافة جسده وضعفه أم لطبيعته.
كان عبد الرحمن أبوعوف لا يقبل الحديث الوسط عن أي شيء، وبسرعة يبدي موافقته للعمل أو رفضه الذي كان يبدو فيه شيء من الازدراء من حركة شفتيه ويديه.
كتب عبد الرحمن أبوعوف أكثر من كتاب جميل مثل «الرؤى المتغيرة في روايات نجيب محفوظ» و«يوسف إدريس وعالمه في القصة القصيرة» و«فصول في النقد والأدب» و«مراجعات في الأدب المصري المعاصر» و«القمع في الخطاب الروائي العربي»، الذي تناول فيه أعمالا لعبد الرحمن منيف وحيدر حيدر وحنا مينه وغالب هلسا وغسان كنفاني وصنع الله إبراهيم وسلوى بكر والطاهر وطار ومحمد زفزاف وغيرهم.
ورأس في فترة تحرير مجلة «الرواية» التي كانت تصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، فترة لم تطل. وكان من المترددين كثيرا على جريدة «الأهرام» أيام توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس، وكان دائما يحدثنا عن لقائه معهم ومناقشاتهم. وحتى لا أنسى كيف بدا أن عددا من كتاب الستينيات يستهينون به في آخر عمره، أذكر واقعة أنه فجأة ولا أعرف السبب هاجمهم قبل موته بسنوات قليلة في جريدة «الكرامة» التي تصدر عن الحزب الذي يحمل هذا الاسم، وقال بالنص إن حكاية جيل الستينيات كانت لعبة عملناها، لكنهم لم يكونوا الأوائل في كتابة قصة قصيرة جديدة، لا في الشكل ولا في المضمون، وقد سبقهم كثيرون مثل من ذكرت أنا أسماءهم من قبل. حولتها الجريدة إلى معركة لم تطل، ورد عليه بعض كتاب الستينيات معتبرين أن ما يقوله كلام فارغ أو نحو ذلك. على المستوى الشخصي لم يكن عبد الرحمن يتحمل الاختلاف معه. لقد عاش أعزب حياته كلها، ولم نسمع عنه أي قصص حب ولا مغامرات جنسية، وربما كان هذا الحرمان وراء عصبيته إلى حد ما.
حين وقع الزلزال في مصر عام 1992 وكان عبد الرحمن يسكن قريبا من قسم السيدة زينب، فوجئت به يتصل بي يقول إن البيت الذي سكنه انهار، وإن هناك كتبا مهمة في مكتبته يريد بعضها ولا يعرف ماذا يفعل ويطلب مني أن أساعده في هذا.
حكاية عبد الرحمن أبوعوف كناقد مع الكتاب الذين أخلص لأعمالهم تلخص موقف كثير من المبدعين من النقاد في سنوات متقدمة من عمرهم، بعد أن يصير الكتّاب مشهورين.
قابلته في المقهى وذهبنا إلى البيت فوجدته في مكانه. تهاوى فقط جزء منه، وكانت شقته في الدور الثاني. قال لي أنه يخشى أن يصعد السلم فينهار البيت فجأة. لقد رحل ساكنوه وحتى أصحاب المحلات التي في الدور الأرضي أغلقوها. وجدت أن صعودنا ليس مهمة صعبة فالسلم قائم في مكانه، وإذا كان سقف شقته قد سقط على الكتب فلابد أن بعضها واضح للعيان. تردد في الصعود معي لكنني قلت له أنا لا أعرف أي كتب تريدها. سأصعد معك وأقف حتى تنهي مهمتك. سأموت معك ياعبد الرحمن لا تخف. اتسعت عيناه وجاء خلفي وصعدنا السلم ودخلنا الشقة التي تركها مفتوحة الباب حين حدث الزلزال. وجدت مكتبة صغيرة على الجدران لكن أعدادا ضخمة من الكتب فوق الأرض وكلها مختلطة بلا نظام وسقف الشقة فعلا تساقطت أجزاء منه. راح يدور حول الكتب وأنا أقف مبتسما حتى مد يده إلى كتاب من كتب المرحوم نصر حامد أبو زيد، وقال لي هذا ما أريده. ابتسمت ونزلنا تاركين البيت وفي الشارع ضحكت وقلت له ياعبد الرحمن تعرضنا للموت من أجل كتاب واحد كان يمكن أن تشتريه أو أشتريه أنا لك.
حكاية عبد الرحمن أبوعوف كناقد مع الكتاب الذين أخلص لأعمالهم تلخص موقف كثير من المبدعين من النقاد في سنوات متقدمة من عمرهم، بعد أن يصير الكتّاب مشهورين. وتكرر الأمر مع الكاتب عبد الفتاح الجمل الصحافي الشهير وهو بالمناسبة كاتب للقصة والرواية، وإن غلبته الصحافة، والذي فتح جريدة «المساء» لكتاب الستينيات في ذلك الوقت وبشّر بهم بقوة قبل غيره. حين أحيل إلى التقاعد قابلته في الطريق وسألته أين يذهب فركب معي سيارتي وجلس صامتا. كان قد نشر مقالا في جريدة ثقافية يشرف عليها كاتب ستيني كان متحمسا له جدا، أعني عبد الفتاح الجمل. وجدته يبتسم في مرارة ويضحك ثم يقول «طلب مني أن أكتب عنده فكتبت فخصص لي، مبلغا تافها جدا أقل من نصف ما تدفعه أي جريدة محلية وقتها، قلت له لا تكتب عنده. الدنيا مفتوحة أمامك. لم يكن متضايقا من المبلغ في ذاته لكن كان بلاشك يقيس ما جرى معه على ما فعله من تقديم أولئك الكتاب أو ذلك الكاتب. لكن عبد الفتاح الجمل صمت ولم يهاجم أحدا كما فعل عبد الرحمن.
٭ روائي مصري