عرب في قصر الحمراء… ماذا لو أن الأندلس لم تسقط؟

حجم الخط
10

يُقدم عبد الوهاب الحمادي في روايته «ولا غالب» على مغامرة سردية، قد تبدو من الوهلة الأولى أنها مخاطرةن وأن الكاتب سوف يضع نفسه في حرج، لكن شيئاً فشيئاً، يتكشف للقارئ أن الكاتب ممسك بحبال اللعبة، يسوس عربة السرد بوعي، ففي هذا النص يقدم شكل رواية لم يتعود عليها القارئ، لا يقص حكايته من منظور راوٍ عليم وحده، أو بالاكتفاء ببوليفونية الأصوات، بل يدرج خلطة أخرى، حيث أنه ضمن الرواية آراء بعض معارفه وكتاب آخرين، في كل فصل من فصولها، جعل «ولا غالب» تبدو كما لو أنها لا تزال في مرحلة المسودة، جازف بأن دسّ بين صفحاتها آراء لا تمتدح ما يكتب، بل تذمه أحياناً، بدا كما لو أنه يقرأ ما يدور في عقل القارئ، استبقه إلى تبني هفواته، انتقد نفسه بنفسه قبل أن ينتقده غيره، آثر ألا يستفرد بحكاية وحده.
تسير الرواية، في نصفها الأول، في حوارات بين شخصيات قليلة، ثلاثة كويتيين، وصلوا في زيارة إلى قصر الحمراء في غرناطة، سائق فلسطيني ومؤرخ إسباني، يدورون في رتابة سياح، في تأملات متقطعة، وأحاديث عادية، لكن الانقلاب سوف يحصل في النصف الثاني منها حينما يتورطون في حرب غرناطة ضد القشتاليين، يعود الكاتب بحكايته إلى القرن الخامس عشر، والأهم من ذلك أنه امتلك حيلة في الربط بين غزو غرناطة وغزو الكويت، في زمن الرواية الذي يدور عام 2002، مع إشارات إلى تهيؤ الأمريكيين لغزو العراق. بين ثلاث غزوات يفصل بينها ما يربو على خمسة قرون تدور «ولا غالب» (المركز الثقافي العربي، 2020).

عالقون في الالتفات إلى الخلف

في خضم القصة الأساسية، نُصادف شذرات من قصة ثانوية لا تقل أهمية عنها، تتجسد في ذلك الصراع بين كاتبين، يبدي كل واحد منهما رأيه في فصول «ولا غالب» الأول يدعى واصل الشرقاوي والثاني فرحان السيوفي، الأول يبدو من جيل مخضرم، من حرس المعبد، كما نجد أمثالهم في كل بلاد عربية، ذلك النوع من الكتّاب الذين تكرسوا بفعل الزمن، من كثرة مماطلتهم وتكرارهم وتسللهم إلى كل الموائد الأدبية، من ذلك النوع الذي يقر بأن السن من يحدد علو الكاتب أو دنوه، والثاني من عمر أقل، ناقماً عليه، لا يعلق على فصول الرواية، دون أن يردفها بالانقاص من خصمه، هذا الصراع بين جيلين مختلفين سوف يجد صدىً له في صراع بين شخصيات الرواية الأساسية، بين داعية لا يزال يحلم بعودة الإسلام إلى الأندلس، يبادر إلى دعوة كل غريب إلى دينه، ممسكاً بعود المسك في يده، في صورة كاريكاتيرية، بينما الثاني مذيع متقاعد قومجي متحمس لفكرة الوحدة المستحيلة، مؤمن بأن التاريخ سوف يعيد نفسه، الرابط بين الاثنين أنهما عاشا غزو الكويت من موقعين مختلفين، لكنهما تورطا فيها، الداعية كان يومها في القصر الأميري وشاهد مقتل فهد الأحمد، والآخر فرّ إلى القاهرة وعاش تلك المأساة في قلبه يوماً بيوم، بينما الشخصية الثالث كان طبيباً كويتياً، حل في غرناطة استجابة إلى مشيئة زوجته المتوفاة غادة، التي فارقت الحياة أيام الغزو بسبب نفاد الأدوية، ينضاف إليهم السائق الفلسطيني الذي وُلد وتربى في الكويت قبل أن يهجرها مع أهله عقب الغزو، هكذا يتشاركون كلهم في حكاية متشابهة، إضافة إلى المؤرخ الإسباني الساخر من التعلق المرضي للعرب بماضيهم، قبل أن تنطلق رحلتهم التاريخية إلى الوراء، في مسعى تجنيب غرناطة من السقوط بمساعدة أبي عبد الله، آخر ملوك الأندلس، من ورطة الحصار وتمديد أجله. في هذا المفصل من الرواية، سوف يطفو أهم سؤال حاول عبد الوهاب الحمادي مقاربته: ماذا لو أن الأندلس لم تسقط؟ حيث يسطع رأي بين شخصيات روايته أن سقوطها أدى إلى سقطات تاريخية أخرى، وأن ما يحصل في العالم العربي في القرن العشرين وبداية القرن الجديد ليس سوى جزء من سلسلة طويلة من الحلقات ومن الانهيارات، التي ما كانت لتحصل لو أن غرناطة صمدت. هذا المنطق الذي تنزاح إليه الشخصيات، قد يبدو منطقاً رومانسياً، حالماً، لكنه يطرح قضية مهمة تتمثل في هذا التعلق غير المعلل للعربي بماضيه، هذا العربي الذي فشل في التصالح مع حاضره، ويربط كل ما يعرفه من هزات بأخطاء السابقين، العربي الذي يرفض أن يتحمل مسؤوليته، ويقلب دائماً في أرشيفه عمن يحملهم مسؤولية ما يعيشه.

الأندلس التي لم نرث عنها شيئاً

يورد الكاتب مقاطع مطولة في توصيف معمار قصر الحمراء، زخارفه والآيات والأبيات المنقوشة على حيطانه، سجادته وبلاطه، ذلك الإسراف نوعاً ما في التفاخر بذلك المكان يضمر حزنه عما آلت إليه العمارة الإسلامية، كما لو أننا لم نرث من الأندلس سوى البكاء عليها، لم نقتبس منها لا هندستها ولا أصالة بنائها، كما أن شخصية الطبيب الكويتي، التي تبدو في مطلع الرواية محايدة، تستمع وترد على الأسئلة، دون إبداء رأي أو مناقضة آخر، ندرك لاحقاً أنها شخصية لا تزال عالقة في الماضي أيضاً، ذلك الطبيب يبحث عن وجه يشبه وجه محبوبته غادة، هذه الشخصية الغائبة، التي يتكرر اسمها ولن نعرف الشيء الكافي عنها، فقد جاءت «ولا غالب» شبه خالية من النساء إلا قليلا، وهي ملاحظة أشار له بها واصل الشرقاوي لكنه لم يأخذ بها. وعلى ما ترنو إليه الرواية من نقد تلك العلاقة المستعصية بين العربي وماضيه، فقد وقعت في بعض المرات في تمجيد ذلك الماضي، لكن سرعان ما يستعيد عبد الوهاب الحمادي خيوط لعبته، في مناورته مع الميثافيكش، حيث يتلاقى راهن تعرض فيه شاشة التلفزيون قرب غزو بغداد، بينما الشخصيات تستعيد في مخيلتها غزو الكويت، ويسترد لحظات غرناطة الأخيرة، جاعلاً من العبارة الشهيرة «ولا غالب إلا الله» التي نقشها بنو الأحمر، آخر حكام الأندلس، على الحيطان، عنواناً لعمله.

روائي جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية